كلمات
.. إلى كل الأحرار و المغاربيين على الخصوص
————–
( 1/2)
الحدود .. الريسوني والجزائريين
و
المنطق المقلوب
د. أحمد ويحمان

     موضوع *كلمات* اليوم غاية في الأهمية، وربطه بحدث/ سبب نزوله أقل أهمية إلا ماكان من سياقه؛ أي السياق الإقليمي الذي جاء فيه .
    أما الموضوع فهو موضوع *الوحدة المغاربية* التي أصبح النقاش فيها مقلوبا إذ أصبح  تناولها يتم بالخلف؛ ليس الخلف الرياضي ( mathématique ) المفيد للوصول إلى الحقيقة العلمية في مسألة من المسائل، وإنما الخلف الإيديولوجي المتعصب الذي لا يفيد في شيء ويوصل إلى التيه، بل إلى عكس الهدف المنشود و يكرس نقيض المطروح ( وهو هنا الوحدة ) ؛ أي *التجزئة* .
 هكذا، بدل أن يناقش المغاربيون الوحدة وأسسها وصيغها الممكنة والسبل المفضية إليها، يظلوا يناقشون ضدها؛ *التقسيم* والتفتيت وعنوانها المؤطر؛ *الحدود* !
 هذا عن الموضوع أما الحدث وسياقه فهو حوار الدكتور أحمد الريسوني الذي يتحمل، منذ حوالي اربع سنوات، مسؤولية رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خلفا للشيخ يوسف القرضاوي . الحوار كان مع قناة بلانكا تيفي، قبل حوالي أسبوعين، وتناول اللقاء المطول جملة من القضايا ضمنها قضية الصحراء *المغربية* ، حسب معظم المغاربة ومن يساندهم، و *المستقلة*  حسب عدد من الجزائريين أو *المتنازع عليها* حسب عدد آخر منهم ومن يساند طرحهم . مع استحضار رأي من يدعم الموقف الجزائري من المغاربة ومن يساند الطرح المغربي من الجزائريين .

1) لا معنى لمفهوم الحدود بين الأقطار المغاربية
لا نريد أن ندخل هنا في نقاش مضامين قول الدكتور الريسوني ( الإسلامي) في الموضوع ولا في مضامين ردود عدد من الجزائريين، ومعظمهم من الإسلاميين ! ( الذين اعتبروا أنفسهم معنيين، ربما، لأن الأمر يتعلق ب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ) .. ليس هذا قصدنا هنا، وإنما نقصد تسليط الضوء، في شكل ومضة (flash) على الموضوع من منظور التاريخ وعلم الإناسة لنقول بأنه تاريخيا وأنتروبولوجيا، لامعنى لمفهوم الحدود بين الأقطار المغاربية ! .
فإذا اتينا لاستنطاق التاريخ وناقشنا الأمبراطورية المرابطية، مثلا، وطرحنا السؤال عنها وعن نشأتها وجدنا أنفسنا أن اللمتونيين هم من أسسوها وبنوا عاصمتها . واللمتونيون بلغة اليوم، هم الموريتانيون ! . وإذا فتحنا النقاش عن الإمبراطورية الموحدية وجدنا أنفسنا أن زعيم الدعوة وقائد الثورة هو المغربي المهدي بن تومرت، لكن مقيم الدولة هو السلطان عبد المومن بن علي الݣومي، وهو جزائري بمقاييس ونسب اليوم ! وقس على ذلك باقي تاريخ منطقتنا، نزولا إلى إمارات الخوارج والشيعة وامتداداتها هنا و هناك والدولة العبيدية الفاطمية وقبلهما الممالك البربرية ( الأمازيغية)، وطلوعا حتى الاستعمارات والمقاومات، قبل أن نصل إلى الاستقلالات الملغومة؛ هذه الاستقلالات المحفوفة بعدد من الإنحرافات والاصطدامات و المفارقات التي ميزت تاريخنا الراهن وليس آخرها نشوب هذه الملاسنة بين طرفين؛ إسلاميين كليهما، حول الحدود !
2) الخطابي .. ميثاق 1947 .. وأكلاف نكث المواثيق
سنة 1947، بعد تمكنه من الإفلات من قبضة الاستعمار في ميناء بور سعيد بمصر خلال رحلة عودته، أو على الأصح عودتهم به، من جزيرة الريونيون في المحيط الهندي (حيث قضى 20 سنة من المنفى ) إلى فرنسا للمساومة والضغط به بعد أن لم تنفع المساومة معه .. بعد تمكنه من الإفلات، أقام محمد بن عبد الكريم الخطابي، مبدع حرب العصابات الذي أذاق الاستعمارين الفرنسي و الإسباني الأمرين، بالقاهرة . وهناك التف حوله بمكتب المغرب العربي قادة الحركات الوطنية بالأقطار المغاربية فأسس لجنة تحرير المغرب العربي وجيش تحرير المغرب العربي .
كانت الحركات الوطنية في لجنة تحرير المغرب العربي ممثلة بكل من الحبيب بورقيبة ( الذي سيصبح اول رئيس لجمهورية تونس ) عن القطر التونسي و الشيخ الشاذلي المكي ممثلا للقطر الجزائري وعلال الفاسي ممثلا للحركة الوطنية المغربية ..
سيدخل على الخط، لاسيما في الجانب العسكري، وأمور تنظيم جيش تحرير المغرب العربي أطر ووجوه عدة سيكون لهم شأن فيما بعد من أمثال أحمد بن بلة ( الذي سيصبح فيما بعد اول رئيس فعلي لجمهورية الجزائر المستقلة ورفاقه ) القائد التونسي الكبير الحبيب تامر والعقيد المغربي الهاشمي الطود رفيق البكباشي جمال عبد الناصر وزميله في خندق الفلوجة خلال حرب فلسطين سنة 1948 .. الطود المؤطر العسكري لرفيقه هواري بومدين ( الذي سيصبح ثاني رئيس للجمهورية الجزائرية) …
لقد تأسست بالقاهرة سنة 1947 لجنة لتحرير المغرب العربي وجيش لتحرير المغرب العربي . وكان المشروع كبيرا كبر المؤسسين وكانت الثقافة المؤطرة للمشروع محكومة بذهنية المأسسة، رغم أهمية الكاريزما الطاغية لرئيس المشروع الذي يغطي صدقه ويمحو تواضعه كل المظاهر السلبية المرتبطة بالكاريزمات التي تنحو للاستبداد .
كان المشروع كبيرا وكانت العقلية المتحكمة فيه ” التأسيسية ” و المأسسة.. ولذلك كان لا بد من إطار قانوني وأخلاقي يضبط العمل والتعاقدات والتعهدات . فجاء ميثاق القاهرة الذي وقعه ممثلو الحركات الوطنية بالأقطار المغاربية ووقعه معهم رئيس مكتب المغرب العربي الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي اعتبره ماو تسي تونغ مرجعه في حرب التحرير الشعبية وطلب دعمه طيلة الحرب الفيتنامية هو شي مينه وجلس تشي جيفارا القرفصاء ببيته بالقاهرة، يصغي و يدون تعاليمه في مذكراته !
فماذا يقول وعلى ماذا ينص ميثاق القاهرة أو ميثاق 47 ؟
ينص الميثاق الذي وقعه وتعهد بمضامينه قادة الحركات الوطنية المغاربية، ( والصيغة من الذاكرة لغاية ما نعود للتدقيق الحرفي ) على أن المغرب العربي دولة إسلامية وجزء لا يتجزأ من الوطن العربي . ( البند الأول) . وعلى أن قادة الحركات الوطنية بالأقطار المغاربية، الموقعون على الميثاق، يتعهدون ( بعد تحذير الاستعمارين الفرنسي والإسباني واستنفاذ حل موضوع الاستقلال التام بالتفاهم) بمواصلة الكفاح المسلح حتى تحرير آخر شبر من المغرب العربي …الخ .
هذا ما نص عليه ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي وما تعهد به قادة الحركات الوطنية به، على اختلاف مشاربهم وميولاتهم السياسية .. وهذا ما أذاعه، باسمهم جميعا، في بيان ما تزال الإذاعة المصرية تحتفظ به وهو مدون في عدد من الأطاريح الراسائل الأكاديمية والبحثية لايحضرني منها الآن إلا رسالة ماجستير للباحث الجزائري بولغيتي بلقاسم الذي ضمن بحثه الجيد نص البيان الاذاعي للزعيم الخطابي في ملاحق الرسالة .
” المغرب العربي بالإسلام كان و للإسلام عاش وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبلية ” …
هذا هو المقطع الأول من البند الأول لميثاق لجنة تحرير المغرب العربي . نقشه الرواد الأوائل على طريق بناء وحدة المغارب؛ الأقصى والأدنى والأوسط والتمهيد لتجاوز الحدود بين الأقطار المغاربية في كل من تونس والجزائر ومراكش .. ثم يأتي إسلاميونا الآن ليتصدروا فتنة التقسيم بإثارة الحدود !!!

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube