ترجمة: أحمد رباص

على الرغم من أن أوكرانيا لديها بعض الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة في العالم، إلا أن ثروة القطاع الزراعي في أوكرانيا ظلت لفترة طويلة بعيدة عن متناول صغار المزارعين في البلاد. في البلد المعروف باسم “سلة خبز أوروبا”، سيطرت الأوليغارشية والشركات متعددة الجنسيات على الزراعة منذ خصخصة الأراضي العامة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991. وعلى مدار الثلاثين عاما الماضية، لم تتمكن أي حكومة من تحدي هذا النظام المعمول به.
هل سيتغير ذلك الآن بعد دخول قانون مثير للجدل ينشئ سوقا للأراضي حيز التنفيذ في 1 يوليوز 2021؟
يقول أنصار القانون إن سوق الأراضي هو شرط ضروري لجذب الاستثمار الأجنبي الذي سيسمح للزراعة الأوكرانية بالوصول إلى إمكاناتها الاقتصادية الكاملة. ومع ذلك، يعتقد العديد من  الأوكرانيين أن هذا القانون سيكون له تأثير في زيادة الفساد وسيطرة الأقوى على القطاع الزراعي.
يعد قانون “تعديل بعض القوانين المتعلقة بشروط تجديد الأراضي الزراعية” (القانون رقم 552-IX) عنصرا أساسيا في خطة التحرير التي دافع عنها الرئيس فولوديمير زيلينسكي والمؤسسات الدولية الغربية التي تدعم حكومته. 
تم اعتماد هذا القانون من قبل البرلمان الأوكراني المكون من غرفة واحدة في مارس 2020، وكان هذا القانون، بالنسبة للحكومة التي كانت تعاني من ضائقة مالية، شرطا للحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار منحه صندوق النقد الدولي (IMF).

التاريخ المعقد لملكية الأراضي في أوكرانيا

عندما كانت أوكرانيا جزء من الاتحاد السوفيتي، كانت جميع الأراضي ملكًا للدولة، وكان المزارعون يعملون في المزارع الجماعية والعامة. في التسعينيات، وبدعم من صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أخرى، خصخصت الحكومة معظم الأراضي الزراعية في أوكرانيا، ووزعت كوبونات على العمال تسمح لهم بامتلاك قطعة أرض زراعية محددة الحدود. ومع ذلك، على خلفية الانهيار الاقتصادي على مستوى البلاد، يعيد الكثيرون بيع قطعهم، مما أدي إلى تركيز تدريجي للأراضي في أيدي الأوليغارشية الجديدة.
من أجل كبح هذه العملية، قررت الحكومة في عام 2001 تجميدا، وضع حدا لخصخصة الأراضي العامة، ومنع تقريبًا جميع المعاملات المتعلقة بالأراضي الخاصة، مع استثناءات قليلة، مثل الميراث. 
ومع أنه كان من المفترض أن يكون الوقف مؤقتًا، فقد تم تجديده عدة مرات بسبب عدم قدرة البرلمان الأوكراني والحكومات المختلفة على تمرير وتنفيذ الإصلاحات القانونية التي من شأنها أن تسمح بإنشاء نظام أكثر إنصافا لحيازة الأراضي.
41 مليون هكتار، أو حوالي 96 ٪ من الأراضي الزراعية الأوكرانية، متأثرة بالوقف الاختياري. حوالي 68٪ ،أو 28 مليون هكتار، من هذه الأرض مملوكة لأصحابها الخةاص (رغم عدم تقسيم كل شيء إلى قطع أرضية فردية)، مع العلم أن البلاد بها 7 ملايين مالك.
في حين أن الوقف قد منع بيع الأراضي الزراعية، إلا أنه لم يمنع تأجيرها، والعديد من أصحاب الحيازات الصغيرة يؤجرون أراضيهم لشركات محلية وأجنبية. كما قامت الدولة بالمزاد العلني لعقود إيجار الأراضي المؤممة ذات الأسعار المرتفعة. 
وقالت حكومة الرئيس زيلينسكي إنه تمت خصخصة ما لا يقل عن 5 ملايين من أصل 10 ملايين هكتار من الأراضي العامة بشكل غير قانوني في ظل الإدارات السابقة. 
فرغم صعوبة معرفة هوية مستأجري الأراضي الزراعية الأوكرانية (العديد من عقود الإيجار غير مسجلة)، تسرد قاعدة بيانات Land Matrix الخاصة بمعاملات الأراضي عقود الأراضي الزراعية واسعة النطاق بين الشركات الأوكرانية والأجنبية، بإجمالي 3.4 مليون هكتار. ويقدر آخرون أن إجمالي مساحة الأرض المؤجرة من قبل أكبر الشركات العاملة في البلاد ستبلغ أكثر من 6 ملايين هكتار. أول خائز على الأراضي الزراعية هو شركة كيرنل Kernel، المملوكة لمواطن أوكراني ولكنها مسجلة في لوكسمبورغ، بمساحة تقارب 570،500 هكتار ؛ تليها شركة UkrLandFarming (570.000 هكتار)، شركة الاستثمار الأمريكية الخاصة NCH Capital (430.000 هكتار) ، MHP (370.000 هكتار) ، وأستارتا (250.000 هكتار). ومن بين اللاعبين الرئيسيين الآخرين المجموعة السعودية كونتيننتال فارمرز جروب مع 195000 هكتار (الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والحيواني، وهي شركة مملوكة لصندوق الثروة السيادية في المملكة العربية السعودية، هي المساهم الأكبر )، والشركة الزراعية الزراعية الفرنسية التي تبلغ مساحتها 120 ألف هكتار.

افتتاح سوق الأراضي الزراعية

أنهى القانون 552-IX الوقف وأذن للأفراد بالحصول على ما يصل إلى 100 هكتار من الأرض اعتبارا من 1 يوليوز 2021. سيتمكن الأشخاص الطبيعيون والاعتباريون (أي الشركات) من شراء ما يصل إلى 10000 هكتار اعتبارا من 1 يناير 2024. وسوف تكون البنوك قادرًا على مصادرة الأرض في حالة الإيجار غير المدفوع، ولكن سيتعين عليها بيعها في مزاد للاستخدام الزراعي في غضون عامين كحد أقصى. 
يجب من الناحية النظرية أن يكون للأشخاص الطبيعيين أو القانونيين الذين يؤجرون الأرض حاليا الأولوية لشراء الأرض في حالة البيع (“حقوق الأولوية”). سيبقى الحظر طويل الأمد مانعا الأفراد والشركات الأجنبية من حيازة الأراضي في أوكرانيا، رغم أن تأجيرها لا يزال ممكنا.
قدمت الحكومة والمؤسسات الدولية الإصلاح الزراعي كوسيلة “لإطلاق” الإمكانات الكاملة للأراضي الزراعية الأوكرانية من خلال جعل القطاع أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين. 
بالنسبة لأروب بانيرجي، مدير البنك الدولي لأوروبا الشرقية، فإن الإصلاح “سيسمح لأوكرانيا بتحقيق إمكاناتها الاقتصادية وتحسين حياة الأوكرانيين”. لكن وفقا لاستطلاع أُجري في أبريل 2021، فإن هذا الخطاب يعارضه جزء كبير من الشعب الأوكراني، حيث أعلن أكثر من 64٪ من السكان أنهم ضد إنشاء سوق زراعية.
إن هذا الارتياب االذي عبر عنه لأوكرانيون لا يعدم أساسا من الصحة. يظل الأثر الإيجابي المتوقع للإصلاح الزراعي على النمو الاقتصادي هو الحجة الرئيسية التي طرحها مؤيدوها. بحسب الشركة المالية الدولية، فرع البنك الدولي المكرس للقطاع الخاص، سيؤدي رفع الحظر المفروض على بيع الأراضي إلى زيادة بنسبة 1 إلى 2 ٪ في معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الأوكراني لمدة 5 سنوات. 
ومع ذلك، فإن هذه الزيادة ستعزى بشكل أساسي إلى “طرد المنتجين الزراعيين ذوي الأرباح المنخفضة، وامتداد المنتجين ذوي الأرباح المرتفعة نتيجة لارتفاع أسعار الأراضي. وهذا يعني أن البنك الدولي يخطط صراحة، من خلال قانون الإصلاح الزراعي هذا، على اختفاء صغار المزارعين وأكثرهم تواضعا لصالح أكبر المزارعين.

 الإصلاح الزراعي سيجعل الوصول إلى الأراضي أكثر صعوبة للمزارعين/ات

لن يتمكن العديد من صغار المزارعين من شراء الكثير من الأراضي حتى عام 2024، بسبب ارتفاع الأسعار، ولكن أيضا لأن الكثيرين يعانون بالفعل ماليا ويرزحون تحت ثقل الديون. ورغم أن المزارعين قد يأملون في الاستفادة من حق الشفعة الذي يكفله القانون الجديد للمستأجرين الحاليين، إلا أن هذا البند قد يشجع في الواقع على تركيز الأراضي في أيدي الشركات الكبرى ، نظرا لأن العديد من المستأجرين هم أيضا شركات زراعية كبيرة. وحتى عندما يكون المستأجرون مزارعين صغارا أو متوسطين، يسمح القانون بنقل حقوق الأولوية إلى أطراف أخرى – مما يعيد أخيرا إنتاج ديناميات التسعينيات، عندما أعاد ملاك الأراضي بيع القطع التي وزعت خلال الموجة الأولى من الخصخصة على مجموعة من الأوليغارشيين الناشئين، الذين راكموا بالتالي مساحة متزايدة من الأراضي.
علاوة على ذلك، وفقا لشبكة التنمية القروية الأوكرانية – وهي منظمة مدنية وأكاديمية مقرها كييف – “يتم تأجير معظم الأراضي المخصخصة من قبل مزارع تجارية كبيرة لسنوات قادمة”، وبالتالي لن تكون الأرض متاحة للبيع حتى استفادة المزارعين المستقلين عند متم عام 2024، إلا عندما يبدأون في مواجهة منافسة المجموعات الكبيرة – مع العلم أن الأخيرة ستتمتع دائما بالقدرة المالية على الانتصار.

بسبب الفساد  المستشري وسيادة القانون الضعيفة

هناك خوف مشترك على نطاق واسع
من رؤية صغار الملاك على مستوى العالم محرومين من الوسائل القانونية لتأكيد حقوقهم في مواجهة المنافسة المتزايدة من الشركات الزراعية. 
بالنسبة للعديد من المواطنين، فإن الشاغل الرئيسي لهذا القانون هو أنه قد يسمح للأجانب يالحصول على الأراضي بشكل غير قانوني، مثلا، عن طريق إنشاء شركة أوكرانية تعمل كواجهة، والاستفادة من الثغرات في الإطار القانوني والتنظيمي. 
العديد من أهم العقود أبرم في أوكرانيا مؤخرا من قبل الشركات الأجنبية التي قد تحاول الالتفاف على القانون الجديد من أجل الحصول على سند ملكية.
فضلل عن ذلك، إذا فحصنا هذا القانون الجديد من وجهة نظر قانونية، فإن حظر الأجانب على حيازة الأرض لا ينطبق على الدائنين في حالة مصادرة الأراضي بسبب عدم سداد الدين – مما يعني أن البنك الأجنبي يمكن له، على الأرجح، الاستيلاء على أرض مزارع صغير وبيعها بالمزاد، حيث سيجني كبار المزارعين من ذلك ميزة واضحة.

دعم المقاولات الفلاحية وليس صغار المزارعين

قدم البنك الدولي فكرة إنشاء سوق للأراضي الزراعية كوسيلة للمزارعين/ات للحصول على التمويل. ومع ذلك، فإن استخدام اراضيهم كضمان للحصول على قروض من البنوك، وليس من خلال الاستفادة من الآليات المؤسسية والمالية التي سيتم وضعها لهذا الغرض والتي من شأنها أن تمولهم بالفعل. 
تقدم الحكومة الأوكرانية بالفعل قروضا ومساعدات أخرى للمزارعين الصغار والمتوسطين، وبعضهم بدعم من البنك الدولي ( مع، من بين أمور أخرى، أخذ قرض بقيمة 150 مليون دولار من بنك كبير مملوك للدولة في عام 2017، لإعادة توزيعه على المقاولات الزراعية الصغيرة والمتوسطة). ومع ذلك، ووفقا لمنظمة غير حكومية “الرابطة الزراعية الأوكرانية”، فإن هذا الإجراء الحكومي الداعم ليس مناسبا على الإطلاق. لم يتم توزيع سوى خُمس المبلغ الحكومي المخصص فعليا في عام 2018، بإجمالي 203 ملايين هريفنيا، أو 7.4 مليون دولار أمريكي.
بالمقارنة، تلقت الشركات العملاقة في القطاع الزراعي الأوكراني أكثر بكثير من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية وبنك الاستثمار الأوروبي، ناهيك عن مدفوعات المساعدات المنتظمة من الحكومة الأوكرانية على شكل إعفاءات ضريبية وإعانات. 
من بين المستفيدين في السنوات الأخيرة، Kernel و MHP و Astarta، وجميعها من الخمس الأوائل من كبريات المقاولات الزراعية الأوكرانية عند النظر في إجمالي مساحة الأراضي المملوكة. 
مثلا، تلقت كيرنل 248 مليون دولار كقروض من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية منذ عام 2018، وتلقت MHP ما يقرب من 235 مليون دولارمن البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية منذ عام 2010، وحوالي 100 مليون من البنك الأوربي للاستثماؤ في عام 2014 ، وحصلت Astarta على 95 مليون دولار من البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية منذ عام 2008 وحوالي 60 مليون دولار من البنك الأوربي للاستثمار في عام 2014. وبذلك ، لم يقتصر الأمر على المؤسسات المالية الأجنبية مثل البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية ويمول البنك الاوربي للاستثمار أقوى المقاولات الفلاحية وملاك الأراضي في أوكرانيا، ولكنه يمول كذلك  المقاولات المملوكة لبعض أغنى أثرياء البلاد – احتل مؤسس شركة MHP يوري كوسيوك المرتبة 11 في قائمة أغنى الأوكرانيين في عام 2019، بينما احتل أندري فيريفسكي، مؤسس شركة Kernel ، المرتبة 19.

الإصلاح الزراعي في طريقه لتحقيق أهداف محرضيه

بعد 30 عاما من الخصخصة الكارثية للأراضي التي دعموها في التسعينيات، نجحت المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في رفع الوقف الذي تم فرضه لمنع تركيز الأراضي الأوكرانية في أيدي قلة قليلة.
يُظهر التحليل الذي تم تطويره هنا بوضوح أن إنشاء سوق للأراضي الزراعية في أوكرانيا سيسمح للأوليغارشية والمقاولات الفلاحية الكبرى بمواصلة الاستيلاء على الأراضي، مع إرضاء مصالح المستثمرين والبنوك الأجانب. 
لسوء الحظ، سيكون على الغالبية العظمى من المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة والمواطنين الأوكرانيين دفع ثمن القدور المكسرة.

 
المصدر: ritimo.org

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube