تقديم عزيز هناوي

نبذة عن أغنية: يروشاليْم شِل زهاف

يعود تاريخ هذه الأغنية لأيام قليلة قبل اندلاع حرب نكبة حزيران ١٩٦٧م، فاستعدادا للذكرى التاسعة عشرة لإنشاء (الدولة اليهودية)، كلف تيدي كوليك، رئيس بلدية القدس (الغربية) الشاعرة (نعومي شيمر)، بكتابة قصيدة تتغنى فيها بالقدس وشجعها على التقدم بها لمهرجان فني كان (كوليك يرعاه).
وبالفعل كتبت شيمر القصيدة ولحنتها بنفسها، وعهدت بها لمغنية مغمورة (ذاعت شهرتها بعد ذلك نتيجة لهذه الأغنية) اسمها (شولي ناتان)، لتغنيها في المهرجان، مهرجان المغنى والجوقة، الذي عقد يوم ١٥ مايو ١٩٦٧. وما أن غنتها شولي ناتان حتى شاعت الأغنية وكأنها لمست وترا حساسا عند الجمهور الإسرائيلي. فاللحن عذب، والكلمات تردد معانٍ صهيونية استبطنها المجتمع الإسرائيلي وآمن بها دون تساؤل أو مراجعة، شأنها شأن الكثير من مفردات الخطاب الصهيوني.
تقول كلمات الأغنية:
نسيم الجبال ينساب شفّافا كالنبيذ
ممتزجا بأنفاس الغروب ورائحة الصنوبر
وقرع الأجراس
في سكون الشجر والحجر
سكنت حُلمها المدينة التي تقبع وحيدة
ملتفة بأسوارها
أورشليم من ذهب.. ومن نحاس ومن نور..
لكل أغانيك أنا قيثارة
كيف نضبت آبار الماء في البلدة القديمة
ميدان السوق خالٍ
وما من زائر لجبل الهيكل
وفي الكهوف التي في الصخور عويل الريح
ولا أحد ينزل باتجاه البحر الميت في طريق أريحا
أورشليم من ذهب ومن نحاس ومن نور
لكل أغانيك أنا قيثارة
ولكني من أجلك اليوم جئت أغني
أنا أصغر من أصغر أبنائك
ومن آخر المغنين
لأن اسمك لاذع فوق شفتيّ كقبلة ملتهبة
إن نسيتك أورشليم التي كلها ذهب
أورشليم من ذهب ومن نحاس ومن نور
لكل أغانيك أنا قيثارة
وحسب موقع “باب الواد” (الذي أنقل عنه، ببعض التصرف، هذه الترجمة) اعتمدت شيمر “في تصوير [الأغنية] على جملة محورية مقتبسة من قصة تلمودية شهيرة، هي قصة الحاخام عكيفا وزوجته راحيل، اللذين عانيا من فقر شديد، فكانا يستليقان في مخزن للتبن، وبينما كان ينزع الحاخام التبن العالق في شعر زوجته قال لها “لو كان الأمر بيدي كنت أعطيتك أورشليم من ذهب”. أي أنّه لو لم يكن فقيرا، لأهداها تاجا على شكل القدس مصنوعًا من الذهب.”
ولم تكن صدفة أن يقوم جنود وحدة المظليين، الذين كانوا أول من دخل المسجد الأقصى ووصلوا لحائط البراق (حائط المبكى) بعد سقوط المدينة، بأداء الأغنية عند الحائط، وهو الأمر الذي زاد من شعبية الأغنية بشكل استثنائي. وسرعان ما طلب كوليك من شيمر أن تضيف مقطعا يعبر عن الظرف الجديد الذي “أعاد” يروشاليْم لأهلها.
وبالفعل أضافت شيمر الكلمات التالية التي أصبحت جزءا أساسيا من النسخة المعتمدة للأغنية:
عدنا إلى آبار المياه
للسوق وللميدان
المزمار يعلو في جبل الهيكل في البلدة القديمة
وفي الكهوف التي في الصخر
آلاف الشموس تشرق
وبإمكاننا الآن أن ننزل باتجاه البحر الميت في طريق أريحا
أورشليم من ذهب ومن نحاس ومن نور
لكل أغانيك أنا قيثارة
ما يجعل “يروشاليْم شِل زهاف” قصيدة صهيونية بامتياز ليس إحالتها للتلمود بل تصويرها للقدس على أنها مدينة غير مأهولة، خاوية على عروشها، وحيدة، تلتف عليها أسوارها. فالميادين خالية، والأسواق مهجورة، والآبار مياهها نضبت، والكهوف لا صوت فيها إلا عويل الريح. وفقط عند “رجوعنا” للمدينة ستزدحم الميادين من جديد وستصدح المزامير وستشرق الشمس فوق الكهوف. هذا العمى الذي لا يبصر حقيقة أن القدس كانت مأهولة بالفعل بسكانها بل مكتظة بهم هو ما يجعل القصيدة متماهية مع العقيدة الصهيونية، تلك العقيدة التي ما برحت تنظر لفلسطين كوطن بلا شعب وكأرض بلا سكان، أرض تنتظر من يعمرها ويبث فيها الحياة بعد آلاف السنين من الجدب والاغتراب. وكما سنرى سيشكل هذا التراوح بين ادعاءات الصهيونية عن خلو المدينة من السكان وحقيقة اكتظاظها بهم – سيشكل هذا التراوح عقبة كؤود لم تستطع الصهيونية التعامل معها حتى الآن.
هناك نقطة أخرى تجعل أغنية “يروشاليْم شِل زهاف” أغنية صهيونية تعبر بشكل لا واع عن تناقضات الصهيونية كعقيدة وكمشروع. فالصهيونية تعتبر نفسها عقيدة تحريرية، تهدف لتحرير الشعب اليهودي من أسره وتضع نهاية لمنفاه وتعيده لأرضه التي نُفي منها طوال ألفي عام. ولكن، حتى لو تغاضينا عن الافتراءات التي تحتويها هذه المقولة، لا تنكر الصهيونية أبدا أن مشروعها هو مشروع إقامة دولة يهودية، أي دولة يمتلكها اليهود مِلكا، وليس دولة يسكنها اليهود كأقلية أو حتى كأغلبية. وبالتالي فإن غير اليهود غير مرحب بهم في هذه الدولة ويجب تهجيرهم أو طردهم أو حثهم على الرحيل بشتى الطرق. هذا التناقض الجوهري الكامن داخل نفس المشروع الصهيوني، أي “إعادة الشعب اليهودي لموطنه” مع ما يستلزم هذا من سلب هذا الوطن بعينه من سكانه الفعليين، هو ما تعبر عنه الأغنية، ولكن بشكل مستتر وغير واع كما سبق القول.
فمن المفارقة أن لحن هذه الأغنية، الأغنية التي ارتبطت بحرب الأيام الستة، لحن مسروق بدوره. فقبل وفاتها كتبت نعومي شيمر خطابا لملحن إسرائيلي آخر اسمه جِل ألديما تعترف له فيه أن لحن أغنية “يروشاليْم شِل زهاف” “مقتبس” من أغنية شعبية برتغالية كانت تُغنى للأطفال، وأنها سمعتها مرة في منتصف الستينات وتأثرت بها بشدة حتى أنها رددتها وهي تكتب أغنيتها.
بمعنى آخر، فإن الأغنية التي ستشتهر في إسرائيل وسيرددها الجنود المظليين عند حائط البراق بعد “تأليفها” بثلاثة أسابيع أغنية مسروقة، شأنها شأن المدينة التي تحتفي بها وتتغنى.

النبذة منقولة

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube