أحمد رباص – حرة بريس

هبط سعر اليورو إلى ما دون دولار واحد، للمرة الأولى منذ 20 عاما، في إشارة التقطها مراقبون كمؤثر حاسم على المدخرين من شأنه الرفع من حدة أزمة تكلفة المعيشة في أوروبا.
بالفعل، وصل اليورو خلال فترة وجيزة إلى دولار واحد يوم الثلاثاء، للمرة الأولى منذ عقدين. وقد فاقم تراجع العملة الأوروبية من المخاوف التي تقع مضجع سكان القارة العجوز، التي ابتليت بارتفاع أسعار الطاقة والخوف من الخصاص في الشتاء المقبل، ناهيك عن سياسة نقدية أكثر عدوانية من جانب الولايات المتحدة لمحاربة التضخم.
كما متوقعا منذ عدة أسابيع. وصل اليورو يوم الثلاثاء الماضي إلى التكافؤ مع الدولار. للمرة الأولى منذ عام 2002 ، عندما تم طرحه للتداول. انخفضت العملة الأوروبية لفترة وجيزة إلى دولار واحد حوالي الساعة 11:50 صباحًا. ثم ارتفع بشكل طفيف للغاية وتم تداوله في حوالي الساعة 12:10 مساءً مقابل 1.0024 دولار.
وتم تداول اليورو مقابل 0,9998 دولار قرابة يوم الأربعاء، في سابقة منذ بداية التداول بالعملة الأوروبية، قبل أن يسجل ارتفاعا جديدا، منخفضا بنحو 12 في المئة منذ بداية العام، وهو أقل مستوى منذ العام 2002.
الدولار، الذي يتميز في هذه الأوقات بعدم اليقين بالنسبة للقارة الأوروبية، يستفيد أكثر من أي وقت مضى من وضعه كملاذ آمن للمستثمرين الذين يفضلونه. وبذلك اكتسب الدولار ما يقرب من 14 ٪ منذ بداية العام.
وكان اليورو قد انخفض الأسبوع الماضي بالفعل إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عشرين عامًا ، حيث انخفض إلى 1.0298 دولار مقابل 1 يورو، بعد أن انخفض في منتصف مايو إلى 1.035 دولار.
يمكن تفسير هذا الانخفاض الجديد من خلال الذروة التي وصلت إليها أسعار الطاقة (الكهرباء والغاز والوقود) منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، والذي يلقي بثقله على الاتحاد الأوروبي ويزيد من مخاطر النقص في الشتاء المقبل.
ويتضح من قرار ألمانيا في 23 يونيو، الذي فعّل المستوى 2، المعروف بـ “تنبيه”، من خطتها الطارئة لإمدادات الغاز، والتي أصبحت “موردًا نادرا”، كما أشار إلى ذلك وزير الاقتصاد والمناخ، روبرت هابيك. هذا هو المستوى الأخير قبل تنظيم التقنين من قبل الدولة، المخطط له في المرحلة الثالثة ، من أجل توزيع الأحجام بين الأفراد والإدارة والصناعة.
برلين، التي لا تزال تعتمد على روسيا في 35 ٪ من وارداتها من الغاز، شهدت انخفاضا في تسليمها منذ فرض العقوبات الغربية على موسكو. ازدادت حالة عدم اليقين هذه بعد أن بدأت شركة غازبروم يوم الاثنين 10 أيام من أعمال الصيانة على خطي أنابيب الغاز نورد ستريم 1، اللذين ينقلان كمية كبيرة من غازها الذي لا يزال يتم تسليمه إلى ألمانيا وكذلك إلى عدة دول أخرى في أوروبا الغربية. وبالتالي كان السوق قلقا بشأن أزمة طاقة كبيرة محتملة في القارة العجوز، وشكك في استعادة روسيا لتدفقات الغاز بعد هذا الانقطاع.
يعاني الاتحاد الأوروبي أيضا من ارتفاع أسعار المواد الخام مثل الحبوب، حيث تعتبر أوكرانيا وروسيا من أكبر المصدرين العالميين.
في مواجهة هذه الصعوبات والشكوك، يطوح اليورو بعيدا بالمستثمرين الذين يفضلون العملة الأمريكية، والتي تعتبر في نظرهم أكثر أمانا. هذا الشعور بالقلق تفاقم بسبب السياسة النقدية الأكثر عدوانية التي بدأها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. في منتصف يونيو، رفعت المؤسسة النقدية أسعارها الرئيسية بمقدار ثلاثة أرباع نقطة مئوية، وهي أكبر زيادة منذ عام 1994، في محاولة للسيطرة على التضخم الذي كان أقوى من المتوقع.
من جانبه، اختار البنك المركزي الأوروبي أيضا تشديد السياسة النقدية، ولكن بشكل أخف. وهكذا، أعلنت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، عن رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يوليوز، قبل زيادة أخرى في سبتمبر. إن الداعي إلى ذلك هو أن المؤسسة تخشى أن يؤدي الارتفاع المفاجئ في أسعار الفائدة إلى دفع الاقتصاد الأوروبي إلى الركود. ناهيك عن أن احتمال حدوث نقص في الغاز يزيد من حدة هذه المخاطر.
قد يتعمق تراجع اليورو أكثر، وفقا لبيانات التضخم المسجلة في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة والتي ستصدر يوم الأربعاء، مما قد يثير مخاوف المستثمرين بشأن تباين الاقتصادات على جانبي الحدود الأطلسي.
في هذا الشأن، قال فؤاد رزاق زادة، المحلل في Forex.com: “إذا كان التضخم في الولايات المتحدة أقوى مما تتوقعه السوق، فقد يفيد الدولار”. كما أن اليورو في مأزق مقابل الفرنك السويسري، الذي يعتبر أيضا ملاذا آمنا: فقد انخفض إلى 0.9836 فرنك سويسري ، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2015 عندما كان الدولار يتألق ليس فقط مقابل العملة الأوروبية ولكن أيضا مقابل العملات الأخرى التي تعتبر عرضة للمخاطر: انخفض الجنيه الإسترليني إلى 1.1807 دولار، وهو أدنى مستوى منذ مارس 2020 ، عندما أدى انتشار وباء كوفيد -19 في أوروبا، في خضم مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى دفع العملة البريطانية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1985.
ويرى محللون وخبراء اقتصاديون أن لانخفاض سعر اليورو أمام الدولار العديد من التأثيرات، ففي الوقت الذي يمثل عاملا إيجابياً لمصدري منطقة اليورو الذين قد يشهدون زيادة في الطلب على سلعهم الأرخص نسبيا، إلا أنه يجعل الواردات أكثر تكلفة، مما يزيد من مخاوف التضخم وزيادة أسعار السلع والمنتجات.
ويعاني اليورو من عدة أزمات في مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية التي ساهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز والأغذية، بالإضافة إلى تأخر البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة رغم معدلات التضخم الأعلى منذ نحو 40 عاما.
وعلى مدار سنوات مضت، كان صانعو السياسة الأوروبية يرحبون بضعف العملة كوسيلة لتحفيز النمو الاقتصادي، لأنه يجعل صادرات الكتلة أكثر قدرة على المنافسة. لكن الآن، مع ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى أعلى مستوياته منذ بدء مثل هذه الأرقام القياسية، فإن ضعف العملة لم يعد مرغوبا فيه لأنه يعزز ارتفاع الأسعار بجعل الواردات أكثر تكلفة.
وجاء على رأس من حذروا من انخفاض سعر اليورو أمام الدولار، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، فرانسوا فيليروي دي غالو، الذي قال إن البنك سيرصد بعناية التطورات في سعر الصرف الفعلي، كمحرك مهم للتضخم المستورد.
وشدد على أن “انخفاض سعر اليورو بشكله الراهن سيتعارض مع هدفنا المتمثل في استقرار الأسعار”.
وقدرت ورقة نشرها البنك المركزي الأوروبي عام 2020، أن انخفاض قيمة اليورو بنسبة 1 في المئة مقابل سلة العملات يمكن أن يضيف ما يصل إلى 0.11 نقطة مئوية للتضخم في غضون عام، و0.25 نقطة مئوية على مدى ثلاث سنوات.
انعكاسات الحرب
بدوره، يرى المحلل الاقتصادي وأستاذ التمويل والاستثمار، مصطفى بدرة، في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، أنه “ببساطة؛ فالعملة تعد انعكاسا للأوضاع الاقتصادية في منطقتها، مما يدل على أن الوضع في منطقة اليورو في أزمة شديدة وهذا اتضح مع تراجع قيمة العملة”.
وشدد بدرة على أن “الانخفاض الكبير الذي لم يحدث منذ 20 عامًا، يعكس الموقف الاقتصادي المتأزم جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وتأثيرات العقوبات على موسكو والعقوبات المضادة التي أقرها النظام الروسي على أوروبا والولايات المتحدة، مما وضع ضعوطا كبيرة على العملة”.
وتوقّع المحلل الاقتصادي أن يكون هناك مزيد من الانخفاض لليورو مع قرار الفيدرالي الأميركي برفع سعر الفائدة مجددا، وهذا يؤثر على الأوضاع الاستثمارية في العالم كله.
تهديدات روسية
وكان محللون أوروبيون حذروا من أن “اليورو ربما لم يصل إلى أدنى مستوياته نظرًا للمخاطر المستمرة من التهديد بقطع الغاز الروسي الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى ركود عميق”.
وتشير التقديرات الأوروبية إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي بدوره إلى تقييد قدرة البنك المركزي الأوروبي بشكل كبير على رفع أسعار الفائدة، وهو ما لم يفعله حتى الآن.
ولا تهادن روسيا في التعامل بورقة الغاز، إذ قلصت الإمدادات لبعض دول الاتحاد الأوروبي، وقطعت مؤخرًا التدفق في خط أنابيب نورد ستريم إلى ألمانيا بنسبة 60 في المئة.
ويقول المحلل جاين فولي لدى شركة “رابوبنك” للخدمات المالية: “إلى أي حد يمكن أن يصل تدهور اليورو؟، يعتمد ذلك على الأرجح على رغبة روسيا في مفاقمة الحرب الاقتصادية مع أوروبا”.
وأشار إلى أن “معرفة نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، ليس أمرا سهلا”، وفق ما ذكرت وكالة فرانس برس.
يأتي ذلك في الوقت الذي يتجه الفيدرالي الأميركي نحو زيادة جديدة في سعر الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس في وقت لاحق هذا الشهر، في ظل سعيه للحد من التضخم السريع، حسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقال بدرة إن الفيدرالي الأميركي أعلن عن توجهه برفع سعر الفائدة عدة مرات خلال العام الجاري مما سيكون له مردود على جميع أنواع الاستثمار سواءً في العملات أو البورصات أو المعادن النفسية وكذلك السلع والمحاصيل وأسعار النفط.
وفي يونيو الماضي، قفزت أسعار المستهلكين في منطقة اليورو 8.6 في المئة عن العام السابق. وسلط بعض صانعي السياسة النقدية الضوء على ضعف اليورو باعتباره خطرا على هدف البنك المركزي لإعادة التضخم إلى 2 في المئة على المدى المتوسط.
تأثيرات على حائزي اليورو
ولفت بدرة إلى أن حائزي اليورو سيتضررون بشدة جراء هذا الانخفاض أمام الدولار، إذ ستتراجع قيمة الاستثمارات الخاصة بهم، بالإضافة إلى انخفاض قدرة الاستيراد مدفوعًا بتراجع العملة.
ويقول الخبير الاقتصادي في بنك “آي إن جي” الاستثماري كريس تورنر، إنه “إذا استمر اليورو في الانخفاض، فلا شك أن البنك المركزي الأوروبي سيكون قلقًا للغاية من هذه الخطوة”.
وأوضح أنه “في مواجهة خطر الركود الذي يلوح في الأفق، قد تكون أيدي البنك المركزي الأوروبي مقيدة في قدرته على المناورة برفع أسعار الفائدة بشكل أكبر دفاعًا عن اليورو”.
إلى ذلك، يقول مصطفى بدرة: “التأثيرات العالمية جراء الحرب في أوكرانيا وضحت معالمها بشكل فادح في منطقة اليورو مع تراجع العملة بشكل كبير”.

.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube