أول أثر لفترة الحجر الصحي علي من الناحية السلوكية والنفسية أنني عدت إلى ملاذي القديم ، إلى ذاكرة التفاصيل ، والتي بسببها كنت ادخل في سجالات مع أقرب اقربائي واصدقائي ، فقد كانت زوجتي تصر على الحكي وعلاج الأمور بالإعتماد على دقائق الوقائع ، ويبدو أن للوباء اوقاع مؤثرة ، ولذلك لجأت إلى القراءة المفصلة ومشاهدة الأشرطة المطولة ، وهي نفس العادة التي لفت لحظاتي وأنا في المعتقل ، فهل لتدبير الزمن علاقة بهذه الطقوس ؟
لا يهم الجواب ، المهم وأن شعورا يساورني وكأني بالتفاصيل هي جوهر الحياة ، ولم يعد للاختصار ” المفيد ” أية قيمة والحالة هاته ، فقد كان التركيز والخلاصة ثابتا في حياتي اليومية ، ولحسن حظي أن خزانتي كانت غنية بالروايات والكتب التاريخية ، وساعدني إبني حنين على خوض مغامرة مشاهدة سلسلات درامية وبرامج وثائقية ، والأهم أنني قرأت ذاتي بتفصيل ” غير ممل ” ، واستوعبت كثيرا من مظاهر سلوك أبنائي ، لذلك أعدت صياغة كثيرا من مذكراتي ، والتي كان اغلبها مدونا ضمن سيرتي ” في ترتيب النهايات ” ، وقد حولت جلها إلى ” يوميات حبس إختياري ” ، كنت أدونها يوميا بنفس نقدي ، وبمحاكاة لنفس الوضع السَّجني الذي عشته لمرتين ، وعايشت أزمنة تفاصيله في العلاقة مع رفاقي وعشراني ، والذين كان لكل واحد عالمه الخاص يعجنه بانتظاره وأحلامه ، ولعل التخييل و المتخيل لدى كل واحد منا جسور إلى العالم الخارجي ، عالم الحرية ، الحرية الحقيقية التي كنا نعيشها ، وعلينا ان نستمتع بها حاليا ، فهي تسكن في تفاصيل يومنا ولحظاتنا ، متمردة كالشيطان ، على وهم الحرية المثال ، وثائرة على عبادة الإنسان ، وعلينا ان نحترم أنفسنا ونقدر صمودنا وجلدنا ، هنا وهناك ، فما حصل فينا من تحولات وفي مشاعرنا وسلوكاتنا وطريقة تعبيرنا ، واقع جديد محسوس وملموس ، يحفزنا إلى ضرورة العناية بذواتنا قبل موضوعنا ، فنحن حقا بصدد ممارسة ردود افعال ، ولكنها مؤطرة بردود افكار ، تشكلت في صيغة وعي متجدد ، وعي يأبى العدم ويقاوم الخوف السائل والإعدام الناعم . ولولا التفاصيل لسقط وعينا في العدم ، رغم الإحساس بالمظلومية التي تطوقنا كضحايا لفوبيا الإنهيار البطيء و الاحتظار ، وتحاصرنا كفرائس للألم وهول الانتظار . فمتى نحول أحزاننا ومعاناتنا قوة مادية نقاوم بها الردة والإنهيار ؟ وكيف لنا نعجن بها موادا للتفاؤل والأمل والإستباق حتى نؤسس ، عن وعي غير شقي ، لمجتمع المخاطر ، بجودة تدبير الأزمات بتفاصيل المخاطر دون تضخيم الأخطار والأزمات والإنتظارات ؟
مصطفى المنوزي

  • تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في ندوة دولية ذات الصلة خلال الدخول الاجتماعي المقبل .
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube