رشيد نيني: لا وقت للبكاء

1 . ماذا كان سيحدث لو تشبّث المغرب بحقه القانوني؟لا وقت للبكاء ماذا كان سيحدث لو أن المغرب تشبث بحقه القانوني في الفوز بالمقابلة مباشرة بعد إعلان مدرب الفريق السينغالي الانسحاب احتجاجا على قرار الحكم القاضي بمنح المنتخب المغربي ضربة جزاء مستحقة؟ منطقيا كان المنتخب سيفوز بالكأس، لكن المغرب كان سيخسر تظاهرة قارية تحولت بفضل التنظيم المحكم والاحترافي إلى فرجة عالمية جعلت إفريقيا بكاملها حديث الساعة، إذ أن انسحاب المنتخب السينغالي من المقابلة النهائية ومقاطعته لحفل الاختتام كانا سيصبحان الخبر الرئيسي لكل وسائل الإعلام العالمية، وكان خبر فوز المغرب بالكأس سيصبح محط تشكيك واتهامات مختلفة، مع كل ما سينتج عن ذلك من مشاكل سياسية ستسمم علاقاتنا مع دول إفريقية نسجنا معها علاقات طيبة.
2) الواقعية ضرورية: نحن نعرف أين نلعبعلينا أن نكون واقعيين، فرغم المظاهر التي ظهرت بها الفرق المشاركة فنحن نعرف أننا في إفريقيا وأن كثيرا من المنتخبات لا تتقبل منطق الكرة، وعندما تنهزم تخرج أسوأ ما بداخلها. وهذا طبيعي بالنظر إلى أن نقاط التماس بين ما هو رياضي وما هو سياسي كثيرة جدا.
3) منتخبات جاءت بأهداف غير رياضيةلقد أصبح الآن واضحا أن منتخبات عربية وإفريقية جاءت إلى المغرب بأهداف ليست كلها رياضية، وكل فريق فشل في تحقيق الانتصار يعلق شماعة فشله على التنظيم، الجزائريون اشتكوا من رشوة الحكام مع أنهم هم من حاولوا ذلك لولا يقظة العيون التي لا تنام، والمصريون لم يجدوا غير الناموس الذي امتص دماءهم لكي يشتكوا، ولو كان «عندهم دم» فعلا كما يقولون في بلدهم لما قابلوا حسن الضيافة بالصلافة.
4) عن بطولة “زمان” ومغالطات التفوقذلك المدرب المصري الأرعن الذي يفتخر بفوز مصر باللقب سبع مرات متجاهلا أن كأس الكان كان على عهد الكاميروني عيسى حياتو تتناوب عليها مصر والكاميرون وغانا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية كوت ديفوار. آنذاك لم يكن هناك شيء اسمه الفار أو الكاميرات في الملعب، كانت المباريات تباع في المزاد والحكام يمنحون الفوز لمن يدفع أكثر.
5) السينغال: ضغط مبكر وخطاب مظلومية جاهزأما السينغاليون فقد بدؤوا مسلسل الضغط على الحكام مبكرا وشحذوا جيدا خطاب المظلومية ونشرت جامعتهم بلاغا احتاج إلى بلاغ آخر لخارجيتهم للتخفيف من لغته، متهمين البلد المضيف بتعريض لاعبيه للخطر في محطة القطار، حتى يضمنوا وضع «الحنش» في سراويل الحكام لجعلهم يدخلون المباراة بأعصاب مشدودة وتهمة جاهزة هي التحيز لصالح المغرب. المهم أنه كانت هناك خطة محكمة لكي لا يفوز المغرب بشرف ونجاح التنظيم وبالكأس في آن واحد.
6) المغرب جزيرة: درس عبد الله العرويوإذا كان من درس كبير على المغاربة أن يستخلصوه مما حدث فهو أنهم وقفوا على ما ظل عبد الله العروي يقوله ويكرره منذ سنوات طويلة وهو أن المغرب جزيرة وعلى المغاربة أن يتصرفوا كسكّان جزيرة. فنحن بقوة الواقع الجغرافي نعيش في جزيرة محاطين من كل جانب بجيران يضمرون لنا حقدا دفينا، وإن غلفوه أحيانا لأسباب مصلحية، بطبقة من المشاعر الرقيقة الخادعة. جارنا الحقيقي الذي يمكننا الوثوق فيه هو المحيط الأطلسي، عدا ذلك فالشعور الذي علينا تطويره حيال جيراننا هو الحذر المستمر.
7) دروس عملية يجب استخلاصهاوعلى العموم هناك دروس علينا استخلاصها مما حدث.الدرس الأول: على المغاربة أن يعرفوا قيمتهم جيدا وأن يثقوا في مقدراتهم وأن يتوقفوا عن انتظار الاعتراف من الآخرين.الدرس الثاني: على المغاربة أن يتوقفوا عن إعطاء قيمة وحجم أكبر للآخرين، وأن يضعوا كل واحد في مكانه دون تنقيص أو تهويل. بالعربية تاعرابت «ما خصناش نبقاو نديرو الشان لبوجعران».الدرس الثالث: على المغاربة، وخصوصا صناع السياسات العمومية، أن يحموا هذه السمعة الحسنة وهذا الرصيد الهائل من الإعجاب والحب والتقدير الذي راكمه المغرب بفضل مجهودات قائده وكل أبنائه، من عبث المتطفلين والمتسلقين والانتهازيين الذين من أجل المال فهم مستعدون لتشويه صورة البلد بالتركيز على تصوير أعطابه وتشوهاته وعرضها على المتفرجين لكي يشمتوا في البلد، فينطبق علينا في النهاية المثل القائل «اللي حرثو الجمل دكو».
8) عقدة “البراني”: لماذا نعطي الخارج قيمة أكبر؟وما حدث أيضا مناسبة للتخلص من عقدة نفسية اسمها «البراني»، فهذا الاهتمام الذي نوليه نحن المغاربة للبراني، ولكل شيء قادم من الخارج، سواء أكان بضاعة أو رأيا أو موقفا، هو سلوك له جذور عميقة. ففي نظرنا كل شيء يأتي من الخارج فهو أحسن مما لدينا في الداخل. نولي أهمية قصوى لما يقولونه عنا في الخارج، نشعر بالغضب عندما يكون الرأي أو الموقف القادم من خارج الحدود بشأننا سلبيا، ونفرح إذا ما غرد أحدهم أو نشر مقالا في جريدة أو قال في قناة شيئا إيجابيا في حقنا. هذا يجعلنا دائما في موقف المتهم الذي عليه أن يبرر باستمرار اختياراته وقراراته، والحال أن الموقف السليم هو القيام بما علينا القيام به دونما حاجة لتقديم تبرير لأي أحد آخر غير المغاربة
9) الجذور التربوية لعقدة “سعد البراني”إن كل السلوكيات التي تصدر عنا كمغاربة هي نتاج لعوامل تربوية تلقيناها في الصغر في البيت أساسا. مثلا لماذا يفضل المغربي الأجنبي ويعتبره أحسن منه حتى ولو كان هذا الأجنبي لا يساوي شيئا؟ كيف نشأت وتربت هذه العقدة المسماة «سعد البراني» في دواخل كل واحد منا حتى أصبحت سلوكا راسخا؟ السبب بسيط، فالتربية التي تلقينا في طفولتنا حول الضيف، الشخص القادم من بعيد، ومكانته أعطت لهذا الآخر بعدا أسطوريا وخرافيا.
10) أمثلة من البيت المغربي: الصالون والمانطات والحلوىفالصالون هو المكان الوحيد في البيت المرتب والمخصص للضيوف والذي يمنع على الأطفال اللعب فيه أو الاقتراب منه. المانطات والأغطية الجديدة الدافئة مطوية بعناية في ركن من غرفة نوم الوالدين، وهي مخصصة للضيوف الذين قد يحلون فجأة، وحتى لو ارتعدت أطراف الأطفال من البرد فإنهم لن يحصلوا على واحدة منها. ومن منا لا يتذكر الحلوى المخبأة في السطل الذي تخفيه الأم في مكان مجهول لا يعرف مكانه حتى الجن الأزرق، فالحلوى للضيوف الذين قد يحلون فجأة ويجب أن يجدوا أطباق الحلويات فوق الطاولة حتى لا يشمتوا في «مولات الدار» التي لا تحسن التدبير.
11) “اللهم كثر حسادنا”: لحظة وعي جديدةولعل المغاربة اليوم فهموا أخيرا لماذا قال جلالة الملك في أحد خطاباته «اللهم كثر حسادنا»، فها هم المغاربة اليوم يرون حجم الحسد والبغض الذي يضمره لهم من كانوا يعتبرونهم أشقاءهم وإخوانهم في الدين والتاريخ والجغرافيا.
12) الخلاصة: لا وقت للبكاءفهل سنستيقظ أخيرا من أوهام الأخوة الخادعة ونشمر عن سواعدنا ونشتغل بجدية للدفع بالبلد نحو المزيد من التقدم والرقي أم إننا سننشغل بالبكائيات والبحث مثل الآخرين عن مشاجب نعلق عليها فشلنا في الحصول على الكأس؟ لا وقت للبكاء”، لوقت بغات الخدمة والمعقول”




