مصطفى المنوزي

عندما نقول بأنه إذا لم يحصل تحول على مستوى البنيات التشريعية والمسلكيات الأخلاقياتية والتأديبية في مجال الأمن ، بما يعنيه حصول بعض الانتقالات والقطائع على مستوى العقيدة الأمنية للنظام ؛ فإنه لا يمكن تصور أي انتقال ديمقراطي او تحول سياسي حتى ؛ فرغم تنصيص الدستور المغربي على مبدأ فصل السلطات ، فإن عبارة ” التعاون فيما بينها ” تشوش معنويا و واقعيا على ما يفترض في الفصل هذا من شرط استقلال بعضها ( السلط ) عن بعض ، وهو أمر قد يدون في الأدبيات ومدونات الأخلاقيات والسلوك المهنية المعنية بها مكونات هذه السلطات ، من موظفين سامين وكل المكلفين بتدبير التشريع او إنفاذ القانون أوتطبيقه ، سواء كانوا وزراء أو قضاة او أمنيين ، لكن التنصيص غير كاف ما دامت صناعة القرارات السياسية والتشريعية والأمنية هي ثمرة وحصيلة تجادبات ومنافسات سياسية وغيرها ، تدار سياديا ، باعتبارها تنتمي في آخر التحليل لمجال القضايا الوطنية المصيرية والحيوية الاستراتيجية ، تحت إشراف المجالس العليا وعلى رأسها مجلس الوزراء والسلطة القضائية والإفتاء الديني والحكامة الأمنية وقيادة أركان الجيش … ، وبغض النظر عن ريادة إمارة المؤمنين والتمثيلية القانونية للدولة ، ناهيك عن دور مؤسسة الخطاب الملكي ، وعلى الخصوص التوجيهي خلال افتتاح الولاية والدورات التشريعية ، فإن القوامة ، وفق هذه التراتبية الدستورية ، تكون للأمن والاعتبارات السيادية ، التي يتقوى هاجسها خلال لحظات الصراع المفتوح أو المخاطر والتهديدات الخارجية ، أو الاحتقان والتوتر الداخلي أو الخارجي ، ويتطاوس منطق الدولة وتوجس هيبتها ، ويحول أحيانا الشعور الوطني العام والمنطق الحاكم لأي سياسة أو تشريع إلى درجة اعتبار الحياة العامة وكأنها حربا مستمرة ، وذلك لارتباط مطلب الأمن والحاجة إليه بطبيعة النظام السياسي ، الذي يتوخى صياغة تجليات الأمن ومفهوم عقيدته الأمنية ودينامياتها على أساس الشرعية التاريخية والدينية وتمثلات حفظ النظام العام مقابل دمقرطة صناعة القرار ، والاستقرار السياسي والأمني مقابل التعايش والسلم الاجتماعي . وهو وضع راهن العهد الجديد على تجاوزه ، في افق القطع معه ، بمحاولة إقرار مفهوم جديد للسلطة ، والذي عرفت عملية إنجازه تعثرات سببها تداخل الصلاحيات وتماهي المسؤوليات . فهل تكفي دسترة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون فصل حقيقي للسلطات وتفعيل مبدأ استقلال بعضها عن بعض ؟
من هنا وجب التذكير بمخاطر تراخي السلطات الدستورية الثلاث بالتخلي عن اختصاصاتها الدستورية والتنظيمية ، وتوسيع نطاق المجال المحفوظ ، والحال أن دستور 2011 كرس من حيث المبدأ مقتضى استقلالية القضاء ونصبه سلطة دستورية بعد أن كانت مجرد جهاز في يد السلطة التنفيذية يشرعن لدولة التعليمات ، ونزع رئاسة النيابة العمومية من وزير العدل كعين تنفيذية رقابية على منظومة العدالة ، كما حول البرلمان من مجرد مؤسسة تمارس التشريع ، إلى سلطة تشريعية بتوسيع مجال القانون من 9 مجالات إلى 30 مجالا ، وتمكين البرلمان من صلاحية رسم أوتشريع السياسات العمومية ، ولو أن المبادرة التشريعية ظلت حكرا على مشاريع القوانين التي تختص بها الحكومة ( حكومة نصفها تقنوقراطي معين بخلفيات أمنية و غير منبثق عن صناديق الاقتراع المفترض أنها نزيهة وديمقراطية وغير مؤطرة بالتقطيع السياسي المنحز من السلطة العمومية وعقلها الامني ) ، وذلك باستمرار هيمنة ما يسمى بسياسة العقلنة البرلمانية المستوردة من فرنسا منذ دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958 ، والتي تهدف في عمقها إلى تكريس آلية دستورية تروم تقليص مجال القانون ، والحد من سيادة البرلمان في ممارسة التشريع والرقابة ، بعلة منع تغول البرلمان وهيمنته على السلطة التنفيذية إضرارا باستقرارها. ليظل السؤال المنتج للتقويم أو الإصلاح الاستدراكي : كيف السبيل إلى تقليص هيمنة العقل الأمني وتمكين السلط من حق رقابة ونقد و مساءلة بعضها البعض ، كل حسب مجال اختصاصه ، تشريعيا وقضائيا ؟ وكمرحلة انتقالية ، ما هي حظوظ وممكنات اطلاق النقاش العمومي و التفكير في التأسيس لتوسيع تدابير إصلاح عقيدة النظام السياسي من خلال رد الاعتبار لمقتضيات النظام البرلماني كصمام أمان ضد هيمنة الدولة الأمنية او فزاعة دولة القضاة ؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube