بقلم : لوريس الفرح 

في وصف الحرب السورية في رواية المئذنة البيضاء والتي وصلت للقائمة الطويلة في البوكر2022. كتب السوري  يعرب العيسى:

ستبدل المواقع بين الظالمين والمظلومين مراراً ستمنح الجميع  مظلوميات كافية ليرضعوا منها الرضا ويصمتوا كحليمين. ستكون الفرصة المثالية لتخرج كل الأهواء وتعبر عن نفسها بحرية. سيعلن كل الجنون عن نفسه دون خجل. سيصرخ التحفظ في الشوارع، سيخلع المتنكرون أرديتهم ويظهرون بوجوههم.

في النهاية سنشفى. سندفع ثمناً كبيراً، لكننا سنشفى .لن يلومنا أحفادنا لما فعلناه، لأنهم سيدركون يوماً كمّ الحزن الذي امتصته قلوبنا من هواء هذه البلاد، وإذا امتدت هذه الحرب بما يكفي، فقد نستطيع أن نجففه تماماً، ونترك لهم هواءً لا حزن فيه. 

كقارئ سوري ولبناني بالدرجة الأولى لن تمر المئذنة البيضاء عليهما كما ستمر على غيرها من عابري الحبر..

لابد أن تجد شيئا منك في اسم شارع أو فندق أو مدينة او حادثة كما حدث معي.

رواية المئذنة البيضاء والتي هي كناية عن مئذنة باب شرقي في مدينة دمشق هي رواية الأسرار المعروفة رغم عدم معرفتنا بها…

قصة تؤرخ بطريقة ذكية ورائعة ومعقدة احداثاً سياسية وتاريخية واقتصادية وحربية لا يخلو الخيال من وضع بصمته فيها ،منذ سنة 1984والى سنة 2020 عم طريق بطلها غريب الحصو اسمه السوري والذي سمي مايك الشرقي فيما بعد كلبناني..

لم تعرض الرواية قدراتها السردية الحداثية كما نقرأ في أعمال اليوم، إنما جاءت كلاسيكية سهلة بسيطة إذ أن كاتبها يعلم أنه يريد إخبارنا بأمر ما بعيدا عن التقنيات الروائية التي لا حاجة له بها في خضم هذه التقنيات الرهيبة التي قام بها بطله مايك الشرقي ليكوّن اسطورته الخاصة به. 

كما جاء في عنونة القسم الأول من الرواية (القوّاد).

إذا ما بعت روحك للشيطان فأحسن استثمار الثمن! لربما احتجت أن تشتريها ثانية ذات يوم. 

لسنا أمام فاوستوس الذي باع روحه للشيطان في رواية دكتور فاوست بل أمام غريب الحصو الذي خرج من دمشق مرغماً مودعاً المئذنة البيضاء بحسرة ووعود بعودة ما  وغادر إلى بيروت في الخامسة صباحا من 26آب عام 1984بالكاد ينتعل حذاء وجده في القمامة عند مدخل الزقاق المؤدي لكنيسة حنانيا بعد أن سرق حذاءه من المسجد.

هل هو ضربة الحظ أم القدر أم الفطنة ام اجتماعهم معاً في شخص مايك من جعله يتحول من عابر طريق إلى أرقام من مليارات الدولارات .. وهل باع روحه للشيطان أم كان في قلبه بالفعل غصن اخضر كما قالت له الراهبة عايدة! 

مايك الذي بدهائه وولائه الظاهري للشيخ القسام وجد نفسه وقد ورث عنه فجأة ثروة ليست بالقليلة حفزت بداخله كل الشياطين القادرة على مضاعفة تلك الثروة أضعافاً لم يعد هو نفسه يعلم رقماً لها..

متاجرة بالمخدرات.. دعارة.. تبييض أموال .. صفقات مشبوهة ..بيع وشراء جزر في دبي وسفن عملاقة وشركات وفنادق وارقام في الحسابات البنكية ترتفع مع مرور كل ثانية.

وأكثر ما استوقفني هو عملية تزوير في الوثائق لاستعادة قيمة الثروة التي جمعها من حرب العراق والكويت بالدينار عن طريق نزلاء الفندق عنده واللذين فروا من الحرب يحملون آبار النفط في جيوب دشداشتهم كما كان الجميع يظن .فعندما انتهت الحرب جاء قرار الدولة الكويتية بتغيير العملة وأعطت مهلة قصيرة لمن يملكون العملة القديمة لاستبدالها. ولأن مايك لم يكن قادراً بشكل قانوني على فعل ذلك جند شياطينه كما كل مرة ليجدوا الحل عن طريق ابو صقر الذي اقترح اختيار اسماء معينة من الأسرى الكويتيون ال 420 الذي اخذهم الجيش العراقي أثناء انسحابهم  فلا بد لهم اموالًا محفوظة في مكان ما سيحتاجون أن يستبدلوها عند عودتهم ولا بد أن لهم استثناء ما من الحكومة الكويتية ..وكون ابو صقر قد كان في أول عملية تبادل أسرى فقد اختار الأسماء وبإمكانه أن يقنع الحكومة الكويتية بذلك ،اقنع عوائلهم أن يقولوا أنهم عثروا على مبلغ خبأه الوالد في مكان مخفي في المنزل ويستبدلون المبلغ باسم الابن وهكذا جرت عميلة تبديل العملة بنجاح.. كان مايك قبل أن يجد الحل قد أجرى عملية مساومة رديئة مع الله قال لنفسه بها: إن استعدت ثروتي فسأعطي شيئاً منها لرفقة طفلة الراهبة عايدة والتي تبنتها بعد أن ماتت والدتها وهي بعمر السنة ونصف. 

الرواية والتي امتدت ل 428صفحة كانت أغلبها عن توسع ثروة مايك بشكل يفوق التصور والطرق والأرقام .. ولا يخفى عليك ذكاء وفطنة الكاتب ومعلوماته التي تنم عن ثقافة واستطلاع وخبرة كبيرة في جمع المعلومات ومعرفة تاريخ تلك الحقبة من الزمن على كثير من الأصعدة وهذه علامة تحسب له في ظل الكثير من الروايات التي تخبرك عن كمية سطحية وجهل الكاتب بما يكتب . 

 في الجزء ال 28يصل الكاتب الى بداية الحرب السورية في الرواية ويعنونه ب (أعدتِ لي كرامتي أعدتِ لي هويتي) .

فتأخذ نفساً عميقاً كسوري يعلم ما الذي تخبئه هذه الحرب كقادم من المستقبل.. 

يكتب يعرب العيسى ..

في نهاية ال 2010 أتت واحدة من تلك اللحظات المباغتة، التي يومض فيها الضرس بالألم، يبدأ الماء بالغليان، ترعد غيمتان ،تهتز شجرة بكامل أوراقها، ينفجر مجتمع. 

تضحك كثيراً على سذاجتنا في ذلك الوقت اذ تعود بك الذاكرة لتفاصيل كنا نظنها قبيحة أنستك إياها على مر السنوات تفاصيل أشد قبحاً. كجمعة الصبر والثبات وجمعة الحرية ..

عاد غريب الحصو أخيراً بعد سبع وعشرين عاماً من المجد لدمشق.

كان يحضر كل شيء ليعود لمئذنته البيضاء، لا ليتفيأ في ظلها، بل لينشر ظله عليها. بغتة صارت اللحظة مواتية .المدينة التي رفسته بكامل قوتها، ترفس نفسها الآن ومن الممتع مشاهدتها وهي تلكم عينها اليسرى بيدها اليمنى.

جاشت الريح في صدر مايك المستثمر السوري الأصل الذي جهز الإعلام والمال والبشر والقدر لحضوره ليستثمر في بلده التي تستحق كما أرادات شياطينه أن تعلن قبل وصوله.

جاشت الريح في صدره. نهض كمن بلغ سدرة المنتهى: امتلأ الزمان يا دمشق. 

في الجزء الأخير بعنوان (الملحمة الكبرى).

 يظهر مايك كنبي اشترى بالمال نبوته في زمن قادر فيه أن تصنع المعجزات إن أردت..

باع روحه للشيطان يوماً و اشتراها ثانية عندما بدأ ظهور هذا الشيخ الغريب الذي أرسله الله للمتعبين وثقيلي الأحمال لينصفهم فتراه يمنح المال و الأمان ويقضي بضرورة حرق هذا وخطف ذاك وإعمار بيت وهدم بناية ومساعدة أرملة وبناتها وصنع الجنة على الأرض ووضع قدم ويد وعين له مع الموالاة والمعارضة والملائكة والشياطين كما تستدعي خطته في إنجاح مشروعه .

“صباح جديد .. الرب لم ييأس مني بعد. سأستعيد روحي من الشيطان، وعلى هذا العالم أن يتبعني!”

قال مايك .. 

كان حديث الرسول صحيحاً وحاشى أن ينطق عن الهوى سيملأ المسيح الدجال الأرض فساداً و فجوراً لأربعين عاماً، ثم ينزل المسيح ليقتله ويملأ الأرض بالخير والعدل.

 لم يكن في حديث الرسول ما يجدر الشكّ فيه سوى حروف الجر:

فقد نزل فيه ولم ينزل عليه، خرج منه ولم يخرج إليه.

مايك الذي جسد دور المسيح الدجال هو نفسه المسيح الذي سينزل ليقضي على مسيحه الدجال . صورة مصغرة ومكبرة عن بشر وصل بهم الاعتقاد بأنهم آلهة وقد سخر لهم الشيطان كل ما يحتاجونه لتثبيت هذا الاعتقاد ..

وهم بيننا قد تراهم في ثوب كاهن أو شيخ.. حاكم متجبر أو مسؤول خسيس .في تاجر كبير أو قاض أو طبيب. في ثري طفح المال من فمه أو فقير قرر يوماً أن يصير إلهاً.

رواية جميلة جداً تستحق القراءة لما فيها من معلومات واسئلة وإجابات وتفكر في هذا العالم المليء بالشر والذي لم يبقى للخير موطئ قدم فيه.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube