فورين بوليسي: الركود الدبلوماسي المغربي(ترجمة سعيد سالمي)
سامية الرزوقي*
ظل المغرب لفترة طويلة من الزمن يعتبر فتى مدللاً لدى دوائر السياسة في واشنطن، وغالبا ما يتم الثناء عليه باعتباره أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة. كان ذلك سنة سنة 1777، ومنذ ذلك الحين لم تعترض العلاقات المغربية الأمريكية عقبات تذكر، فعلى سبيل المثال لم تكن المملكة في حاجة إلى بذل الكثير من الجهد في ضغطها (اللوبي) الذي دأبت على ممارسته للتأثير على المشرعين الأمريكيين من الحزبين لتمرير القوانين التي تتماشى مع مصالحها.

رغم ذلك فإن الإجماع الأمريكي الذي كان دوماً قاراً من طرف الحزبين بشأن المغرب تزعزع اليوم وحاز بعيداً عن الدعم الثابت، وآخر تجليات هذا الاتجاه هي اللهجة التشكيكية غير المسبوقة في حق المغرب التي طغت على مشروع قانون الاعتمادات وقانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2022. فمشروع قانون الاعتمادات الصادر عن مجلس الشيوخ الأمريكي لعام 2022، والذي يجب أن يخضع لمفاوضات مع مجلس النواب ، تم إقراره من طرف كل من مجلسي النواب والشيوخ. هذان القانونان يهددان بتعكير العلاقات القائمة منذ قرون بين هذين الحليفين التاريخيين.

أكيد أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي حصد معها المغرب خسائر دبلوماسية في الآونة الأخيرة. فخلال السنة الماضية رسمت العناوين الرئيسية للإعلام صورة مقلقة لتراجع الدبلوماسية المغربية، ما وضع البلاد في حالة عزلة نسبية حتى تجاه حلفائها التقليديين.

في مارس 2021 قطع المغرب كل اتصالاته الدبلوماسية الرسمية مع ألمانيا بسبب ما وصفه بسلسلة من “الخلافات العميقة”. وفي ماي 2021 سحب المغرب سفيره من إسبانيا، وخفف من مراقبة الحدود التي تفصله مع سبتة، مما تسبب في تدفق آلاف المهاجرين ـ جلهم من القاصرين غير المرفوقين ـ إلى إسبانيا وأراضي الاتحاد الأوروبي.

هذه الخطوة دفعت البرلمان الأوروبي إلى إصدار قرار يعتبر أن المغرب انتهك اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة. وفي يوليوز 2021 زعمت تقارير صحفية أن عملاء استخبارات مغاربة اخترقوا هاتف الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” وعدد من المسؤولين والصحفيين الفرنسيين. ومنذ ذلك الحين التزمت فرنسا، التي تعد من المؤيدين الأقوياء لمستعمرتها السابقة، صمتا مطبقا. وفي سبتمبر 2021، ألغت محكمة العدل الأوروبية اتفاقية الزراعة والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

إن القاسم المشترك بن هذه المشاكل كلها هو تدهور السلك الدبلوماسي المغربي الذي فقد حيويته بعد تعيين ناصر بوريطة وزيرا للخارجية المغربية سنة 2017، وهو بيروقراطي من رتبة صغرى، ذو سيرة ذاتية ضعيفة ولا ينتمي إلى أي حزب. خلال فترة ولايته المغرب صار المغرب أكثر بعداً من أي وقت مضى من جيرانه وحلفائه.

في هذا الصدد قال دبلوماسي مغربي مخضرم تحدث إلى “فورين بوليسي” شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام: “هناك إجماع عام بين الدبلوماسيين السابقين والحاليين على أن الدبلوماسية المغربية وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ الاستقلال”، ووصف الاداء الدبلوماسي المغربي الحالي بأنه “رديء ومتقلب”.

اليوم فقدت المصالح المغربية دعم أقدم وأقوى حليف لها وهي الولايات المتحدة الامريكية. لقد بدأت الأمور تتخذ مساراً سلبياً بالنسبة للمغرب بعد أن وجد نفسه في مرمى نيران الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية سنة 2016، عندما كُشف أن الملك محمد السادس تعهد بمبلغ 12 مليون دولار لمؤسسة كلينتون سنة 2015.

إنه التقرير الذي سارعت حملة دونالد ترامب إلى إدراجه في نقاشاتها كنموذج مفترض لانخراط المرشحة هيلاري كلينتون في لعبة ” الدفع مقابل الخدمات”. بعد تولي ترمب الرئاسة، وطيلة ولايته، لم يجر أي لقاء رسمي مع الملك محمد السادس، وكان أقرب لقاء بين رئيسي الدولتين عندما انتشرت صورهما في احتفال ذكرى يوم الهدنة في فرنسا سنة 2018 حيث ظهر ترمب وهو يحدق في محمد السادس الذي كان نائما.

وبعد ذلك، خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية ترمب، أصدر إعلاناً يعترف فيه بسيادة المغرب على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، وقد أثارت هذه الخطوة على الفور إدانة من طرف الحزبين الجمهوري والديمقراطي في واشنطن.

كان السيناتور الجمهوري “جيم إينهوف” والسيناتور الديمقراطي “باتريك ليهي” في طليعة هذا النقد الذي استمر حتى في عهد إدارة بايدن، حيث قام كل من “إنهوف” و”ليهي” بكتابة رسالة من مجلس الشيوخ في فبراير 2021 موجهة إلى الرئيس الأمريكي “جو بايدن” تحثه على التراجع عن قرار “ترامب” الذي وصفوه بأنه يؤيد “مطالب المملكة المغربية غير المشروعة بالسيادة على الصحراء الغربية”.

اندلع نزاع الصحراء الغربية بعد استقلال الإقليم عن الحكم الاستعماري الإسباني في سبعينيات القرب الماضي، وسرعان ما قامت جبهة البوليساريو التحررية بإعادة توجيه كفاحها المسلح ضد المغرب عندما سيطرت المملكة على الصحراء الغربية في عام 1975، ولم يوافق الطرفان على اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة إلا سنة 1991، وتعهدا بإجراء استفتاء يحدد وضع الإقليم، وهو ما لم يتم إجراؤه بعد مرور أكثر من 30 سنة رغم الدعم الكبير الذي تلقاه من المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

ولأن “إنهوف” يشغل المنصب الاعلى في في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، و”ليهي” منصب رئيس لجنة التخصيصات، فإن مشروع قانون اعتمادات السنة المالية 2022 الذي يقدمه مجلس الشيوخ بخصوص قانون الدفاع الوطني الجديد يضم تغييرات مهمة بخصوص المغرب والصحراء الغربية مقارنة بالسنوات الماضية.

في النسخ السابقة لمشروع القانون ـ الذي يحدد الاعتمادات المخصصة لوزارة الخارجية والعمليات الخارجية الأمريكية الأخرى وأمور أخرى ـ تم وضع البنود المتعلقة بالصحراء الغربية تحت القسم الخاص بالمغرب. وعن هذا التغيير يقول تيم “ريزر”، وهو كبير مساعدي “ليهي” في السياسة الخارجية والموظف الديمقراطي في لجنة الاعتمادات الفرعية للعمليات الحكومية والخارجية: “لم نر أن ذلك كان يعكس الواقع والقانون الدولي ولذا فإن أول شيء فعلناه في مجلس الشيوخ هو فصل الصحراء الغربية ووضعها تحت قسم خاص بها كشرط عام.”

وردد “بنهوف” هذا الشعور إذ قال لـ”فورين بوليسي” في رسالة عبر البريد الالكتروني: “يجب حماية هذا القسم المعين والابقاء عليه على حاله أثناء عملية التفاوض” . وإذ يشد على يد إنهوف في لهجته القوية قال “إن هذا يوجه رسالة قوية إلى إدارة بايدن مفادها أنها أولوية بالنسبة للكونغرس لذلك تحتاج إلى جعلها أولوية أيضًا”.

إن نجاح مشروع قانون الاعتمادات في تخطي عملية مفاوضات مجلس النواب في وضع الصحراء الغربية في قسم خاص بها ليس سوى واحدا من عدة تغييرات يمكن أن تشكل نقطة تحول في العلاقات المغربية الأمريكية، ذلك أن المسودة تعترض أيضا على تمويل بناء قنصلية أمريكية في الصحراء الغربية، وهذا يتعارض مع التدشين الذي عزمت للإدارة السابقة تفعيله لما كان سيصبح قنصلية في المنطقة المتنازع عليها.

فضلا عن ذلك فإن قانون الدفاع الوطني الذي يغطي الاعتمادات المخصصة للجيش الأمريكي يحد من استخدام الأموال لأية مناورات عسكرية مع المغرب ما “لم يحدد وزير الدفاع الأمريكي ويشهد أمام لجان الدفاع بالكونجرس بأن المملكة المغربية اتخذت خطوات لدعم اتفاق السلام النهائي مع الصحراء الغربية “.

هكذا يحتمل جدا أن يستثنى المغرب كلياً من المناورات العسكرية السنوية للأسد الأفريقي، التي تعتبر أكبر مناورات للقيادة الأمريكية في إفريقيا، بعد مصادقة مجلس الشيوخ ومجلس النواب عليها. وباستثناء فترة توقف مرتبطة بالوباء سنة 2020، فقد كانت آخر مرة استبعد فيها المغرب من مناورات الأسد الأفريقي تعود لسنة 2013، عندما احتج على دعم الولايات المتحدة لتفويض مراقبة حقوق الإنسان لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الصحراء الغربية. ورداً على ذلك تراجعت الولايات المتحدة عن دعمها للتفويض.

كان الكثيرون يتوقعون أنه في ظل إدارة بايدن ستكون هناك دفعة أخرى لإدراج حقوق الإنسان في مهمة بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الصحراء الغربية، المعروفة اختصارا بـ”المينورسو”، والسبب في ذلك ليس فقط لأن الولايات المتحدة هي صاحبة مشروع قرار مجلس الأمن الذي يحدد ولاية “المينورسو” ومدتها، ولكن لأن وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكين” أعاد التأكيد مراراً وتكراراً على الوفاء بوعد حملة بايدن بـ “إعادة حقوق الإنسان إلى مركز السياسة الخارجية الأمريكية”.

وكان “إنهوف” و”ليهي”، إلى جانب العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الآخرين، بما في ذلك الديموقراطي عن ولاية أوهايو “شيرود براون”، والمستقل “بيرني ساندرز”، قد وجهوا رسالة إلى بلينكين في أكتوبر 2021 دعوه فيها إلى إدراج تفويض مراقبة حقوق الإنسان في تجديد ولاية “المينورسو”. وفي 29 أكتوبر 2021 أصدر مجلس الأمن قرارا يجدد ولاية المينورسو دون تفويض مراقبة حقوق الإنسان. وفي رسالته الالكترونية إلى “فورين بوليسي” وصف “بنهوف” لغة حقوق الإنسان في القرار بأنها “بلا أنياب”.

أصيب الكثيرون بالإحباط بسبب غموض إدارة بايدن بشأن موقفها فيما يتعلق بالصحراء الغربية. وفي هذا الصدد قال “رايزر”: “يبدو أن ما يفعلونه هو تبني موقف”محايد” حيث لم يتبنوا سياسة ترامب بشكل قاطع ولكنهم لم يرفضوها أيضًا”. وبالنسبة إلى “بنهوفي” فإن الوقت يداهمنا حيث قال: “في هذه المرحلة، بعد مرور أكثر من 10 أشهر على الإدارة الجديدة أريد فقط أن أرى أفعالاً”.

رداً على هذا الشعور بالإحباط قال متحدث باسم وزارة الخارجية: “إن أولوية الإدارة هي إعادة بدء عملية سياسية ذات مصداقية تؤدي إلى حل دائم وجدي مدعوم دولياً لنزاع الصحراء الغربية. نرحب ترحيبا حارا بتعيين “ستيفان دي ميستورا” مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة وسندعم جهوده بشدة “.

“دي ميستورا” واحد من سلسلة طويلة من مبعوثي الأمم المتحدة للصحراء الغربية الذين فشلوا في التوصل إلى حل. قبله شغل السفير الأمريكي السابق “كريستوفر روس” هذا المنصب حتى استقالته سنة 2017، وبالنسبة له فإن هناك عاملان سيتعين على المبعوث الحالي مواجهتهما: محدودية المهمة، وتحدي المغرب لتعليمات مجلس الأمن، حيث قال روس إن “تفويضنا يقتصر على تسهيل الاجتماعات بين الأطراف” مضيفا أنه “إذا كان المبعوث الجديد سيقتصر على نفس الدور المتمثل في تسهيل الاجتماعات فلن يحرز أي تقدم على الإطلاق.”

وصف “روس” سجل المغرب في الامتثال لتوجيهات مجلس الأمن ـ أي أنه ينبغي على جميع الأطراف الدخول في مفاوضات “بحسن نية وبدون شروط مسبقة” ويجب أن تتمتع “المينورسو” بحرية الوصول إلى جميع المحاورين ـ بأنه “سيئ للغاية”. لم يرفض المغرب فقط مناقشة أي اقتراح آخر غير خطة الحكم الذاتي، لكنه حد من وصول “المينورسو” إلى الناس في المنطقة الخاضعة لولايته. وقال روس إن “المغرب يتصرف بدون رادع”، معتبراً أن المغرب هو السبب الرئيسي لعدم إحراز تقدم.

وفي سياق الخلافات والخلافات الدبلوماسية الأخيرة التي شهدها المغرب في عهد بوريطة قال روس “هناك نقص في الدينامية الإيجابية لدى الدبلوماسية المغربية”، وهي وجهة نظر يشترك فيها مع آخرين. لإصلاح هذه الصورة روّج المغرب لاتفاق التطبيع مع إسرائيل كمثال على قابليته للتكيف رغم من أن البلدين انخرطا منذ فترة طويلة في تعاون مستمر منذ منتصف القرن العشرين. اعتمد المغرب على هذه الصفقة كوسيلة بديلة لجهود الضغط اللوبي التي يبذلها حيث وضع شخصية بعينها في طليعة هجومه الساحر في الخارج وهو الحاخام الإسرائيلي المغربي يوشياهو يوسف بينتو.

قبل تعيين “بينتو” مؤخرًا كرئيس للسلطة الحاخامية التي تشرف على الكشروت في المغرب ـ القوانين التي تعتبر الطعام كاشير ـ أدينفي إسرائيل بتهمة الضلوع في رشوة، ما أدى إلى الحكم عليه بالسجن لمدة سنة. يتمتع بحضور نشيط على وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث يعرض مجموعة متنوعة من المنشورات على غرار لقطات ملتقطة في طائرة خاصة أو صور ملتقطة مع السياسيين والدبلوماسيين .

ارتقاء “بينتو” من مدان إلى زعيم “حاخامي” دون أن تكون له أي مساهمة في أوساط الطائفة اليهودية المغربية يعكس الطابع المعزول لعملية صنع القرار في المغرب، بما في ذلك السياسة الخارجية. “حتى سنوات قليلة ماضية كانت قرارات السياسة الخارجية نتيجة لمجموعة من المستشارين الذين يقدمون توصياتهم إلى الملك محمد السادس” يقول الدبلوماسي المغربي المخضرم. الآن تم طرد العديد من كبار المسؤولين الذين كانوا يجدون لدى الملك أذنا صاغية مما أدى إلى بروز “غرفة صدى” تركت العديد من الدبلوماسيين السابقين محبطين وقلقين من أن المغرب يسير في مسار السياسة الخارجية المقلق.
لم ترد وزارة الخارجية المغربية على ملتمساتنا بالتعليق.

تبدو هذه النظرة أكثر كآبة عند وضعها جنبا إلى جنب مع المؤشرات المحلية الأخيرة: فقد وصل معدل البطالة في البلاد إلى أعلى مستوى له منذ سنة 2001، وتدهورت حقوق الإنسان وحرية التعبير بشكل سريع، كما أن الكثير من الناس يشعرون بالإحباط من إدارة الدولة للوباء التي تميزت بسياسات اللحظة الأخيرة وسوء التواصل والتقييد الشديد.

تاريخييا، وبحكم موقعه الجغرافي، كانت إحدى نقط قوة المغرب على الدوام هي قدرته على تخطي الموجات المتقلبة للدبلوماسية الدولية. وسط التوترات الحالية مع حلفائه، وتصاعد العدوان مع خصومه ــ بما في ذلك تصعيد العنف مع الجزائر وجبهة البوليساريو ــ يواجه المغرب خطر الانزلاق الخطير إلى العزلة والعداء. وبمقاربته العدوانية للدبلوماسية لا يبدل الكثير من الجهد لإبعاد المنطقة عن مستقبل قاتم من الصراع وعدم الاستقرار.

*سامية الرزوقي صحفية في المغرب سابقا ومرشحة للدكتوراه في جامعة دايڤيس في كاليفورنيا

النص الاصلي:
https://foreignpolicy.com/2022/01/04/morocco-diplomacy-bourita-united-states-western-sahara-2022-budget/

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube