أحمد الونزاني

تعلمنا من التاريخ أن الثورات تحتاج إلى قيادة حكيمة تشتغل في النور أو في الظلام. تشتغل لتقود الجماهير نحو الغاية وهي تحقيق مجموع أهداف الثورة أو النقلات الحضارية. تشتغل كقوة فكرية ترسم الخطوات وتخطط لها، حتى تتم كل مراحل الثورة بحكمة بالغة، متحسبين ومراعين لكل العثرات والإخفاقات وحتى ردة فعل الجهة المقابلة أو الثورة المضادة التي غالبا ما تتغذى على حساب الثورة الأصلية وذلك بخلق أسباب التفرقة داخل الثوار أنفسهم.
القيادة تتحسب لكل هذه الأمور وتستعد لها و لمواجهتها فكريا وشعبيا وعلى الأرض لتفويت الفرصة على المتربصين بالثورة والثوار.
لا تنجح الثورات العفوية إلا نادرا  وغالبا ما يتم اختراقها من طرف الأنظمة لتبنيها والعزف على نغماتها، سياسيا و فكريا و حتى تلقينها للأجيال في دروس التاريخ المكذوب.
الثورات العربية في مطلع 2011 كانت بلا قيادة، لكنها خلقت ذعرا كبيرا لدى معظم الأنظمة العربية، مما جعل بعض القادة المستبدين يستسلمون لمطالب الشعوب العربية وكان تنحيهم أو هروبهم من المواجهة أفضل حل أمامهم آنذاك، فيما تشبت جلهم بالسلطة وكانت المناورات السياسية غالبة في أكثر من بلد عربي، لكن بعض هؤلاء الحكام فضلوا المواجهة الصفرية مع الشعوب العربية فكانت المأساة الليبية و السورية. وبالرغم من بعض النجاحات إلا أن النكوص بدأت تظهر ملامحه بعد مطلع عام 2013، وعشنا الدراما المصرية و الانقلاب العسكري الدامي في مصر، وسرعان ما انقلبت الأمور إلى تراجيديا في كل من سوريا وليبيا و اليمن.
عم النكوص كل الوطن العربي، وباتت التراجعات هي السمة الغالبة، تراجعات حقوقية وسياسية وتضييق عام على الحريات و حرية الرأي والصحافة. كان الضوء الوحيد الذي لم تنطفئ جذوة شعلته سريعا، يتمثل في ثورة الياسمين والتي بالرغم من المؤامرات الداخلية والخارجية ظلت مستعصية وعصية إلى حد ما.
كانت الشعوب العربية تتطلع بتشوف كبير إلى التجربة التونسية وتتحسر على انفراط عقد كل الثورات العربية بسبب المكايدة السياسية أولا والتخوين و التطلع إلى الانفراد بالسلطة وسياسة الإقصاء التي انتهجت من قبل بعض الفرقاء السياسيين في حق فريق سياسي  آخر.
طغى الانقسام السياسي وأصبحت لغة الاستقواء طاغية بالمؤسسة العسكرية تارة وبالخارج تارة أخرى وبمن مولوا و ساعدوا على الثورة المضادة في المنطقة العربية، ساعدوا ماديا و معنويا وإعلاميا، بل تورطوا في المجازر التي عرفتها الساحات الثورية السلمية للشعوب العربية. ومورست كل أشكال التضييق والترهيب والتقتيل في حق الشعوب العربية لإخماد وتصفية الربيع العربي. وبذلك أصبح الربيع العربي جثة هامدة وضعت في ثلاجات النظام العربي، إلى حين عودة الحياة إليها في فجر يوم جديد.
كان الانقلاب العسكري في مصر، انقلابا دمويا، أقصى فريقا سياسيا متاصلا في الحياة السياسية المصرية، بل ذهب الانقلابيون إلى حد المواجهة الصفرية مع هذا الفصيل و التخوين والاستئصال، فعشنا فصولا درامية لمحاكمات صورية كيدية، أدت إلى إزهاق أرواح خيرة شباب مصر، كما أدت إلى سجن الآلاف في ظروف قاسية ولا إنسانية تمخض عنها وفاة المئات بسبب الإهمال الطبي و سوء المعاملة، داخل سجون مصر.
كانت البداية من مصر وبدأت التراجعات في كل المنطقة العربية، في سوريا حيث عاد النظام السوري المجرم بكل قوة بعد ما كان قاب قوسين من السقوط ،عاد بكل قوة ليفتك بالشعب السوري مستعملا البراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي وكل وسائل الفتك والقتل المحرمة دوليا ،في غياب أي دور فعال للمجتمع الدولي أو العربي.
ثم انقلبت الأوضاع في ليبيا وكان الانقسام والاقتتال بين طبرق وطرابلس من أجل الهيمنة على الحكم و السلطة في ليبيا. وسرعان ما تدهور الوضع في اليمن وحيكت المؤامرات ضد وحدة اليمن و سلموا السلطة للحوثيين، الذين انقلبوا على العملية السياسية بايعاز عربي عربي كمدخل لشن حرب طاحنة ضد اليمن و أبنائه، حرب مفروضة تحت ذريعة عودة الشرعية، فيما كانت الحلول واضحة وهي البحث عن توافقات سياسية لتقريب وجهات نظر  الفرقاء السياسيين و جعل الحل يمنيا يمنيا محض بالذهاب نحو تداول السلطة أو اقتسامها بين مكونات الشعب اليمني بشكل يخدم مصالح اليمن السعيد.
في تونس، كانت المناورات السياسية و المؤامرات الداخلية بايعاز من الخارج، سببا في تأخير عجلة قطار التنمية المنشودة و التعثر الاقتصادي و الفشل في تدبير الملفات الملحة وخصوصا ما يتعلق بكل ما هو اجتماعي وإصلاح شمولي للمنظومة التعليمية و الصحية وتوفير العيش الكريم للمواطن التونسي.
كان الفشل السياسي سببا في إخراج تونس من أزماتها المتراكمة لعقود طويلة. فشل سياسي بسبب المناكفات و الأفق الضيق وعدم وضع مصلحة الوطن والمواطن في تونس كأولوية قصوى و كهدف للنهوض بتونس الخضراء.
الفشل المتتالي وانسداد الأفق السياسي أدخل تونس في مآلات و مآزق لا تحمد عقباها.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube