بقلم :جيهان خليفة 

يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد فى تقدمته لكتاب الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجيا “إن للأفكار تاريخا وحين يتم طمس هذا التاريخ تتحول الأفكار إلى عقائد، فيدخل فى مجال الدين ما ليس منه ، ويصبح الإجتهاد البشرى ذوالطابع الأيديولوجى نصوصا مقدسة ،هذه المسلمة تكشف لنا عن بعد الصراع الآنى بين منهج ” تحليل الخطاب ” ومنهج “القراءات التحليلية ” التى لا تضيف شيئا إلى ما سبق ،إنه صراع  حول الوعى الإسلامى الراهن ، هل يظل كما هوأسير الترديد والتكرارأم ينطلق إلى آفاق البحث الحر القادر على فهم التراث والتجادل معه والإضافة إليه ” 0 [1 ] 

هذا التاريخ المطموس هو ما حاول الدكتور محمد أركون التنقيب والحفرعنه لإيجاده ومن ثم تعريته فى مشروعه الفكرى ” نقد العقل العربى والإسلامى ” ، مشروع محمدأركون هو مشروع نقدى  بإمتياز يتحدى بل يعرى هيمنة وإحتكار خطاب السلطة والأيديولوجيا الدينية للساحة الفكرية هذا الخطاب الذى صاغ قوانين الذاكرة الجمعية للأمة وطرق انتاجها للمعرفة منذ عصر الإمام الشافعى ، أركون بمشروعه التفكيكى يخرج كل ما تم دسه فى التراث بصفته مقدس ،رغم أنه بشرى مؤدلج بإمتيازلذلك فمشروعه دعوة لتحرير الإسلام من دائرة التراث التكرارى من أجل صياغة رؤية عصرية وحداثية له ،  بالضبط كما فعل فلاسفة عصر الأنوار مع الإنجيل فمشروع أركون “أنسكلوبيديا قرآنية ” بدآها فى جامعة تورنتو فى كندا برئاسة البروفيسورة “جين دام أوليف ” مع فريق عمل من أجل إخضاع النص القرآنى لمنهج التحليل والتفكيك متتبعيين كل كلمة قرآنية بدراسة تاريخية فى مادة مستقلة . وأركون لم يخفى تأثره بكتب ” دانيال روس” حيث كتب يقول ” عندما اطلعت على كتبه تسألت ألا يمكن أن نفعل شيئا مشابها فى ما يخص القرآن ؟ وما النتيجة التى سنتوصل إليها إذا ما قارنا بين الإنجيل والقرآن بهذه الطريقة ؟ 

التراث عند أركون 

التراث الإسلامى هو نواة المشروع الفكرى لمحمد أركون لذلك إستخدم كل أدوات البحث فى مختلف العلوم الإنسانية والإجتماعية  من أجل فك شفرة كيفية تشكل هذا التراث و ما لحق به من تراكمات .

فى ذلك يقول الباحث “محمدى سيف الدين ” فى دراسة علمية بعنوان “إشكالية النص الدينى عند محمد أركون”  ، أن التراث عند أركون ثلاث مستويات :

  1. التراث الذى يعنى التراث  الإسلامى المقدس 
  2. التراث الذى يعنى العادات والتقاليد 
  3. التراث الإسلامى الكلى

ويرى أن التفاعل بين هذه المستويات يشكل لنا التراث فى علاقته بالحداثة  ، فمفهوم الإسلام والتراث بالنسبة لأركون غير محددين بشكل نهائى ومغلق لإنهما خاضعان للتغير المستمر الذى يفرضه التاريخ  .

ولكن كيف سيدرس محمد أركون التراث الإسلامى وأى مناهج البحث سيعتمد ؟

تعتبر الإسلاميات التطبيقية هى العلم الجديد الذى أتى به أركون لدراسة الفكر الإسلامى فى ذلك يقول ” لايمكن فهم ماذا يقصد بالإسلاميات التطبيقية الامن خلال مقارنتها بمصطلح آخر وهو الإسلاميات الكلاسيكية ” الإستشراق ” لأن أركون يقدم مشروعه على أنه تجاوزلها ويؤكد على إهمال المستشرقين للجمهور الإسلامى، حيث قدم المستشرقون راديكالية النقد الفللوجى والتأريخى للعرب والمسلمين، بمجرد حصول وعى خجول لبعض المثقفين المسلمين مشيرا الى أنه عندما أصبح الوعى الجماعى للمسلمين بحاجة الى إعادة الصلة بين الإسلام بوصفه منهاج للحياه ، وغذاء للروح، راح المستشرقين ينزعون عنه الشرعية والقدسية . ويستطرد قائلا: “وعندما إستخدم المسلمون الإسلام من أجل إحداث ثورة إجتماعية وسياسية، ذهب المستشرقين الى إتهامه بالتزمت والتعصب ” .[2ٍ]

العقل الإسلامى وتجلياته هو ما اهتم به أركون محاولا تشريحه منذ سبعينيات القرن الماضى فإذا كان النص الدينى هو المرجعية الفكرية التى تشكل على أساسها هذا العقل “الخجول” فإن الإسلاميات التطبيقة قد جاءت لنقد وتحليل هذا الخطاب بل ونقده  بالإضافة إلى مواضيع أخرى كتاريخية النص الدينى وتشكله ومسألة الوحى والتعبير الشفهى وغيرها من المسائل التى لم يطرقها العقل الإسلامى من قبل كل ذلك لإنتاج قراءة معاصرة للإسلام على غرار ما حدث فى أوروبا , تتميز الإسلاميات  التطبيقية بأنها  متعددة المناهج تجمع بين التحليل التاريخى أو المنهجية التاريخية وكذلك المقاربة الألسنية والسيميائية والتحليل الأنثروبولوجى للمجتمعات لذلك فهى متميزة عن مدارس الإستشراق المسماه حديثا بالإسلاميات الكلاسيكية .

هذه الإسلاميات مجالها التراث وكذلك الحداثة ففى دراستها للتراث تقوم بعملية غربلة لفرز ما هو معرفى خالص وما هو أيديولوجى أما فى دراسة الحداثة فتظهر انجازات العلوم الإنسانية ومكتسباتها وكذلك نقدها .

مفهوم التاريخية فى فكر محمد أركون 

مصطلح التاريخية  أصبح من المصطلحات الرائجة هذه الأيام ولكن ما التاريخية ؟  يرى أركون أن مصطلح التاريخية ورد للمرة الأولى حسب قاموس لاروس الكبير للغة الفرنسية فى مجلة ” نقد ” فى نيسان 1872 على أن الأمر ” يتعلق بصياغة علمية مستخدمة خصوصا من قبل فلاسفة الوجوديين للتحدث عن الإمتياز الخاص الذى يمتلكه الإنسان فى انتاج سلسلة من الأحداث والمؤسسات والأشياء الثقافية التى تشكل بمجموعها مصير البشرية ” .[3]  

ميز أركون بين مصطلح التاريخية والتاريخانية فالتاريخية تتيح لنا دائما أن نبقى فى مستوى التساؤل أما التاريخانية فتغذى الوهم بوجود اتجاه محدد أو معنى وحيد ومعروف فى التاريخ أى أن التاريخانية تابعة للتاريخية حيث أنها تسجل الوقائع التاريخية لذلك فى نظر التاريخ تبقى عاجزة عن إدراك الموضوعية فى سير حركةالتااريخ أما التاريخية فتقوم على الإستدلال التاريخى الذى يعتمد على العلوم الحديثة 

أما بالنسبة لتاريخية القرآن فمن وجهة نظر أركون أنها تمثلت فى العلاقة التى تربط الحقيقة بالزمن مما يعنى أن القرآن ارتبط بلحظة تاريخية معينة اتسمت بممارسات عقلية خاصة وكان الوحى ينبثق ويتطور وينمو ويتعرض لمتغيرات تحت ضغوط أحداث وتحديات تاريخية والخطاب القرآنى يتموضع داخل الأحداث التاريخية الأكثر إعتيادية ويومية من خلال اقتران آيات القرآن بالحوادث والظروف لذلك يرى أركون أن القرآن فى زمن النبى كان له خصوصياته ومميزاته أما ما وصل إلينا عبر التاريخ فهو شىء آخر . [4] 

ويرى أركون ضرورة الرجوع لكل الوثائق التاريخية سواء شيعية أو سنية أو خارجية لإعادة كتابة القرآن لكى نكون قد استطاعنا تجنب أى هدف تيولوجى قد حدث بالنسبة لطرف على حساب آخر مؤكدا ضرورة التاأكد من صحة الوقائع .

العقل المستطلع 

لكى نحقق كل ما سبق من آليات لخلق فكر أركيولوجى عربى  دعا “أركون” إلى ضرورة إعمال ما يسميه العقل “المستطلع الجديد “عقل ما بعد الحداثة ، الذى تشرب كل إيجابياتها ، وغربل سلبياتها ، عقل جمع بين المادة ، دون التخلى عن الروح ، والمقدس، ولكنه المقدس المصفى، والمنقح من كل إدخال بشرى مؤدلج .

وذلك من خلال كشف ” بعض مناحى المقدس سواء فى حياتنا المعاصرة أو فى التأريخ، وذلك عبر الإنتقال من العملى إلى النظرى ، ومن النظرى إلى العملى كجزء من منظومة ثقافية، لأن المقدس عند أركون ليس الدينى فقط ، وإن كانت جذوره ممتدة حتى فى عاداتنا اليومية وإعتقاداتنا، فى تفاؤلنا وتشاؤمنا، فى النظم التى تحكمنا ، والطرق التى تحكم بها ، وفى البديهيات والمسلمات والحكايا.

يشير أركون أن هذا الخلط بين الإلهى والبشرى وعدم التمييز بين الوحى وفهم الإنسان للوحى وبين الإسلام والتمثلات الإجتماعية له ، أدى إلى إتساع مساحة المقدس ، واستوعب هذا المقدس بالإضافة الى النص ، والفهم البشرى لهذا النص إستوعب التجارب التاريخية للمسلمين بكافة تلويناتها ، كما استوعب أيضا الصراعات التى ظهرت فى التجربة الإسلامية ، ومجمل هذه التجارب لا تخلو فى الواقع من إكراهات سياسية وثقافية ، ولا تخلو من تعصب عقائدى ، ونفى للآخر كما يرى أركون”. [5]

أركون الذى يعيب مشروعه قوى الظلام فى العالم العربى والإسلامى، متهمين إياه بأنه ربيب مدارس الإستشراق ، هو نفسه يعيب على قوى التنوير والحداثة الغربية ، أنها لا تهتم بمسألة الروح وتهتم فقط بالماديات الإستهلاكية، مشيرا إلى “أن عقلانيتها ذرائعية أكثر من كونها روحية انسانية أو فلسفية ، ويذكر هاشم صالح ، وهو عراب فكر محمد أركون فى ترجمته لكتابه “من الإجتهاد الى نقد العقل الإسلامى” أن أصالة فكر أركون وموقفه المختلف عن المستشرقين العلمانين، والمسلمين التقليديين ، تكمن فى أنه يقدم لنا حلا ناجعا ومقبولا فهو يرفض العلمانوية الإختزالية، لا العلمانوية المنفتحة . يرفض إختزال البعد الدينى والروحى أو “تصفيته” كما فعلت العلمانوية النضالية فى القرن ال 19و20 خاصة فى فرنسا مشيرا إلى أن الإسلام يمكنه إستيعاب المكتسبات الإيجابية للروح العلمية ، والعلمانية الجديدة فى الوقت نفسه يرفض التخلى عن البعد الروحى والإيمانى فالأنثروبولوجيا”علم الإنسان ” لا ينبغى أن تؤدى إلى تصفية اللاهوت أى “علم الله” بذلك أركون يدعوا إلى إيمان جديد حر خالى من التعصب الذى يسيطرعادة على الإيمان التقليدى ، ويجعله يبدوغير متناسب مع روح العصر ومستجداته ” . [6 ]

يرى أركون أن الهدف النهائى من الإسلاميات هو خلق الظروف الملائمة لممارسة فكر إسلامى محررمن المحرمات العتيقة، والمثيولوجيا البالية محرر من الأيديولوجيا الناشئة حديثا ، مشيرا أننا سوف ننطلق من المشاكل الحاضرة ومن الإسلوب الذى عولجت به هذه المشاكل فى المجتمعات الإسلامية ، ونحدد نوعين من الإهتمامات التى تتركز حولها مسائل عملية سوف ننطلق من قطبين الأول “التراث ” الذى لم يزل الوعى الإسلامى مرتبط بالحنين اليه حتى اليوم، ويسمى هذا القطب بالعصر التأسيسى زمن الوحى والسلف ، ثم قطب “الحداثة  .[7]

أركون يدعونا إلى الرجوع للحظة إفاقتنا فى القرن الرابع الهجرى ،ويرى أنها كانت لحظة ثورية ، لحظة التساؤلات الفكرية، والمواقف المنفتحة، يعنى بذلك لحظة “اللسانيات” فى تراثنا ونشأة علم الكلام ، قاصدا الصحوة “المعتزلية” مشيرا إلى ضرورة تحديث تلك المرجعية النقدية تحديثا معرفيا فتبقى عندئذ علاقتنا بالنقد العالمى، علاقة استعادة لا علاقة إستلاب ، لذلك نكون قد تعاملنا مع التراث لا كمرجع مقدس، يصعب تجاوزه بل كمنطلق لفهم فكرى مستقبلى، يتشكل ويوسع من مجالات المعرفة .

تقول الدكتورة “نورة بوحناش” فى كتابها” الإجتهاد وجدل الحداثة” “أن مشروع محمد أركون أثار الكثير من الجدل فى الأوساط الفكرية داخل جغرافيا العالم الإسلامى مما أعاد إلى الأذهان بيانات التكفير والشجب ، ثم الشطب من الحق فى القراءة النقدية الفاعلة، ذلك لأن هذا المشروع ينطوى على عملية عميقة توضح الحقيقة وتكسر الإعتقاد فى الأمة الناجية . أركون عمل على تحليل عميق للاشعورالإسلامى الذى عمق إقفال العقل مخرجا إياه خارج الفعل والتاريخ ” . [9]  لنقف هنا ونتناول فى مقالنا القادم مفهوم النص الدينى عند أركون وما هى إشكالية الإله فى فكره 

مصادر

1- كتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد ، الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجيا ، صادر عن مكتبة مدولى ، ص12

2- بحث دراسة القداسة والتقديس عند محمد أركون للباحثين سامى شهيد مشكور، وجاسم علك شهاب , منشور بموقع جامعة أهل البيت ص39 ,ص 49

 3  -محمد أركون الفكر الإسلامى قراءة علمية ترجمة هاشم صالح – صادر عن مركز الإنماء القومى بالبنان ، ط2 1996 ص116

4-كتاب محمد أركون المفكر والباحث والإنسان عبد بلقزيز وزملاءه ص863

5-المصدر رقم [1]

6- كتاب محمد أركون ،من الإجتهاد الى نقد العقل الإسلامى ، ترجمة هاشم صالح , صادر عن دار الساقى بيروت

 7- نفس المصدر السابق ص104هامش

8- محمد أركون (( تاريخية الفكر العربى الإسلامى )) ترجمة هاشم صالح , الطبعة الثانية ، الناشر مركز الإنماء القومى , بيروت ص60

9- الدكتورة نورة بوحناش (( الإجتهاد وجدل الحداثة )) طبعة 2016 ، الصادر عن كلمة للنشر والتوزيع دار الأمان ص79 , ص80

*كاتبة مصرية 

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube