أحمد رباص – حرة بريس

حالما انتهى الأستاذ محمد الطوزي من تتبع مسار جماعة العدل والإحسان منذ إرهاصاتها الأولى، انتقل إلى الحديث عن السلفية بين التقوى والجهاد.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، وتحت الضغط المزدوج للحركات “اليسارية” والإسلامية، اعتقدت السلطات المغربية أنها تستطيع تشجيع الإسلام المحافظ على حساب هذا الإسلام السياسي الأكثر تنافسية. وهكذا، دعمت السلطة ظهور السلفية وانتشارها من خلال المدارس القرآنية.
هكذا ظهر جيلان من السلفيين: الأول كان تقليديا بشكل فريد، بينما كان للجيل الثاني صلات أكثر شمولاً بمنظري الوهابية وتعززت بعودة الأتباع القدامى من أفغانستان.
كان اعضاء هذا الجيل الثاني يرتادون مساجد صغيرة ويلتقون بأبي حفص، الفيزازي وغيرهما الذين، كل في مسجده، حافظوا على الخطاب السلفي الجهادي. تم تضخيم كل هذا وجعله أكثر وضوحا من خلال القنوات الفضائية مثل قناة الجزيرة التي من خلالها تم اكتشاف الفيزازي.
بعد 11 سبتمبر اكتشف الشعب المغربي هذه التيارات السلفية التي هي في الحقيقة عبارة عن فرق كثيرة. إلى جانب ذلك، هناك الإسلاموية المغربية المغتربة في أوروبا، والمكونة من المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية والعدل والإحسان، وكذلك مع حركات أخرى مثل الشباب الإسلامي أو التبليغيين. نفس النزعة الإسلاموية، وهي على اتصال مباشر بالحركات الجهادية العربية وغيرها، أنجبت نوعا من النخبة المقاتلة التي تشكلت في معسكرات التدريب والتي أدت إلى ظهور الحركة السلفية المقاتلة المغربية. أنتج هذا الاقتران “الصهارة” التي تميز المجال الديني المغربي.
لكن وسائل الإعلام، بما فيها المغربية، هي التي ساهمت بشكل كبير في ظهور هذه الجماعات بعد 11 سبتمبر.
هنا يعرض الأستاذ الطوزي لمجموعة من العناصر التاريخية، مشيرا في البداية إلى أن مسار الانتقال من السلفيين في مطلع القرن إلى المفجرين الانتحاريين في 16 ماي مسار معقد.
يكمن الغموض، في نظر الكاتب، في حمولة تسمية “سلفي” التي تغطي حقائق اجتماعية وتاريخية مختلفة. في البداية، كانت الحركة السلفية جزء من مشروع نهضة الفكر الإسلامي قام به منظرون (الأفغاني ومحمد عبده) مفتونين بتقدم الغرب في نهاية القرن التاسع عشر ولم يترددوا في التوفيق بين الرغبة الشديدة في العودة إلى ممارسات صحابة النبي الأوائل، والهجوم العنيف على الاعتقاد في بركات الأولياء الصالحين من قبل الإسلام الشعبي والتقرب من المحافل الماسونية.
في المغرب، كانت هذه النسخة من السلفية القابلة للذوبان في القومية هي التي ستكون لها الأسبقية على التيار السلفي الآخر الذي ظل هامشيا، وكان لفترة قصيرة بمثابة صدى لحركية بني عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر.
سوف يتذكر التاريخ رسالة كتبها السلطان مولاي سليمان ويقرأها بسخرية تدين الإخوان وتنادي بالعودة إلى الإسلام الخالص.
سوف تشكل السلفية – يتابع الباحث- خلال سنوات الحماية رابطا يحشد رجال الدين خريجي المناهج الدراسية التقليدية والأطر الوطنية الشابة التي كانت ترتاد الجامعات الأوروبية.
لكن غداة الاستقلال، لم تقاوم هذه السلفية منطق العمل السياسي، وستنفتح القومية على أيديولوجيات أخرى قائمة في ذلك الوقت، سواء كانت القومية العربية أو الاشتراكية. بعد إجلائهم من المشهد السياسي، سوف يستثمر السلفيون مجال التعليم من خلال المدارس الخاصة أو يلجون السراي لخدمة مشاريع الإسلام المحافظ الصارم التي أطلقها الحسن الثاني في محاولته استعادة السيطرة على المجال السياسي. خلال الستينيات، كان وجود السلفية في المغرب هامشيا وقبل كل شيء ذا طابع محلي، وسرعان ما تحول إلى شكل من أشكال التقوى اللاسياسية.
بالإضافة إلى الشخصيات الرمزية مثل تقي الدين الهلالي من مكناس، وهو أستاذ قديم في المدينة المنورة بعد اشتغاله في محطة إذاعية في برلين خلال الحرب العالمية الثانية، تنشط السلفية بشكل خاص في الشمال، لا سيما في طنجة (عائلة بن الصديق) وفي تطوان (الريسوني وبوخوبزة).
كان هناك عدد قليل من المجلات ذات الطبيعة السلفية (مجلتا “النور” في تطوان و”الميقات” في وجدة، التي يديرها الفقيه بن عبد الصمد التاجكاني، الذي درّس في جامعة تطوان).
بالنسبة لهذا التيار، كان معياره قريبا من المدرسة الحنبلية. وهو يقوم على قراءة حرفية للقرآن دون استخدام العقل.
كانت إعادة إنتاج هذا الإحساس التقوي من عمل شبكة من معاهد تعليم القرآن التي ستتغير أبعادها عندما تخطت طموحات المملكة العربية السعودية في انتشار الإسلام الوهابي.
في عام 1971، بعد مرور عامين على القمة الإسلامية في الرباط التي ستقرر، بضغط من مصر والجزيرة العربية، فتح جبهة الدعوة الإسلامية، تم افتتاح دار للقرآن في مراكش سميت جمعية دار القرآن. وفي عام 1976 ولدت جمعية ثانية تسمى جمعية الدعوة للقرآن والسنة بقيادة الشيخ المغراوي المقرب من المملكة العربية السعودية. وما كاد يحل عام 2001، حتى أصبح هذا الشيخ يترأس شبكة من حوالي 100 مدرسة في 30 مدينة مختلفة.

(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube