مصطفى الزين

إستدرجني التفاعل مع قراءة للفنان التشكيلي الصديق السعيد كرماس،على جداره بالفايسبوك ، إلى لوحةَ الفنان الرسام التشكيلي الأستاذ يوسف سعدون (انظر صورتها بالأسفل). إستدرجني التفاعل إلى تأمل اللوحة، ومغامرة إنجاز قراءتي الخاصة في مكوناتها و دلالاتها وأبعادها..
سأدرج، بدايةً، نص قراءة السعيد كرماص، وبعده نص قراءتي، وصورة لوحة “سفر أزرق”.
القراءة الأولى:
للأزرق هواة وعشاق، قد تختلف أسباب ارتباطهم العاطفي بهذا اللون العجيب/ الغامض.
قد نجد لكل حالة أعذارا وأسبابا ..قد تُقبل كحجج ، أو كغطاء ، لأشياء ربما لا يستطيع البعض البوح بها لسبب من الاسباب.
لكن الغوص في خبايا الحلم الملون بالازرق تُدخل الباحث في غياهب اللا شعور/ اللا مفكر فيه، أو، بكل بساطة، تحيلنا إلى مخيالنا الأدبي الذي هو نتاج قراءاتنا المختلفة للتراث السردي الانساني.
ومن أول نظرة للوحة يوسف سعدون، تبدو الشخصية الأنثوية في وضع درامي يترجمه اختفاء الوجه بين ثنية الدراع، في حركة تنم عن حزن عميق او انهيار قوي لنفسية مكلومة.
من الصعب معرفة السبب الذي من أجله فضلت الشخصية مواجهة الناظر/ الملاحظ للوحة؛ والسؤال هو: لماذا ترفض الشخصية النظر الى عين المتفرج/ الملاحظ/ الناظر؟
أهو حياء ؟ أم عدم القدرة على الوقوف بشجاعة والتعبير الصريح والصادق عما يخالجها من أحاسيس ،أو البوح بما يؤلمها ؟
إن صح الوضع الذي وصفتُه – وضع شخصية حزينة باكية تخفي الوجه- فعلى أي شيء تتكىء؟ أهو حائط (مستبعد في نظري)؟ أم هي ممدة وحيدة او مُهْمَلَة، على سرير بارد، هجره الإحساس القوي بالحب؟
الأزرق ، في هذه الحالة ، يصير كابوسا بكل المقاييس٠ ومجرد الارتخاء عليه أفضع من دخول قبر ضيق في أعماق القطب المتجمد. ولفهم الوضع، سفر الى ماضي العلاقة العاطفية قد يشرح واقع الحال، بالرغم من كون العمل الابداعي يظل ،تأويليا ، مفتوحا على كل الشروح والإحتمالات.
القراءة الثانية
“سفر أزرق”: إزرقاق يتهدد العالم والإنسان باكتساح اسوداد أحادية اللون والرؤية:
——————————————–
لستُ من هواة الإقعاء عند عتبة العنوان ومراودته طويلا؛ فقد يكون العنوان مجرد اقتراح .. أو لم يخطر على ذهن الفنان إلا بعد إنجاز العمل، وقد يكون مضللا ،أو مفارقا ؛ فالصفة (أزرق) ، في رأيي، هنا أهم من الموصوف (السفر) ؛ الأزرق هو أهم مكونات اللوحة يكتسح فضاءها ومكوناتها ، بما فيها مكونها الأيقوني الأساس( الشخص المتكوِّم..أو شبحه..). و”السفر” قد يكون “قطعة من الجحيم”، سلبيا ؛ رؤيا أو كابوسا… وهو، على العموم ، سير ، أو سيرورة وتحول..
هذا الأزرق- الذي قد يعتبره البعض بهيجا، ويعتبره آخرون نقيض ذلك، حسب مواضعه وسياقاته- جاء في هذه اللوحة اكتساحا ، رمى بالألوان الأخرى( الأبيض – البني- البنفسجي- الأخضر- الأصفر..) إلى الهامش – يمين اللوحة في صورتها، يسارها في أصلها.
ولهذا، فهو ازرقاق غير محمود، أو هو ازرقاق مرضي ؛ هو سبب الوضع البشري للإنسان ،أو للشخص المتكوم داخل اللوحة ، إذ يبدو رأسه منطرحا على ذراعه، و وجهه، وتبدو ملامحه: أنفه وفمه المفتوح .. -رغم سديمية اللوحة الشبه تجريدية-إنسانا متعبا منهوكا مندحرا. ، لا ندري إن كان ذكرا ، أم أنثى؟!، وإن كنت أرجح أنثويته ،على إعتبار سآتي إليه.
هكذا ، تعكس اللوحة قدرا واضحا من القتامة والبؤس، والعياء والمرض، وربما الشيخوخة والعجز، مما أدرك هذا الكائن قبل الأوان.. وإن إطار السواد الحاف يشهد لدلالة ما يمكن اعتباره تشاؤما،أو رصدا للبؤس والمرض والعياء..بل إن السواد ، المتسع نسبيا إلى الهامش غير هامش الألوان المندحرة باندحار القيم والروح والذوق ، كأنه يدل على الإزرقاق السائر إلى قتامة الإسوداد..
هل تعكس هذه اللوحة، بهذه الدلالات ، التي قرأتها شخصيا، سفر الإزقاق الذي تعرفه وتعاني مدينة الرسام الفنان يوسف سعدون؟؛ مدينته الأصلية ؛ مدينة إقامته : الشاون؟
نعم، الشاون الأندلسية المورسكية ، الأيقونة الساحرة .. صارت تعاني من هذا الإزرقاق الكاسح التسييحي على حساب ما كان بياضها المؤثث بفسيفساء من الألوان، فيها ، وفي مجالها ،من شهبة الجبال ،واخضرار البساتين والحدائق..وفسيفساء اختلاف الرؤى وتآلفها وانسجامها ..؛
اكتساح ازرقاق أحادي مرضي، ضد عافية التعددية الصحية ؟!
ويمكن أن نقرأ ، في هذه اللوحة، “أزمة” الشاون، ويمكن أن أسميها “لوحة الشاون”، ولكن على أساس أن نتخذ من الشاون ، ووضعها ومعاناتها ، نموذجا للتعبير عن الأزمة الحضارية ، والإزرقاق المرضي المكتسح ، المؤذن بالسواد لونا أحاديا مهيمنا متحكما متسلطا، ضد التعددية في العين وفي الرأي، وفي الطبيعة.
* * * * *
معذرة،إن كنت تطفلت وتعسفت ..في هذا التفاعل ،وهذه القراءة ؛ فهذه هي أول مرة أتجرأ فيها على شيء من النقد التشكيلي،أنا القادم من الأدب والنقد الأدبي..وأني مدين لكما ،أيها الفنانان المبدعان الأستاذان سعيد كرماص ويوسف سعدون ،باقتحام هذا الميدان الشائك الشيق الريق.
صفرو- الخميس 24نونبر2021 .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube