محمد الشرقاوي

في هذا المنبر الشهير في البيت الأبيض، وقف الرئيس ترمب، وقبله أوباما، وبوش، وكلنتون، وبوش الأب، وريغان، وكارتر، وقبلهم فورد، وجونسون، وكيندي وغيرهم من الزعماء الأمريكيين يعلنون قرارات مصيرية ويفسّرون استراتيجيات غيّرت مسارات التاريخ الأمريكي والدولي. وفي المنبر ذاته، وقفتُ ذات يوم وقفة الكبار أمنّي النفس بقرب تحقيق الحلمالأمريكي الأعظم، ولماذا أسموا هذه البقعة “العالم الجديد” لتجدد الأحلام والمعنويات! هو عالم جديد يحرّرك من أثقالك القديمة وحمولات تجرّها فوق أكتافك منذ قرار الخروج في رحلة الشتاء والصيف عبر معابر القارات الأربع. ويمنحك أيضا حرية الحلم في زمن أصبح يشحّ بأحلام المنام ناهيك عن أحلام اليقظة. هي لحظة تتلاحق فيها الصور والذكريات عن تغيّر الرحلة من الزمن المغربي إلى الزمن الأمريكي. لكنها رحلة تأبى أن ينفصل فيها الزمن الأول عن الزمن الثاني، وكما قلتُ ذات مرة، إنها رحلة وتجربة التوافق والانسجام الهوياتي والثقافي تجعل المرء مغربيا عربيا مائة بالمائة وأمريكيا مائة بالمائة. هي لحظةٌ لم تدخل سجلاّت الأنشطة الرئاسية، ولم توثقها كتب التاريخ في مكتبة الكونغرس. غير أنها تؤكد مغزاها القريب والبعيد ليس في قيمتها المعنوية في سيرة ذاتية متواضعة، بقدر ما تنطوي على رمزية ملهمة لشباب مغربي وعربي تزدحم في صدوره الأحلام والانتكاسات، وتتنازع الاستماتة مع الاستسلام، ويستمر فيه المد والجزر النفساني، ويتداخل الخريف الراهن مع الربيع المقبل. بعد نشر تدوينتي بعنوان “هل أنت مغربي: سؤال الهوية أم الهويات”، ذكّرني بعض الأصدقاء، ومنهم لحسن لمخنتر (الصورة أدناه) بما جاء في مقدمة إحدى محاضراتي قائلا: “لا زالت كلماتك بجامعة الحسن الأول كلية الحقوق تتراقص بذاكرتي… كنت حينها أجلس في الصفّ الأمامي محاولا إستيعاب كل ما تتلفظ به، وقد فاجأتني مقدمتك، فكانت بمثابة جرعة للمقاومة والمثابرة والأمل …وكانت كالآتي: مقتبس من مقدمة ذ. محمد الشرقاوي من محاضرة ألقاها أمس الجمعة بكلية الحقوق جامعة الحسن الأول سطات”: “قبل أن أخوض في موضوعنا “صفقة القرن وتقلبات ميزان القوى بالعالم العربي”، دعوني أعود إلى ذاتي كطالب، وأن أكون بينكم في هذا المدرّج، وأنا أحمل همّ الإمتحانات وهمّ التخرج…. فدعوني أسافر بذكرياتي إلى الوراء: كنت في الثامنة عشر في أولى عام في كلية الحقوق، ووجدت نشوتي وقتها في نظريات العلاقات الدولية. وبعد أربع سنوات، تخرجت من الجامعة … وكان كل حلمي عبور الأطلسي واستكمال الدراسات العليا، لكن لم أحصل على منحة، ولم أكن من عائلة ميسورة، ولم أجد أي سند مالي. وذات يوم خريفي من تلك الأيام، قرّرت أن أغامر على طريقة طارق ابن زياد، فركبت الباخرة من طنجة باتجاه لندن. خلال رحلة الباخرة و القطار مدة ثلاثة أيام، كنت أقتات على بعض الخبز وبعض العسل وحبات “المندلين” إلى أن وصلت. ها أنا في عاصمة بريطانيا وجدتني مدجّجا بأحلامي، لكن اليد قصيرة والعين بصيرة. وهنا بدأت معركة الكدّ والجدّ وتحقيق الذات: كيف أدرس؟ كيف أدفع مستحقات الدراسة والسكن؟ كيف أسدّد الفواتير الشهرية وتكاليف التغطية الصحية وما إلى ذلك…؟ تمرّ أيام وأعوام، وأجد نفسي في واشنطن وتصلني رسالة من الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون، وعليها توقيعه الشخصي يعيّنني عضوا في فريق لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن. باختصار، يكمن المغزى من هذه الحكاية في أننا دائما نحمل في صدورنا أفكارا و أحلاما “مجنونة” أحيانا، أو “غيرواقعية” في الغالب، أو “غير_عملية” على الإطلاق، وتقول لنا البنية الإقتصادية و البنية الأسرية من حولنا: من أنت حتى تكون لك هذه الأحلام؟
أتذكّر أنني و لا زلت وأودّ دوما أن أنشر العدوى، ليست عدوى كورونا، بل عدوى الشرقاوي: إياكم أن تدعوا أحلامكم وأفكاركم “المجنونة” تموت في صدوركم في صمت. ليس ما أقول من قبيل الطرح لا المثالي ولا الطوباوي. لذلك تذكّروا أنّ في صدورنا جميعا روحا مسافرة عبر الزمن من أيّام طارق ابن زياد. فمن يريد أن يحقق ذاته، فليتسلح بنظرية “العدو من أمامكم و البحر من ورائكم.”
ما أروع أن تشعروا بنشوة النجاح من أفكار وطموحات قالوا عنها إنها “مجنونة”!

لحسن لمخنتر
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube