أحمد رباص – حرة بريس

بعد تتبعنا لمسار الانتقال من جمعية الإصلاح والتوحيد إلى حزب العدالة والتنمية، نمر الآن مع الأستاذ محمد الطوزي إلى مسار آخر يهم هذه المرة جمعية العدل والإحسان التي اعتبرها الكاتب ثانية حركتين إسلاميتين مغربيتين قويتين.
وهكذا يقول الباحث في مستهل هذا المطلب إن الجمعية الإسلامية الأخرى، “العدل والإحسان”، غير المعترف بها من قبل الحكومة، هي الأكثر أهمية إلى حد بعيد، سواء من حيث عضويتها أو جودة مجموعتها العقائدية.
لقد وضعت الكاريزما – يردف الطوزي – في خدمة النشاط السياسي الديني. يمكن تفسير هذا البروفايل الشخصي من خلال السيرة الذاتية لمؤسسها الرمزي الشيخ عبد السلام ياسين، الذي بلغ من العمر حوالي سبعين عاما في 2009 (زمن كتابة هذه الدراسة) قبل أن توافيه المنية يوم 13 دجنبر 2012.
وبحكم سنه وتجربته الإدارية السابقة في وزارة التربية والتعليم، أمكنه التباهي بسنوات عديدة من الخبرة في التدريس وإتقان اللغتين العربية والفرنسية بشكل مثالي. على الصعيد الديني، كان إبان عقد الستينيات من أتباع جماعة البوتشيشية الصوفية، حيث أصبح يحظى باحترام شيخه.
في أوائل السبعينيات، ترك الزاوية، ليس من أجل خلاف مذهبي مع الصوفية، ولكن من أجل الرغبة في العمل السياسي.
في عام 1973، كتب ياسين رسالة إلى الملك دعا فيها العاهل إلى التوبة إلى الله والتصالح مع شرعه والكف عن الظلم و البطش.
وفي عام 1978، أصبح مديرا ل”الجماعة”، أول مجلة إسلامية (تم حظرها عام 1983 بعد ظهور سبعة عشر إصدارا). كلفه نشر عددين عام 1984 عامين قضاهما وراء القضبان.
حوالي عام 1985، أنشأ جماعة العدل والإحسان، التي جسدت في وقت واحد إطارا مرجعيا لآلاف الأتباع ومنظمة مهيكلة على نحو كاف.
في عام 1990، ألقت الشرطة القبض على عشرات الاطر، ستة منهم، وفقا للسلطات، كانوا يشكلون المجلس الأعلى للحركة. وقد حُكم عليهم بالسجن لمدة عامين ولم يخرجوا منه إلا بعد انصرام المدة الحبسية كاملة. في لحظة المغادرة وجدوا عند بوابة المعتقل حشدا من الأتباع الذين استقبلوهم استقبال الأبطال.
بعد هذه النبذة الوجيزة عن الشيخ ياسين، قال مؤلف “الإسلام في الحياة اليومية” إنه يمكن اعتبار الشيخ ياسين الأب الروحي الوحيد لحركته وواحدا من أهم الإسلاميين في المغرب. وعن إنتاجه العقائدي، كتب أنه يشمل حوالي عشرين كتابا كتبت بين عامي 1973 و 1989، ولا سيما “المنهاج النبوي”.
بخصوص هذا الكتاب الأخير، يقول الباحث إنه توليفة أصيلة بين تعاليم الصوفية والفكر السياسي الديني لحسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928) وسيد قطب (أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي ستستخدم نصوصها كأساس للحركة الإسلامية الثورية).
كانت الجامعة جبهة مميزة في استراتيجية الحركة منذ عام 1979. وتم التعبير عن هذه الحركية من خلال أسلمة المعيش الطلابي: فتح المساجد في الأحياء الجامعية، تنظيم الأسابيع الثقافية، إعادة تنشيط العمل النقابي من خلال اكتساح هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
وهنا يسجل الأستاذ الباحث أن هذا الوجود الهائل في الحرم الجامعي أدى إلى مواجهات، دموية في كثير من الأحيان، مع طلاب ينتمون إلى اليسار غير الحزبي. وتجدر الإشارة إلى أن الإسلاميين لا يتحملون وحدهم المسؤولية عن الأحداث التي تصدرت عناوين الصحف في وجدة وفاس طوال عام 1991، يضيف الكاتب.
وشهد العام الجامعي 96-97 تكثيف المظاهرات الطلابية. ذلك أن الحركة الإسلامية، ولا سيما العدل والإحسان، تريد الاستفادة من مغادرة اليسار – الذي كان آنذاك في الحكومة – لنافذة المعارضة لاحتلالها بهدف التناوب على السلطة في المستقبل. ولهذا حاولت من خلال الجامعة أن تؤكد حقوقها السياسية.
كان رد فعل السلطات عضليا إلى حد ما. ومع ذلك، ظل أقل من رد الفعل المعتاد، إذ اتخذ تدخل الشرطة في الحرم الجامعي مظهر العقاب وليس المواجهة، وكانت الأحكام الصادرة في المحاكمات اللاحقة معتدلة نسبياً.
كما رأت الجماعة في احتلال الشوارع أثناء المظاهرات العامة طريقة أخرى للظهور أمام الناس. وهكذا أظهر الإسلاميون مرات عديدة وزنهم في الرأي العام وأبانوا عن حس تنظيمي كبير. ولطالما فضلوا الاتزان، على الرغم من بعض “الأخطاء” اللفظية وغموض اللغة المستخدمة، ما أوحى بوجود قرابة فكرية بينهم والسلفيين الذين يتحركون على المستوى العالمي، ولا سيما الجهاديين.
منذ عام 1999، حاولت العدل والإحسان تأكيد حقوقها السياسية من خلال خلق دوائر سياسية كانت نشطة للغاية خلال انتخابات 2003 التي شارك فيها بعض المرشحين/الأتباع تحت يافطة حزب العدالة والتنمية أو غيره من الأحزاب السياسية، ولو كانت من اليسار. الهدف كان هو التأثير على الانتخابات، حتى بدون المشاركة كحزب. كلما انتخب مرشح يتبجح بالتقوى كحجة انتخابية، يصبح مؤهلا لانتخابه لعضوية العدل والإحسان.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube