إبتسامة من خلف الكمامة (57):

مصطفى الزِّيــن

أول مرة رأيت فيها (رضوان بن عبد السلام) كانت قبل ثلاث سنوات تقريبا ، في ڤيديو أو فديوهين اثنين ؛شابا ملتحيا ، بلهجته المميزة من الشمال الغربي المغربي ،طلْقَ الأسارير ، ظريفا خفيف الظل، يقدم صورة عن الشاب المتدين السمح المتفتح..الذي ينتزع الابتسامات العريضة؛ بدا لي الرجل الشاب أقرب إلى الفكاهي الساخر منه إلى الفقيه ٠ومن خلال اسمه وملامحه ، عرفت أنه ابن “سلام الغزاوي” أخ جيراننا في طفولتي المبكرة، ومعارفنا إلى اليوم، أهل سي امحمد الغزاوي (زرغيل) الكرام الأفاضل ، بباب تازة -ضاحية شفشاون. ومن خلال ملكة الشاب في التواصل والإقناع الساخر ، غدا ظاهرة في مواقع التواصل الاجتماعي (كالأنستراغرام و فالفيسبوك).. لكنه سرعان ما لبس جبة الفقيه المفتي، الداعية الواعظ المصلح..
لم يعد وجه هذا “الداعية ” الذي لبس جبة أكبر منه بكثير ، يطالعني ، ولا كنت أحب أن يطالعني ، حتى تنبهت إليه أمس ، من خلال الحلقة الأخيرة من السلسلة الساخرة المباشرة “بيكنباور..” التي يقدمها الأستاذ سعيد أبرنوص ؛ الحلقة التي وجه فيها إلى بن عبد السلام “رسالة ثقيلة “و تحليلا ونقدا صارما ، ودعوة إلى الاعتذار عن جوابه عن سؤال كان قدمه إليه أحد مريديه أو متابعيه..في سياق ما يسميه (فقرة الأسئلة ) -لا أفهم لِمَ جعل على أعلاها تعبير : “زعما زعما ” ؟، وهذا نص سؤال السائل، ( بعد أن وضعت عليه علامات الترقيم التى خلا منها تماما ):
“السلام عليكم . ما رأيك في أب لا يريد إدخال أولاده إلى المدرسة
الابتدائية ، ويريد أن يدخلهم دار القرآن. هل يحق له ذلك؟”

فجاء جواب الفقيه المستفتَى ، وكأنه الفقيه “الأصولي” العلامة الشهير : العز بن عبد السلام”*! ههههه؛جاء جوابا قاطعا صادما لكل متلقٍّ (مغلوق) بتعبيره، من أمثالي وأمثالكم ،أصدقائى الكرام؛ جاء بهذه الصورة ، ( دون تصحيح أو تعديل ،لتتذوقوا بلاغة النابغة المفتوح ) :
” نعم يحــق له ذلك و زيـادة أنا متفق معه 100%
المدرسة كانت قديـما للتربية والتعلـيم أما الآن
أصبحت منبعا للفساد والجهل ويمكنك الوقـوف
أمام باب المدارس والثانويات وستظن أنك واقف
أمام باب دار الدعارة، أغلبية البنات خارجين بلباس
فاضح وحركات البغي مائلات ممـيلات ،والشباب
كـذلك تصرفـاتهم ديـال الشمــكارا ما تقولشـي
خارجــين من المدرسة قــلت (أغلبية ) باش ما
يجيش شي مغلوق يتفلسف علينا “

ورغم كارثية هذا الرأي ، وركاكة صيغة هذا الجواب الواضحة ،وتهافت التعبير الذي يعكس تهافت تفكير صاحبه وتهافت منطقه ، وعجزه عن استعمال العربية المعربة ، وعلامات الترقيم ، والإنتهاء إلى التدريج القاصر بدوره عن التعبير وعن الدقة(مثلما يتفاوت الناس في بلاغة استخدام العربية المعربة ، فإنهم يتفاوتون في كفاءة استخدام العاميات) ؛ أقول : رغم ذلك، أجد نفسي مدفوعا لمحاولة تحليل هذا الخطاب البئيس، وهذه العقلية والنفسية التي تجهل جهلها، ولا تدرك محدودية إمكانياتها في إبداء النصح وبناء الرأي.
أولا :في اللغة والصياغة، أو في شكل الدعوى/ الفتوى:
——————————————-
1- لم يتحفظ صاحبنا على سؤال السائل ، ولا على صيغته ، ولم يفهم أن المقصود أن هذا الأب المزعوم ( ربما يكون هو صاحب السؤال نفسه !) لا يريد إلحاق أي من أبنائه بالمدرسة ،متى بلغ الواحد منهم سن التمدرس، لا يريد ، أو لا يحب ذلك، إن نيةً أو عملا، وإنما يريد ،بدل ذلك إلحاقهم بإحدى (دور القرآن)؛ لم يتحفظ صاحبنا ، ولم يتمهل أو يستشكل أو يتحرج أبدا ، وإنما اندفع إلى الجواب القاطع الجازم ،[المتفق تماما100%]- دون أن يرد حتى السلام على سائله – ب”حقه” المطلق ،أي “حق” الأب ، في ذلك..
2-بل أعطاه أكثر من هذا الحق ؛ أعطاه الحق و(زيادة) ؟ ولست أدري ما معنى هذه الزيادة؟ فربما تعني أن من حق الأب ألا يدخل ولده لا إلى المدرسة ولا إلى الكتاب/المسيد، ولا إلى دار القرآن..فله حق التصرف في ملكيته ،في ولده عبده..مثلا. وإلا، فليقل لنا حضرة المفتي ما تعنيه الزيادة هنا، بعد مطلق الحق..الذي تكرم به على هذ الأب وكل أب.
3_أين هو حق ، أو أين هي- أيها “الإمام”، يا ابن عبد السلام – أين هي حقوق الطفل؟ وفي مقدمتها الحق في التعلم،أي في التمدرس؟ ولكن من يفتي ضد المدرسة ،ويدينها -ولا أن ينتقدها فقط- لا شك أنه ضد منظومة حقوق الإنسان ، ليس فقط العالمية ، وإنما حتى في صيغتها التي قدمتها المنظمات الإسلامية، التي أقرت هذا الحق دون تحفظ، في أمة لها تاريخ من الحضارة العربية الإسلامية ،في الرياضيات والفلك والهندسة والطب والصيدلة والفزياء والكمياء ..، وفي السبق إلى العلم التجريبي ، وفي الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع ..،وفي علوم اللغة وفقهها، وفي شتى العلوم والمعارف..
4- لم يغيب حضرة “العلامة الجهبذ”فقط حق الطفل ،أو حقوقه ، لصالح [حق الأب وزيادة] ؛ وإنما غيب الأم وحقها في تربية الأبناء ،وتقرير مصالحم ؛ فالأب ،فقط هو من يقرر ويختار- لأولاده منها أو منهن، وليس أولادهما هما معا زوجين في أسرة – بين المدرسة ودار القرآن؛ الأم ،لدى هذه العقلية مجرد قاصر ناقصة عقلا ودينا، لا رأي لها ،بل لا رأي حتى للرجل دون فتوى الشيخ الإمام العلامة الفهامة!،كما غيب صاحبنا حق المجتمع والدولة في بناء ومراقبة النشء و الرأسمال البشري الذي هو عماد كل تنمية وكل تدافع حضاري..
ثانيا: في في تعليل وتفسير هذ [الحق وزيادة]:
————————————-
ولنأت الآن إلى تعليل “الإمام” بن عبد السلام، لهذ [الحق وزيادة،] ولهذه الفتوى الخطيرة، لنقف عند كارثية هذه العقلية التدميرية الرجعية:
1- في رأي “الفقيه العلامة” أن المدرسة “كانت قديما” للتربية والتعليم، ولم تعد كذلك اليوم،أو منذ مدة أو زمن..! وماذا تحدد،أو تعين هذه ال “قديماً” ؟ لست أدري! هل على عهد الغزالي وابن تيمية؟أو في بداية النهضة العربية، أو المغربية الحديثة ؟ أم ، “قديما”تعني ، فقط ، منذ أن غادرها سي الفقيه منقطعا ، بما بسبب الهدر المدرسي ، أو لأن أباه رأى أن يلحقه بورشة نجارة،لما رأى المدرسة لم تعد كما كانت قديما على عهده( غي تخرج هو الأخير وفسدت ،سبحان الله! ههههه ) ثم رأى بن عبد السلام النجار أن يصنع الفلك،كسيدنا نوح ،لينقدنا من الطوفان الحضاري الذي نتج عن فساد المدرس ؛ فُلكا رمزية معنوية، فقهية ذات ألواح ودسر من “الوعظ والإرشاد” ..!
2- ليس الأمر فقط، عند علامة زمانه ، كون المدرسة لم تعد ، كما كانت قديما، على أيام تلمذته ؛ وإنما- ويا للكارثة !-” الآن، أصبحت منبعا للفساد والجهل..” !كل المدارس والثانويات، عموميةً وخصوصية..أصبحت منبعا للفساد والجهل الأخلاقي ،أي “للجاهلية” القطبوية ،ربما..هكذا، المدرسة أصبحت لهذين الأمرين..وكل الجهادات والتضحيات التي يقدمها الآباء والأمهات والأسر والمجتمع من أجل تمدرس وتعليم وتربية أبنائهم ،إنما هي خطأ منهم ،ورهان خاسر؛ لأنهم يدفعون بأبنائهم إلى أكبر منع للجهل والفساد !!!
3- وتعال أيها المستفتي المستنصح لتقف -مع الإمام الهمام- بعينيك على هذا الفساد والجهل: فيمكنك الوقوف أما باب المدارس- ربما يقصد عند أبواب المدارس، أو عند باب أية مدرسة أو ثانوية، أو عند أبواب أغلبية المدارس والثانويات؟- وستظن أنك واقف أمام أبواب دار الدعارة..أغلبية البنات خارجين بلباس فاضح ،وحركات البغي..ما ئلات مميلات..أما الشباب تصرفاتهم كذلك ديال الشمكارا..”
هكذا بهذه الصياغة القبيحة المخجلة : لا يرى صاحبنا، ولا يجعلك ترى ، أبواب المدارس والثانويات إلا كما لو كانت أبواب دور الدعارة أي المواخير والبورديلات- حاشاكم-، وربما في العصر الجاهلي حيث كانت البغايا يعلقن الرايات على أبوابهن ،ويجلسن شبه عرايا ،ويكحبن …أما مباغي اليوم فأبوابها عادية مضللة ،كخطابك ،أيها الإمام،بل إن البغايا، اليوم ،يصطنعن الحجاب،كما يصطنع المفسدون اللحي، والمياسم على جباههم..
4- وقد نسيت، يا ابن عبد السلام ، أنك عممت ،قبل أن تتحفظ ضد “شي مغلوق” ، عند ما أدخلت في حكمك المدارس، ومنها الإبتدائية التي جاء نص السؤال عنها تحديدا ..أحتى تلميذات وتلاميذ الإبتدائي، الطفلات والأطفال ، دون الثانية عشرة في معظمهم، يظهرن كالبغايا المومسات متمايلات، ويظهرون كالشمكارا ، بتصرفاتهم ؟ ألا تتقي الله،أيها الأفاك المتزيد، في أولاد وبنات الناس وأعراضهم ؟
واعلم أن الخارجات والخارجين ،الداخلات والداخلين إلى الإعداديات والثانويات التأهيلية-باستثناء السادة الأساتذة المدرسين والإدارين ..وباستثناء الموظفين والأعوان وحراس الأمن- جلهم قاصرون دون الثامنة عشر ،وجلهم يدخلون ويخرجون، ويصلون إلى بيوتهم لابسين وزراتهم ، وأن جل الثانويات تلزم تلاميذها ببنود قانون داخلي صارم..وأن التربية مسؤولية مشتركة بين الأسر والمدارس والمجتمع والدولة بمؤسساتها ، بما فيها مؤسسات الإعلام والثقافة.. وإذا كان هناك من تفريط في التربية، فإنه يعود ، بالدرجة الأولى، إلى الآباء والأسر ، قبل المدارس التي ضُيِّقت عليها ، فعلا، دائرة التربية وهوامشها، في سياق منظومة لا تؤمن إلا بكم التعليم،وزمن التعلمات..
5- نعم، تعاني المدرسة، اليوم ، من كثير من الآفات ،منها انحسار وظيفتها التربوية، وسحب سلطة التربية الرمزية والمادية من المدرسين والإدارة، وتعاني أبواب المدارس والثانويات من تربص المفسدين من تجار المخدرات والسموم، ومن المتحرشين كبار السن، ومنهم الملتحون المنافقون المدلسون..وتوجد، بالفعل، تلميذات منفلتات، وتلاميذ ذكور منفلتون ،أو منحرفون، لأسباب اجتماعية أو غيرها ،ولكنهم قلة قليلة جدا، بالقياس لأبناء الناس..
وشخصيا ، درَّست واشتغلت أستاذا مدرسا بالثانوي التأهيلي ،مدة ست وثلاثين عاما، سواء بالقرية أو بالمدينة ،فما رأيت هذا الذي ترى، وتحب أن نرى معك، مما هو في نفسك تجاه المدرسة، وليس مما هو في واقع مدارسنا وثانوياتنا وبناتنا أبنائنا التلاميذ ،الذين منهم كثيرون من يقبلون ،بهمة وعزيمة ،على معاهد المهندسين ،وعلى كليات الطب، وعلى مختلف الكليات والمدارس العليا، أو الذين يتطلعون إليها هم وأسرهم، يضحون بالغالي والنفيس..
6- نعم، تحتاج المدرسة ، ومنظومتنا التعليمية، إلى نقد صريح ، لين وعنيف، مما يقوم به المختصون وفي مقدمتهم المفكرون التربيون ،من فلاسفة التربية والاجتماع ، كما كان أمر محمد عابد الجابري، أو عبد الله العروي،أو مصطفى محسن..، ومما يقوم به كثير من الأساتذة مدرسين ومفتشين مؤطرين ، من أجل إصلاحها وتقويمها وتقويتها وإنجاحها..ولكن كيف يفهم التربية والإصلاح والنقد مثلك ممن يعادون الفلسفة ، وربما يعادون المدرسة ؛لأنها تدرِّس الفلسفة، ويرفعون شعار” بلا فلسفة ” و ما يجيش شي مغلوق” يتفلسف علينا “،ولا شك أنك تجهل أن أصول الدين وأصول الفقه ،وتثبيت العقيدة ،احتاج ويحتاج دوما إلى فلسفة، كما يحتاج الدين ، تحتاج التربية إلى فلفسة ،وتحتاج العلوم المختلفة إلى فلسفة ،أي إلى فلسفة المعرفة (الإپسمولوجيا) لكنك في كل هذا ( أزرق مغلوق)،وإن كنت تحفظ- ما شاء الله – الأربعين النووية، وشرح الأربعين النووية، وبها تستطيع أن تجهِّل كل علماء الذرة والطاقة النووية الذين ألحقهم آباؤهم مخطئين بالمدرسة بدل المدارس الدينية..
على سبيل الختم:
————–
أو تدري، بعد هذا، وبعد كل اللوم والتقريع الذي وجه إليك، حتى ممن كانوا يثقون فيك، حجم الزلل الذي زللت، والجرم الذي أجرمت.؟ أو تدري أنك تحرض على مقاطعة أهم مؤسسة من مؤسسات المجتمع والدولة، التي ما هي إلا المدرسة؟ أهم مؤسسات التحديث والتنمية والتدافع الحضاري؟ وتريد أن تجعل دار القرآن بديلا عنها، وليس مجرد مؤسسة أو معهد موازي لها،رافدأخلاقي، أو تربوي مكمل مساند..
لا اعتراض على دور القرآن، ولا على المدارس الدينية ،أو التعليم العتيق..أو ما شابه ذلك، مرحبا به، ولكن مع المدرسة ،وبعدها،أو قبلها.. لأن دعوة القرآن والإسلام “اقرأ باسم ربك ” إنما هي دعوة إلى قراءة ظواهر ملكه وآيات ملكوته ،لا تتم إلا بمختلف العلوم ، والتي لا سبيل إلى بداية تحصيلها، وبناء أسس تحصيلها،إلا بالمدرسة والثانويات والجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحوث ومجتمع المعرفة ..
ألا تدري أنك تدعو إلى العودة إلى ما هو أظلم وأظل من عصور الانحطاط؟ وأنك تجاوزت أولائك الذين كانوا يسحبون بناتهم من المدرسة بعدما كن يحرزن الشهادة الإبتدائية ،خوفا عليهن،أو على أعراضهم هم ..ثم ندموا على ما اقترفوا.. ؛ لأنك تدعو إلى عدم إلحاق البنين والبنات بالمدرسة أصلا، وتفتري،أيها الظالم الجاهل على اليافعات واليافعين، وتتهم أغلبية الأسر والمجتمع بالعهر والدعارة، على غير رشد أو بينة، وإنما فقط لأنك لبست جبة أكبر منك ، واعتقدت أنها واللحية تصنعان منك عالما مفتيا ناصحا.فهلا انتصحت!
وبعد؛ والله ، إنك لا تستحق هذا النقد ، وهذا النقاش ،فأنت أزرق مغلوق تماما ،لا تعرف حتى مزية الاعتذار، وسحب خطيئتك ، وتطرفك الأعمى الذي لا تنفع معه ابتسامتك الثعلبية الماكرة ، وإنما كتبتُ ما كتبت للذين كانوا يتبعونك ،ويستفتونك، والحمد لله ، فإني رأيت حجم ومدى ما تلقيت منهم ومن غيرهم من تقريع وسخرية .. أيها المسخرة.. زعما زعما..
صفرو- الخميس 11 نونبر 2021

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube