عبد المولى المروري

1/ في موضوع العودة:

شخصيا لم تفاجئني عودة ابن كيران إلى قيادة حزب العدالة والتنمية وتصدر المشهد السياسي من جديد، فذلك أمر طبيعي ومتوقع بالنظر إلى العديد من الأسباب، أذكر منها :

أ / الأزمة السياسية المفتعلة التي أدخلوه فيها بخبث كبير، والطريقة التي تم إعفاءه بها، التي جعلت منها بطلا سياسيا وزعيما وطنيا، هذا فضلا عن الإنجازات والمعارك السياسية التي خاضها بجرأة وشجاعة وخرج منها منتصرا، كل ذلك جعله موضوع تعاطف شعبي كبير، ووسع قاعدة أنصاره داخل الحزب الذين اتسموا بالقوة والشراسة أحيانا.. وأظهروا استماتة استثنائية من أجل عودته إلى قيادة الحزب.

ب / الاخفاقات السياسية التي راكمتها قيادة الحزب خلال تدبيرها مرحلة ما قبل 8 شتنبر، والضعف الفظيع الذي أظهرته خلال كل معاركها، كان أكبرها المصادقة على قانون الإطار وقانون القنب الهندي، وكان أخطرها توريط الأمين العام (بهذه الصفة حقيقة) في توقيع اتفاقية التطبيع البئيسة مع الكيان الصهيوني/اليهودي.. والأمر الذي أدى إلى تراجع شعبية الحزب وتوج بنكسة 8 شتنبر.

ج / ارتفاع قيمة ابن كيران في بورصة الحزب بخرجاته الإعلامية المنتقدة بحدة للحزب وأمينه العام آنذاك، أو تخفيفا عليه في لحظة ضعفه كما هو الشأن في موضوع التطبيع.. إضافة إلى توالي الأزمات التنظيمية والاحتجاجات الداخلية والانسحابات المتوالية… كل ذلك صب في مصلحة ابن كيران، مؤيدا بشريحة مهمة من أتباعه الذين كانوا يواجهون منتقديه بشراسة وعنف أحيانا.. والذين قدموه على أساس أنه هو المنقذ للحزب من هذا الضعف، والمرشح الوحيد للعودة به إلى سابق أمجاده.. الأمر الذي قلص مساحة منتقديه وتوارى بعضهم إلى الخلف، خوفا أو يأسا أو شعورا بالإحباط…

وإن انتكاسة 8 شتنبر بالنسبة لتيار العثماني هي نفسها انتكاسة 30 أكتوبر، الأسباب نفسها والنتائج ذاتها، وبالتالي لا غرابة في عودة ابن كيران بقوة على أنقاض ضعف الأمانة المستقيلة وهزائم الحزب الأخيرة.. خاصة وأن الحزب أبان عن عقم كبير في إنجاب قيادات جديدة، هذا فضلا عن اغتيال أي مشروع قيادات بديلة تحمل مشروعا مجتمعيا وسياسيا جديدا.. وفي أحسن الأحوال التضييق عليها ومنعها من الظهور في محطات نضالية أو تأطيرية..

وبكل صدق وتجرد ومسؤولية، مسألة عودة ابن كيران إلى قيادة الحزب لا تشكل لدي أي مشكلة، وليست موضوع اعتراض أو رفض عندي، ومن الناحية المبدئية لا أعتبر الشخص في ذاته هو القضية، بل إن القضية بالنسبة إلي هو ما يحمله هذا الشخص من مشروع إصلاحي أو تغييري على وجه الدقة، ما يحمله من عرض اجتماعي يجيب على مختلف الأسئلة الحارقة التي تقض مضجع المغاربة جميعا، والطبقة الوسطى تحديدا، وعرض سياسي شجاع يجيب على أسئلة العلاقة بين القصر والحكومة، وكيفية تدبير التوازنات السياسية، وسبل التعاطي مع المسألة الحقوقية وما يعرفه المغرب من تراجعات خطيرة في السنوات الأخيرة، ومسألة الحريات ودور وزارة الداخلية في ضبط الحقل الأمني والحقوقي…

هذا ما يهمني في الشخص القائد، وليس خطاباته وتدخلاته وشخصيته، وغير ذلك من الأمور ذات الطابع الشخصاني التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا في عملية الإصلاح والتغيير الذي ينشده وينتظره الشعب المغربي..

2 / في دعوة ابن كيران:

لا يجب أن تكون عودة ابن كيران شيكا على بياض يقدمه له المؤتمر الاستثنائي، لقد عاد ابن كيران في ظل أزمة سياسية وتنظيمية خانقة يمر بها الحزب والمغرب، وعودته تلك جاءت لوضع حد لهذه الأزمة والمساهمة في إيجاد حلول لها، وحسبي أنه يدرك ذلك بما يكفي.. لذلك فهناك أوراش عظمى تنتظره، بعضها تهم الحزب، وبعضها تهم المغرب..

أ / فأما التي تهم الحزب فيمكن إجمالها فيما يلي:

— الورش التنظيمي: فلقد عرف الحزب في الآونة الأخيرة ترهلا تنظيميا كبيرا، ظهر ذلك جليا في عدد المشاكل الداخلية، وضعف المؤسسات المجاليات، وظهور داء عدم احترام تراتبيتها القانونية والتنظيمية، والعديد من الانسحابات إلى أحزاب أخرى على أساس المسؤوليات أو التزكيات.. وتفشي وباء الكولسة والتقاطبات المقيتة، والمحسوبية التنظيمية وغير ذلك من الآفات الخطيرة التي كادت أن تحول الحزب إلى نسخة قريبة من باقي الأحزاب الأخرى، لولا نواته الصلبة والعديد من أعضاءه الملتزمين الأوفياء على المنهج والخط النضالي التأسيسي.

وبالتالي الورش التنظيمي من أهم الأوراش التي يجب أن يعكف عليها الحزب ويولي لها ابن كيران اهتماما موضوعيا ونزيها تكون فيه الأولوية للكفاءات التنظيمية المشهود لها بالنضالية والإخلاص للحزب، وتمرس تنظيمي جيد قادر على تنظيم الحزب ووضعه على قواعد القانون والشفافية والحكامة التنظيمية. وإني أعتبر أن من أهم الآفات التنظيمية التي عانى منها الحزب وما يزال يعاني منها هو اعتماد الولاءات على الكفاءات في المحطات الانتخابية أو الجموع العامة المجالية وإسناد المسؤوليات التنظيمية.. وربما ساهمت بشكل كبير في بعض الأزمات وعوامل الضعف الذي أصابت الحزب منذ سنة 2003 إلى اليوم… فبعض الأمراض التنظيمية كان يحملها معه منذ ذلك التاريخ إلا أنها لم تؤثر عليه خلال تلك السنوات لأن تلك الأمراض كانت في بدايتها وتزامنت مع قوة وعنفوان الحزب كان يتمتع بهما آنذاك، ولم تظهر وتستفحل إلا مؤخرا، وكانت إحدى الأسباب الخفية التي لم يفطن إليها الكثير من الأعضاء وقادة الحزب.

— ورش التأطير والتكوين: بالنسبة إلي، هذا الورش يجب أن يكون أهم ورش يجب الاهتمام به، وأخطر ورش كان غائبا أو مغيبا.. وللأسف الشديد ابن كيران من القادة الذين يغيبون هذا الورش العظيم ويتهربون من ويتهيبون تفعيله واعتماده ضمن اهتمامات وأولويات الحزب الكبرى، فلا أجد سببا مقنعا يجعل الحزبُ من هذا الورش في أدنى سلم اهتماماته وأولوياته، فلا يوجد حزب أو كيان كيفما كان نوعه ومجال عمله إلا بوجود بهذا الورش، ولا قوة له إلا به، ولا استمرار له إلا باستعماله، فهو بمثابة الهواء والماء والغذاء للجسد، ولا يحي ولا يقوم ولا يستمر إلا بهذه العناصر، فكذلك التنظيمات والكيانات التي تجتمع على فكرة ومشروع.. لابد أن يكون مادة تكوينية وتأطيرية دائمة ومستمرة ومتطورة ومتجددة تراعي المستجدات والتطورات، وتقدم كأطباق علمية وفكرية وثقافية ترفع من نضج الأعضاء ومن منسوب وعيهم ومستوى تفكيرهم، ليكونوا مشاريع قادة ومفكرين ومثقفين وعلماء … فعلى الحزب أن يكون مدرسة فكرية وتربوية وسياسية قائمة على برنامج متكامل ومتميز، واضح الأهداف، يسير في إنزاله وتفعيله، ملزم لأعضاء الحزب، مؤثر ومحدد في عمليات الترشيح والاختيار بناء على مستوى احترامه والالتزام به، يخرج قادة المستقبل وأطره، لهم قدرة على تحليل وتشخيص الواقع وإبداع حلول لمشاكله وأزماته… هكذا أرى الحزب، وهكذا يجب أن يكون..

ولكن الواقع في الحزب على نقيض ذلك تماما، يعيش الحزب ومنذ مدة ليست بالقصيرة فراغا مهولا على هذا المستوى، لا تكوين، ولا تأطير ، بالمعنى العلمي والأكاديمي، والأخطر من ذلك أن العديد من أعضاء الأمانة العامة السابقة لا نجد لهم في الساحة الفكرية والثقافية لا اسهامات ولا محاضرات ولا ندوات ولا كتابات ولا مقالات ولا أنشطة تأطيرية ولا ثقافية ولا فكرية، وإني لأتساءل باستغراب، ما هو دورهم داخل الأمانة العامة، وما هي إضافتهم النوعية في الحقل الثقافي والفكري، علما أن الأمانة العامة هي مؤسسة لها دور سياسي أكثر منه تنظيمي، ودورها في الحقل السياسي هو سياسي صرف، مع ما يرافق العمل السياسي من عمل فكري وثقافي تأطيري يهم المواطنين بالرفع من وعيهم ونضجهم، ويهم باقي أعضاء الحزب من أجل تكوينهم وتأطيرهم لخوض المعارك النضالية والسياسية أمام الشعب وفي مواجهة الخصوم الإيديولجيبن والسياسيين..

وبناء عليه، فإني أدعو ابن كيران – من باب الغيرة على الحزب – أن يولي هذا الورش اهتمامه الكامل في المرحلة القادمة، ويبحث بكل جدية على من هم مؤهلين للقيام بهذه المهمة الاستراتيجية، ويتخلى عن منهجه القديم في تهميش وتغييب هذا الورش، فباعتماده سيقف الحزب ويتقوى ويستمر، وبدونه لن يزيد الحزب إلا ضعفا وتراجعا، ويصبح حزبا بدون أفكار، بدون حلول، بدون رؤية، ويختزل همه في تدبير المرحلة واللحظة القريبة دون النظر إلى المدى البعيد.

— في اختيار أعضاء الأمانة العامة: شخصيا أعتبر نفسي غير معني وغير مؤهل لتقييم ما اختاره ابن كيران لعضوية الأمانة العامة، فكل عضو من هؤلاء يعتبر نفسه مؤهلا لهذا المنصب، وقطعا هناك من يؤيد ذلك، وهناك من يعارضه، ولكن بالنسبة إلي مسألة تقييم الأعضاء عمل صغير جدا وضيق جدا لا أدخل فيه، ولن أدخل فيه، ولكن الذي يهمني هي الإضافات التي سيقدمونها للحزب والوطن، فالأمانة العامة ليست مجموعة كراسي ومناصب ومسؤوليات توزع، هي عملية إنتاج فكري وسياسي في قالب نضالي محض.. بمعنى أن العضو القيادي لابد أن تكون له مؤهلات فكرية وإسهامات ثقافية تصل إلى مستوى التنظير، وأطروحات يقدمها للرأي العام على شكل محاضرات وندوات ومقالات وكتابات.. يساهم من خلالها في تأطير الشعب والأعضاء، وينافح عن فكر الحزب ومواقفه واختياراته، خاصة تلك المؤطرة فكريا ودينيا ..

وعليه فإني أطرح الأسئلة التالية:

ما مدى قدرة البعض على كتابة مقالات ذات طابع فكري وسياسي؟

ما مدى قدرة البعض على تقديم محاضرات والمساهمة في ندوات علمية/سياسية؟

ما مدى قدرة البعض على تأطير مهرجانات والخطاب في الناس لمدة ليست بالقصيرة؟

ما مدى قدرة البعض على حضور مقابلات وسجالات لمناقشة قضايا فكرية وسياسية ودستورية معقدة؟

أتمنى أن تكون للسيد الأمين العام الأستاذ ابن كيران إجابات على هذه الأسئلة، كما أدعوه من منطلق الغيرة على الحزب ومصلحته أن يتأمل بإمعان شديد هذه الدعوة المتواضعة، مع متمنياتي له ولفريقه بالتوفيق والسداد. (يت

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube