أحمد رباص – حرة بريس

في مقدمة الكتاب الجماعي المعنون ب”الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية: من الاعتمادات المتبادلة إلى التفاعلات ..”؛ كتب فريديريك ساويكي أن الطريقة التي يتم بها التفكير بشكل عام في الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية في العلوم الاجتماعية، وكذلك علاقاتها، كاشفة بامتياز عن آثار الجهل الناجم عن تجاوزات تقسيم العمل العلمي.
يستشهد الباحث نفسه في هذا الصدد بستيفاني ديشيل وسيمون لوك اللذين، بحسبه، أكدا على أن “المتخصصين” في الحركات الاجتماعية والأحزاب، ولكن أيضا في العمل النقابي والحقل الجمعوي قد طوروا بمرور الوقت إشكالياتهم وأدوات تحليلهم مع تجشمهم أقل فأقل متاعب مواجهتها بشكل متبادل، تفاديا لمغبة الإفراط في الاستقلال بموضوع دراستهم.
وبينما فضل الأوائل – يتابع فريديريك ساويك – مسألة التعبئة (الموارد البشرية والمادية والمعرفية والرمزية)، والظروف المريحة وآثارها (لا سيما وفقا لـ “بنية الفرص السياسية” التي يتحركون داخلها)، يميل الآخرون إلى إعطاء الأولوية لمسألة إضفاء الطابع المؤسسي (البيروقراطية، المهننة، الكرتلة، إلخ.. )، مع إيلاء اهتمام خاص، من جانب المتخصصين في الأحزاب، لانتقاء القادة و”المطالب”، وبعبارة أخرى إلى الوساطة التي تقوم بها المنظمات السياسية.
في حين أن الحركات الاجتماعية في المغرب اليوم تسترعي انتباه كل المواطنين المغاربة الذين يعتبرون مطالبها معقولة ومشروعة تشجع عددا كبيرا منهم للمشاركة لأنها تتعلق بالحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية بالنسبة لحياة المحتجين؛ وهي مياه الشرب والرعاية الطبية والشغل وتعليم أطفالهم،إلخ..
من السهولة بمكان أن نلاحظ أن أحزابنا السياسية كلها تقريبا غائبة تماما عن دعم القلب النابض لهذه الحركة الاجتماعية التي انطلقت منذ المظاهرات والاحتجاجات التي نظمها شباب 20 فبراير في إطار ما عرف بالربيع العربي.
في جميع الأحوال، كانت هذه الحركات منظمة واستطاعت تنظيم نفسها بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية، وخاصة تلك التي يتركز خطابها على دعم المطالب والتطلعات المشروعة إلى الكرامة المعبر عنها من قبل المواطنين المنتمين للطبقات الوسطى والفقيرة.
لكن من جانب الحكومة المغربية، وفي مواجهة هذه الحركات غير المؤذية والمسالمة، نشهد للأسف إنكارا تاما ومطلقا لأي خصاص وأي إحباط، كما تبينا ذلك من كلام الوزيرة البيبساوية السابقة شرفات أفيلال الذي صدر عنها بعيد أحداث زاكورة التي اندلعت بمناسبة احتجاج جزء كبير من سكانها على ندرة ونقص مياه الشرب.
أما بالنسبة لجهاز الأمن والعدالة، فالمقاربة كانت دائما مصحوبة بتعذيب وسجن أكثر إيلاما مما كانا عليه في سنوات الجمر والرصاص. من الناحية السياسية، يتبين أن الأحزاب المغربية بدت لزعماء حراك الريف كأنها دكاكين بعيدة كل البعد عن دعم المتظاهرين والدفاع عنهم ضد عنف الدولة مهما كان شكله وطبيعته؛ الشيء الذي يشهد على مدى اتساع وفراغ الهوة التي تفصل الأحزاب السياسية المغربية عن مواطنينا الذين “غسلوا عليها أيديهم” بالفعل بسبب الإخفاقات المتراكمة والقرارات التي تم التعامل معها بشكل سيء! لم يعودوا يثقون في “المرتزقة” الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الشخصية التي يخفونها تحت قناع السياسيين الذين يتظاهرون بأنهم مناضلون من أجل مصلحة الجميع.

لكن، يجب استثناء فصائل اليسار المغربي من وصفها بأنها دكاكين سياسية، لأنها دعمت وساندت دائما الحراكات أينما نشات وظهرت. كمالا يفوتني في مقام الختم التنويه بهذا الموقف الإيجابي والمساند للحركات الاجتماعية في المغرب. غير أن الانتخابات الاخيرة أبانت نتائجها عن حصاد هزيل للاشتراكي الموحد بحيث لم تسمح سوى لأمينته العامة بإحراز مقعد واحد ووحيد في البرلمان.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube