بقلم عمر بنشقرون مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء


لم تكاد الأزمة الألمانية الأمريكية أن ترخي بثقلها على العلاقات الدولية بسبب استيراد الغاز الروسي إلى أوروبا بفضل التدخل الألماني حتى ظهرت عاصفة جديدة وشديدة هذه المرة بين فرنسا والولايات المتحدة.
ففي الواقع، لم يستوعب نهائيا قصر الإليزيه قرار إلغاء شراء أستراليا للغواصات الفرنسية مقابل 56 مليار يورو، و لم يستسغ بعد قرار شراءها للغواصات الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية.
وعلى إثر هذا المصاب الجلل الذي وقع على فرنسا كصاعقة، ألغت ديبلوماسيتها حفل مراسم الصداقة التي كانت ستقام مساء الجمعة الماضي في السفارة الفرنسية بواشنطن.
هذا القرار السيادي الأسترالي نزل ك “دوش حمام بارد” جليدي آيسلندي على الصناعة البحرية الفرنسية.
و كما تطرقت للموضوع سالفا، ما يمكننا إلا أن نثمن العمل الذي يقوم به سلاح الفرسان الدبلوماسي الأمريكي الذي يتصرف بهدوء وبحكمة على عدة جبهات في الساحة الدولية و أن فريق بايدن قد كسر تمامًا أسلوب الرئيس السابق دونالد ترامب. فالمظهر الدبلوماسي لرئيس البيت الأبيض متحفظ إلى حد ما، و قراراته تكون هادفة وإجراءاته فعالة بعبارة العامية المغربية ” الدق والسكات” على طريقة العم سام.
و يمكننا، نحن المغاربة، أن نعتبر تصرف الولايات المتحدة الأمريكية ردًا على حيرة لازمتنا مؤخرا بسبب الصمت الأمريكي ووفاءه من عدمه في مواجهة الأحداث الأخيرة التي واجهت بلدنا الحبيب المغرب في إفريقيا.
اظن جازما، ومن رأيي الخاص، أن الدبلوماسية الدولية أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأجهزة المخابرات والاستخبارات. وهذا ما يرقى بنا إلى الاعتقاد بأن الاستراتيجية السياسية الخارجية يجب أن تُنفَّذ بلا هوادة بأقصى قدر من التقدير المطلق للسماح لها بتحقيق الأهداف التي تم وضعها لها. وصفقة عسكرية بهذا الحجم تطلبت بالتأكيد محادثات وترتيبات استمرت لأشهر و مناقشتها حتما كانت مع دولة ثالثة ذات نفوذ قوي على الحكومة الأسترالية. لذلك كان الدعم البريطاني حاسمًا بالتأكيد. وبما أن مثل هذا العقد لا يتحقق بدون نظير له مصالح استراتيجية كبيرة، فمن المحتمل جدًا أن يكون على الأمريكيين والبريطانيين أن يقدموا لبلد الكنغر صفقة عالمية تشتمل على مشاريع مغذية ذات أبعاد كوكبية. ربما كانت إفريقيا ورقة تفاوض جادة بين هذه البلدان الثلاثة.
من ناحية أخرى، علينا أن نصدق أن هذا الاختطاف الأمريكي يثبت أن باريس لم تعد تحتفظ بنفس العلاقات الاستراتيجية مع كتلة الولايات المتحدة الأمريكية – بريطانيا.
كانت هناك بالتأكيد بعض القضايا الحساسة للغاية حيث فشلت فرنسا في التصرف بطريقة تتناسب تمامًا مع مصالح هذين البلدين. حيث يبدو أن الموقف الفرنسي في ليبيا والساحل وربما حتى بين الجزائر والرباط أثار حفيظة القادة الأمريكيين والبريطانيين. خاصة إذا افترضنا أن الأنجلو سكسون يخططون بوضوح للاستثمار في إفريقيا من خلال التدخل المغربي.
و يبدو أن فرنسا، من خلال طمس أوراق التهدئة والأمن في منطقة شمال إفريقيا، قد أخرت بشكل متعارض مصالح هذه الكتلة الأنجلو سكسونية في إفريقيا. لذلك يمكننا أن نصدق أن هذه الصفعة الأنجلو أمريكية لفرنسا ربما تعني أن الكتلة الأنجلو سكسونية الجديدة قررت المضي بها بمفردها. و مراعاة للشراكة الاستراتيجية بين إنجلترا والولايات المتحدة بموجب معاهدة العلاقات الخاصة AUKUS الشهيرة الموقعة في عام 1946 بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فإنه من المحتمل أن تحدو دول مثل كندا ونيوزيلندا حدو نظيراتها السالفة الذكر. و بدلاً من أن يأخذ الإليزيه في الحسبان في سياسته في إفريقيا، الطموح الجيوستراتيجي لكتلة السلطة هذه، يواصل الإليزيه الرغبة في فرض رؤيته الخاصة في مستعمراته الأفريقية السابقة. ومن هنا يتبين جليا صدق المقولة المعروفة ل جاك كارون في الاعتقاد بأنه بسبب رغبتنا في الفوز بكل شيء، غالبًا ما ينتهي بنا الأمر بفقدان كل شيء.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube