أحمد رباص – حرة بريس

خلال الموسم الدراسي 1971-1972، كان سعد الدين العثماني متواجدا في إنزكان، غير بعيدً عن أكادير في مغرب يئن من قبضة إضراب تلاميذي وطلابي لا نهاية له. هنا التقى بعبد الله باها الذي سيصبح الأنا الأخرى لعبد الإله بنكيران وبعد فترة طويلة على توليه منصب وزير الدولة في الحكومة التي يرأسها بنكيران نفسه.
مهووسا بفكرة تنظيم على شاكلة (الإخوان المسلمون) بمصر، كان الراحل باها، في نهاية كل أسبوع، يلتحق بمنزل أخيه سعد ليروي عطشه للمعرفة الدينية في مكتبة الأب الفقيه المعروف في المنطقة. لكن بعد سنوات، مال رأسه وقلبه نحو عبد الإله بنكيران، الذي وقع في حبه من النظرة الأولى في الرباط. ليصبح في أناه الآخر، دوليبرنه ومهدءه.
إذا تخطينا السنوات والأحداث، يظهر التقويم الغريغوري سنة النعمة 1992، الموافقة ل1412 في التقويم الهجري. بصرف النظر عن عبد السلام ياسين الذي شمر عن ساعده لتأسيس تنظيم إسلامي لا هو بالإخواني ولا هو بالصوفي عنوانه العدل والإحسان، بعيدا عن صخب هذا العالم الصغير ، فإن المثل الأعلى لتوحيد ما أسموه “جزر الإسلام” قد شق طريقه.
من هنا انبثقت فكرة اندماجهم في المجال السياسي والمشاركة في الانتخابات. إنه تقارب للروافد النشطة. طبيعي، والحالة هاته، أن يتكتل معظم الناجين من الشبيبة الإسلامية خلف عبد الله بنكيران ومحمد يتيم وعبد الله باها وعدد قليل من الآخرين داخل حركة الإصلاح والتجديد. وفي أماكن أخرى، لا تزال المصالحات تجري تحت إشراف متسامح من السلطات.
نيابة عن إخوانه الآخرين، بدأ بنكيران وباها مفاوضات مع عبد الكريم الخطيب، أحد الشخصيات البارزة في الحركة الوطنية على رأس قوقعة فارغة، الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية. إنهم يريدون استخدام حزبه النائم كنقطة انطلاق للمشاركة السياسية وبالتالي الانتخابية.
اعتقد بعض المتتبعين اعتقادا راسخا أن الخطيب كان مهتما بالاقتراح بقدر اهتمامهم به. كان يعمل، لحساب السلطة، من أجل تطبيع حركة إسلامية تميل أكثر فأكثر إلى أن تصبح مستقلة، بعدما اخترقها الإغراء الانقلابي والثوري.
لكن سرعان ما بدأت الخرقة تحترق بين عبد الإله بنكيران وعبد الكريم الخطيب، الذي كان، لأسباب لم يفهمها الأول، يريد منع الإسلاميين من المشاركة في الانتخابات التشريعية لعام 1993.
وكان من الطبيعي أن يصبح سعد الدين العثماني، الأكثر تصالحية وتكتيكية، تحت وصاية الخطيب، رئيس الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية. وهذا ما أهله لكسب ميزة وضعته في موقع مريح لقيادة حزب العدالة والتنمية المستقبلي.
مرت ثلاث سنوات بالتمام والكمال ليقع، في عام 1996، حدث توحيد آخر بين الإصلاح والتجديد ممثلاً في بنكيران والعثماني ورابطة المستقبل الإسلامي، فصيل آخر من الحركة الإسلامية ممثلاً بمصطفى الرميد، أحمد الريسوني، لحسن الداودي، وفريد ​​الأنصاري. وهكذا نشأت حركة التوحيد والإصلاح، وهي في نفس الوقت مرجع عقائدي ودراع دعوية لحزب العدالة والتنمية المستقبلي وحارس معبد بوتقة الإسلاميين المغاربة.
الطبيعة العدوانية لبنكيران وحماسته وانفجاراته أزعجت على الفور تجمع أهالي الرابطة، ناهيك عن عدم الثقة الذي تثيره شخصيته واندفاعه في وجه الخطيب. الأمر الذي سيعزز، دون تردد، أصول سعد الدين العثماني لتولي رئاسة حزب العدالة والتنمية في عام 2004 عندما رحل الأب الخطيب، الذي أنجز مهمته، وحظي بشرف الرئاسة الفخرية للحزب الجديد.
في هذه الصهارة التي مهدت للانفجار الإسلامي العظيم، كان سعد الدين العثماني في قلب الحمم الزاحفة. متحفظ في المظهر، دون قسوة أو فصاحة ملحوظة، يشارك في جميع زوايا الحركة، لدرجة أن المرء يراهن على أن طمسه هو مقلب لخداع العدو، لمفاجأته.
رجل مشاء، يعرف كيف يقطع المسافات الطويلة. عداء ماراثون قاهر للحواجز. يرى كل مرحلة من مراحل حياته، على أنها لا تعدو أن تكون محطة توقف في طريقه إلى الهدف النهائي.
سنة 1981 كان مسؤولا عن صياغة الميثاق السياسي للجماعة الإسلامية مع محمد يتيم. كان الأمر متروكًا له مرة أخرى في موسم 1989-1990 للزيادة في وتيرة الإيقاع ورفع مبدإ المشاركة السياسية الذي دافع عنه عبد الإله بنكيران فوق المنصة.
إنه مرة أخرى سعد الدين العثماني الذي امتلك، في سلسلة من المحاضرات المجموعة في كتاب، ما يكفي من الذكاء للبحث عن مفهوم المشاركة والموازنة بين المصالح والمفاسد، بلغة تقي الدين أحمد بن تيمية.
من ذلك، يخلص إلى استنتاج حاسم مؤداه ما يلي: العمل السياسي فضاء للإدارة وأهداف ينبغي تحقيقها وليس فضاءً للعبادة.
من الواضح أن هذا الاجتهاد في المجال الإسلامي شكل من الناحية العملية ابتكارا، سيما وأن ابن تيمية ظهر في أعين منتقديه من أشد علماء الدين صرامة وأكثرهم عداء للتجديد؛ الشيء الذي يعد ضلالة بحسب الحديث المشهور الذي يتلى في جميع المساجد قبل خطبة الجمعة.
سمح تفسير تعاليم ابن تيمية دون ربطها بسياقها لأشد تلاميذه ضيق أفق، ولاسوئهم حظا وأكثرهم عددا ولا سيما في التجمعات الحنبلية، بتحنيط الإسلام وتجميده في القرن السابع للهجرة.
من هذه الزاوية، سواء كانت مسألة وضع سياسي أو مجتمعي مثل قضية المساواة بين الجنسين أو الإجهاض أو حتى استخدام الحشيش للأغراض الطبية، يبدو سعد الدين العثماني براغماتيا، بله تقدميا إذا طرحنا جانبا تعنت وتحفظ معسكره.
سياسته هي العمل على التقارب وإتاحة الوقت لتنضج الاختلافات. لكن إذا كان يتصور التعاون مع أولئك الذين يختلفون معه عقديا – جزئيا أو كليا، إذا كان يعمل على تحديث العقل الإسلامي، إذا كان يعمل من أجل تجديد الدين، فإنه مع ذلك يسعى بحزم إلى تحقيق هدفه. “تطهير” المجتمع. وهذا هو السبب في أنه لا ينبغي أن يكون مفاجئًا عندما يقلل في ملتقى وكالة المغرب العربي للانباء من تأثير هزيمة محتملة عليه في الانتخابات التشريعية في 8 سبتمبر.
لا شك أنه يؤدي جيدا دوره كزعيم لحزب العدالة والتنمية. لكن هذه الزعامة بالنسبة له ليست سوى مرحلة على الدرب المؤدي إلى التطبيق، وإن كان جزئيا، لنظريته حول “السياسة الشرعية”.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube