أحمد رباص – حرة بريس

في ملتقى وكالة المغرب العربي للأنباء المنعقد يوم 3 غشت، تلاشت النغمة ومعهاالإيقاع. كالعادة، اتسم خطاب رئيس الحكومة، بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بالرتابة. فقط عدد قليل من الاهتزازات التي حدثت من وقت لآخر أو القليل من نوبات الضحك التي وحده يدرك كيف تفصل بين أقواله كما لو كانت علامات ترقيم. وما دمنا في حضرة طبيب نفسي، يكون لدينا دائما انطباع بأننا في جلسة علاج نفسي فاشلة. هو من القوة بحيث أن المرء يتساءل عما إذا كان سعد الدين العثماني في مكانه (المزدوج)؟
لقد خاطب هو نفسه ذات مرة الشبيبة الإسلاميية: “لم أفكر مطلقا في أنني سأكون رئيسا للحكومة في يوم من الأيام”، كما قال، مضيفا قبل تجاوزه للضحكة-النقطة-الفاصلة: “إذا كنت قد أصبحت كذلك، فسيكون بإمكان الجميع أن يصبح كذلك.” بالنسبة له، وهو يتحلى بتواضع المسلم الصالح وبنكران الذات عند الأشخاص الأذكياء، كان ذلك وسيلة لبث الأمل وإتاحة فرص الحلم لهؤلاء الإسلاميين الشباب المتطلعين إلى شغل مناصب حكومية وسامية.
لكن الرجل، المتمرن على التحمل، لا يعبأ بالسخرية ويقاوم تبدل الأحوال الجوية.
عُيّن عام 2012 وزيراً للخارجية في حكومة بنكيران الأولى، وهو خطأ فاضح، حيت تم إعفاؤه بعد أقل من عامين. ترك منصبه في صمت وهدوء ولف نفسه في صمت طويل وجليل. وهذا سمح له، عندما حان دور عبد الإله بنكيران لنفض يده من تشكيل الحكومة عام 2017 ، ليحل محله دون أدنى تردد ودون أي حالة من تأبين الضمير.
في ملتقى وكالة المغرب العربي للأنباء، فضاء للنقاش أصبح لا مثيل له على مر السنين، حيث يجري استعراض قادة الحزب حاليا أمام مجموعة من الصحفيين، برهن الرجل المتدين سعد الدين العثماني على أنه في السياسة يمكن أن يكون لدينا الإيمان أيضا سئا.
وفي معرض جوابه على سؤال حول ترشيح عبد الإله بنكيران للانتخابات التشريعية في 8 سبتمبر أكد دون أن يرف له جفن على أن ذلك لا يمثل أدنى مشكل، بل على العكس تماما. قبل ثمانية أيام على تلفزيون ميدي سات، بدا مراوغا، مؤكداً أنه سيكون من الحكمة تقديم كفاءات شابة بدلاً من الشخصيات القديمة. يبدو أن بنكيران حظي الآن بتقدير كبير.. ما الذي تغير في هذه الأثناء؟ أصبح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية مقتنعا بأن سلفه، الذي كان دائما منافسا له، مصمم على عدم الخروج من تقاعده الذهبي للدخول إلى الساحة.
عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني. الأول يتحدر من فاس بينما خرج الثاني من أعماق سوس الذي تقاطع بسبب القدر والخيارات السياسية مع الرباط. شخصيتان يصعب تراكبهما حيث تشير الأولى إلى الماء تحت التنويم المغناطيسي بينما تشير الأخرى إلى النار واللهب. لا يتمتع سعد الدين العثماني بحيوية عبد الإله بنكيران ولا بالكاريزما الشعبوية التي يتمتع بها، ولم يكن يتمتع بلياقة بدنية جيدة، على الأقل قبل أن تغمر نعم السلطة وامتيازاتها محيط أخيه عبد الإله ويصاب بالسمنة .
ومع ذلك، إذا كان رئيس الحكومة الحالي في مكانه، فهذا بلا شك قليل من الحظ، وقليل من الظروف، ولكن بالتأكيد ليس بالصدفة.
مختلفان، نعم، لكنهما متكاملان في تنافسهما. الأول، غريزي، يركز على الشفوي بينما الآخر ، ميال للتفكير، يفضل الكلام المكتوب على المرتجل. في وقت مبكر جدا، تعاشر الرجلان داخل الشبيبة الإسلامية التي تأسست في نهاية الستينيات من القرن الماضي على يد عبد الكريم مطيع المثير للجدل.
تلك حركة لا يتزحزح معارضوها عن كونها أطلقت في عام 1975 الأيدي التي ستغتال بالسلاح الأبيض الزعيم الاشتراكي عمر بنجلون، وثبت لديهم لفترة طويلة الاتهام الشائن وأن هذا التنظيم تم إنشاؤه من قبل مصالح المخابرات المغربية لمحاربة حركات اليسار الملحد، الذي كان يعرف صعودا لا يقاوم في ذلك الوقت.
باختصار ، فإن اغتيال عمر بنجلون وشخصية عبد الكريم مطيع الاستبدادية، المتلاعبة والمربكة، بله المشبوهة، سينتهي بهما الأمر إلى تفجير الشبيبة الإسلامية إلى مجموعات صغيرة تتقاسمها الجماعة الإسلامية بقيادة عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني – اللذين كانا أول من احتجوا على مطيع وانفصلوا عنه، ومجموعة أخرى أخذت على عاتقها مسؤولية التأكد من صحة الاتهامات المتبادلة بين الإخوة الأعداء.
في الوقت نفسه، في جميع أنحاء المغرب، من الدار البيضاء إلى القصر الكبير ، ومن الرباط إلى أكادير ، ومن فاس إلى طنجة، حركات إسلامية صغيرة تظهر، منقسمة بين الشرعية والسرية دون روابط بنيوية بينها. إنها كوكبة حقيقية تشترك في أنها تنهل من نفس المصدر ، وهو جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، وخاصة مصر. مفكروهم ومؤلفوهم المفضلون: حسن البنا، سيد قطب، محمد قطب، سعيد حوى النعيمي، ومن عمق التاريخ ابن تيمية… بعين لا تنام، دائمة الحذر من السلطات المحلية، يعملون بهمة ونشاط على بعث السلف الصالح من رماده.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube