محمد بوبكري

لقد أعلن “عبد المجيد تبون” في خطاب 12 غشت أنه ينتظر وصول طائرة إسبانية لإخماد النيران، ستتبعها طائرتان سويسريتان من هذا النوع، لكن هذه الطائرات لم تحط في الجزائر، باستثناء طائرتين فرنسيتين قرر الرئيس ” ماكرون “إرسالهما إلى منطقة “القبايل”، دون أن يتحدث عن أي اتصال بين حكومة الجنرالات والحكومة الفرنسية أو الإشارة إلى أي اتصال بينه وبين “تبون”، ما كشف كذب هذا الأخير. هكذا، فإن مستعمر الأمس قد تعاطف مع الشعب الجزائري، وأرسل طائرتين لإخماد النيران إلى منطقة “القبايل”، ضدا على إرادة الجنرالات، الذين يحقدون على هذه المنطقة ويرغبون في أن تأتي النيران على أهلها وحيواناتها، وزرعها، ونباتها وأشجارها، وطيورها… وهذا ما يدل على نازيتهم.
لم يتحدث “ماكرون” عن أي اتصال بينه وبين “تبون”، على عكس هذه الأخير، الذي لا يترك فرصة تمضي دون أن يتحدث عن أنه كان على اتصال هاتفي مع “ماكرون”، ما يدل على أنه مصاب بعقدة “الإنسان المقهور”، الذي يتماهى مع قاهره، نتيجة لشدة إعجابه به، فهو يحاول تقليد قاهره في علاقاته مع أهله وذويه، والآخرين، لأن ما يعجبه في قاهره هو ممارسته للقهر عليه، ما يجعله معجبا بصورة قاهره وممارساته، التي يحاول إعادة إنتاجها مع الشعب الجزائري وجيرانه معا…
لقد أعلن تبون في هذا الخطاب أنه أصدر تعليماته إلى “الوزير الأول” و”وزارة الدفاع” لاقتناء طائرات إخماد الحرائق. ويفيد هذا الكلام أن تبون لا يفهم أي شيء في أي شيء، وأنه لا يعرف المساطر، حيث يعتقد أنه يمكن اقتناء هذه الطائرات كما يتم اقتناء قطع الصابون من عند بقال الحي، أو من أي سوق شعبي يوجد في أطراف المدينة، ما يؤكد أن هذا الشخص هو أضعف “رئيس” عرفه تاريخ الجزائر، حيث لا يعلم أن الخزينة الجزائرية فارغة من العملة الصعبة، وأنه لم يعد في مستطاع الجنرالات اقتناء أي شيء مهم من الخارج؛ لقد أنفقوا مؤخرا ملياري دولار لاقتناء طائرتين مقاتلتين من روسيا، ولم ينتبهوا إلى أن هذا المبلغ يمكن أن يقتنوا به ما يكفي الجزائر من طائرات إخماد الحرائق. زد على ذلك أن الجزائر قد عرفت اندلاع حرائق جديدة عديدة بعد خطابه. ويرى بعض الملاحظين الجزائريين أن الجنرالات يريدون اعتماد وسائل بدائية متجاوزة لإخماد النيران، ما يعني أن عقليتهم متجاوزة، لأن تبون يعتقد أن تجنيد العنصر البشري هو كاف وحده لإطفاء الحرائق، علما أن إطفاء الحرائق يتطلب اليوم عدة تقنيات فعالة. كما أن العنصر البشري سيقتصر على الماء في ذلك، ما ينم عن أن ” تبون” لا يعلم أن الماء صار منعدما في الجزائر، حيث يعاني الشعب الجزائري من الجوع والعطش، و”وباء كورونا”
هكذا، فإن مسلسل إضرام النار في الشعب الجزائري مستمر من قبل المخابرات الجزائرية وجنرالاتها.. لذلك، فقد أصبحت الجزائر ضحية لغباء حكامها، كما أن الشعب الجزائري قد صار كذلك ضحية لحقد الجنرالات، لأنه يطالب برحيلهم، ورفع شعارات تقول: “المخابرات إرهابية”، “تبون والكوكايين”، “دولة مدنية، ماشي عسكرية”…
وانطلاقا من حكمة ملك المغرب وتعاطفه مع الشعب الجزائري في المحنة التي يجتازها، فإنه هب لمساعدة الجزائر، لأن قيمه ومبادئه تفرض عليه ذلك، حيث يرفض قطعا أن يرى الجزائر تحترق دون التجند لمساعدتها. هكذا، فقد عبر ملك المغرب، بأسلوب حضاري جد مهذب، لحكام الجزائر عن رغبته في مساعدة الجزائر عبر الإعلان عن رغبته في إرسال طائرتين لإخماد النيران إلى الجزائر للمساهمة في إطفاء هذه النيران التي تلتهم الإنسان والحيوان والطيور والنبات والأشجار. فالمغرب لم يستعمر الجزائر لمدة 130سنة، كما أنه لم يدمر 2000 قرية جزائرية، ولم يقتل مليون ونصف مليون شهيد، ولم يقتل خيرة النساء والرجال الجزائريين. وتفسر أبواق الجنرالات عداء حكام الجزائر للمغرب بأنه ناجم عن “العلاقة المغربية-الإسرائلية”، ما يكشف عن غباء الجنرالات وممارستهم الكيل بمكيالين، حيث إنهم ركضوا طويلا وراء حكام إسرائيل وعرضوا عليهم كل شي، لكن الإسرائيليين رفضوا ذلك…
يرى خبراء جزائريون أن حقد الجنرالات على الشعب الجزائري هو ما دفعهم إلى عدم قبول الدعم الذي عرضه عليهم المغرب لإنقاذ الشعب الجزائري من نيران الحرائق التي باتت تطوقه من كل جانب، لأنهم يريدون أن تحل كل المآسي به، كما أنهم لم يردوا على التعزية الأخوية في ضحايا الحرائق، التي بعث بها ملك المغرب إليهم. ونظرا للعلاقات المتينة التي تجمع هؤلاء الجنرالات بمصر وتركيا ودول الخليج التي تجمعها علاقات متينة مع إسرائيل، فلماذا لا يكن لها الجنرالات العداء نفسه الذي يكنونه للمغرب؟!!
تبعا لذلك، فإن رفض حكام الجزائر للمساعدات التي عرضها عليهم المغرب يفيد أنهم يرغبون في إحراق الشعب الجزائري، ما يدل على نازيتهم. وللتدليل على صحة ما نقول، فلما احتدت الحرب الأهلية في سوريا، وخرج الشعب السوري يطالب برحيل حافظ الأسد، فاستعمل الحكام الطائرات العسكرية السورية ضد مسيراته، قامت إسرائيل بفتح معبر على حدودها مع سوريا ليدخل منه السوريون الجرحى لتلقي العلاج في مستشفياتها. لذلك، فإن محنة هؤلاء السوريين جعلتهم يقبلون تلقي العلاج في إسرائيل. فلماذا لم يقم الجنرالات بمعاتبة هؤلاء السوريين الذين قبلوا العلاج في إسرائيل؟ ولماذا لم يعاتب هؤلاء المرحوم “ياسر عرفات” عندما قبل اقتسام جائزة نوبل للسلام مع “شيمون بيريس”؟ ولماذا لم يوجهوا إليه نقدهم عندما قام بالمشاركة في حفل ديني لرأس السنة الميلادية في كنيسة شارك فيه زعماء إسرائيل آنذاك؟ ولماذا لا يعاتبون الرئيس الفلسطيني “محمود عباس أبو مازن”، لأنه يقبل الالتقاء مع زعماء إسرائيل؟ هكذا، فإن عداء هؤلاء الجنرالات للمغرب لا معنى له، لأنهم عاجزون عن تسويغه…. وهذا ما يفيد أنهم كذابون، لأنهم يكيلون بمكيالين، حيث إنهم يختفون وراء شعارات كاذبة يسعون من ورائها إلى إرضاء حكام إيران، الذين يدعون إلى إحراق اليهود، ما يعبر عن نازيتهم. لذلك، فإن حكام الجزائر يشكلون امتدادا طبيعيا لحكام إيران في شمال أفريقيا…
وخلاصة القول، من أجل الاستمرار في السلطة، قام جنرالات الجزائر باختلاق عدو داخلي يتمثل في الشعب الجزائري عموما، وأهالي “القبايل” خصوصا، وعدو خارجي يتمثل في المغرب، ما جعلني أستنتج أن كلا من حكام الجزائر وإيران يسيرون اليوم على نهج هتلر الذي كان سباقا في ابتداع “نظرية المؤامرة” وتوظيفها بغية زرع الخوف في نفوس الشعب الألماني، واستتباعه، واستعباده من أجل خوض حروب طويلة الأمد ا، وجعل الشعب الألماني يلجأ إلى هتلر الذي يقدم نفسه منقذا للألمان. هكذا، فإن هتلر اختلق تهما واهية لتبرير لجوئه إلى المحرقة، التي ذهبت ضحيتها أعداد خيالية من اليهود… وهو المنطق ذاته، الذي اعتمده مرارا الجنرال “خالد نزار” وأفراد عصابته للفتك بالشعب الجزائري. لكن، لقد صار مؤكدا اليوم أن الشعب الجزائري يرفض السماع لكلام الجنرالات وأبواقهم، لأنه يعي بهتانهم وافتراءاتهم وأضاليلهم… ولم يعد يقبل أن تنطلي عليه حيلهم، لأنه بات يدرك أن عدوه الأول هم الجنرالات ومخابراتهم الإرهابية…
وقد استخدم هتلر في البداية اليهود، كأعداء محليين يحيكون المؤامرات ضد ألمانيا من أجل إضعافها، ونهب اقتصادها، فجرى ترداد تلك المقولة على سمع وبصر الألمان ملايين المرات، حتى أصبحت شبه حقيقية، ثم قام بعدها بتأسيس الوحدات العسكرية الخاصة، تحت مسمى تطهير ألمانيا من اليهود، وبالتالي استطاع عبر تلك الأجهزة الخاصة، قمع أي معارض له، وحوَّل الشعب الألماني إلى شعب متجانس، يدين بالولاء لشخص “الفوهرر” قبل الولاء لألمانيا ذاتها. ولذلك استطاع هتلر اللعب على مخاوف الشعب الألماني، حتى استطاع استعباده، ثم جيَّش الشعب لخوض حروب لا طائل منها في معظم أنحاء العالم. نظرية المؤامرة التي استخدمها هتلر من أجل الفوز بالانتخابات، وقمع المعارضين، وإخراج كل من يختلف مع الجنس “الآري” من المجتمع، كل ذلك كوَّنا الأسس الأولى لنشوء النازية وتوحشها، حتى رفعت شعار السيطرة على العالم، لأن الجنس الآري له وحده الحق في سيادة البشرية! ومما يؤكد على سلطوية الأفكار النازية اندثار الفكر النازي بعد هزيمة ألمانيا عسكر ًيا، وموت الشخوص الذين أداروا تلك الأفكار! جميع تلك الأفكار عن السيادة المحمولة على نظرية المؤامرة، انتهت تقريبًا من العقل البشري، باستثناء حركات الإسلام السياسي، ورأس حربتهم جماعة الإخوان المسلمون الذين ما يزالون يلعبون على ذلك الوتر، وي ّدعون بأن الإسلام مهدد ويتعرض لحرب عالمية في الخفاء، وأن الدين لن ينجو من تلك المؤامرة، إلا من خلال وصولهم إلى السلطة، مصورين أنفسهم كحماة للدين، بالنظرة السلطوية ذاتها المبنية على مخاوف الشعب التي مارستها النازية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
لا يقتصر التشابه بين النازية وحركات الإسلام السياسي على إيجاد عدو خفي متآمر، مثل الغرب والأقليات الدينية والمذهبية وغيرهم، بل يمتد إلى خلق “آرية” خاصة بهم، مثل أن الذي يعارض تلك الحركات داخليا، حتى لو كان من الدين ذاته، يعتبر ولاؤه مشكوكا فيه، ما لم يكن ينتمي لفكرة الحزب. ومن أجل ذلك أنشأت حركة الإخوان المسلمين، في بداياتها، ما يسمى بـ“الجهاز الخاص” لتنفيذ عمليات اغتيال ضد معارضين للجماعة، وضد أفراد لا يتخذون من مبدأ “السمع والطاعة” منهجا في حياتهم السياسية، بما يشبه “الجستابو” لدى هتلر الذي مارس عمليات قمع واغتيال داخل الحزب النازي نفسه.
كما يتواجد معادل إخواني في القيادة، مشابه “للفوهرر” الذي يعلو ولاء النازيين له على الولاء لألمانيا، هو “المرشد”، المتحكم بجميع قرارات الجماعة ومستقبلها، ويكون قراره السياسي بمثابة “الفتوى” الدينية، غير القابلة للنقد أو للتفنيد. ومن يشك بضرورة وأهمية موقفه، يكون قد أخرج نفسه تلقائًيا من الدين، بحسب عقيدة الإخوان التي لا تسمح بالنقد، سواء كان المرشد مصيبًا أو مخطئًا. ولذلك من النادر أن تجد إخوانيا يقيِّم بعقلانية تجربة الإخوان في السنوات الأخيرة، ووصول الجماعة من أعلى درجات السلطة في الدولة والمجتمع، إلى أسفلها، بعد كمية المغامرات السياسية التي قامت بها قياداتها، سواء في مصر، أو في سوريا التي حولوا فيها ثورة الشعب السلمية إلى حرب أهلية! فالولاء للمرشد الإخواني، يشبه ولاء الألمان حين استعبدتهم النازية وأخذتهم إلى جبهات خاسرة، دون أن يجرؤوا على سؤال أنفسهم “إلى أين نحن ذاهبون؟ ولماذا؟!”، وهي الحالة ذاتها من الانقياد الأعمى التي يعيشها الإخوان في الوقت الحاضر، بعد انقشاع ما سمي بـ ”الربيع العربي”، الذي أضر بأحداثه الدموية الإخوان وأوطانهم، دون أن يجرؤوا على طرح أي سؤال علني عن مصيرهم! ولكن في عز هزيمتهم، تظل فقط عقدة حكم العالم تراودهم، حتى دون أن تتوفر الأسباب العقلانية لذلك!

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube