قصة قصيرة:

ما بعد السقطة

** حسن برما

قادتك الذاكرة العمياء لهاوية فنائك، أحصيت دقائق احتضارك، استعدت ساقي الريح الهاربة، حضنت عطر الخواء المظلم، وفقدت قدرة الاحتجاج على حماقات جلادك.

ببياض الكفن المحايد، جلست فوق تلة التعساء، تأملت حياتك الكئيبة، صدفة، مرت أمامك تعيسة منحوسة، صافحتك طلبا لتغيير الحال، أحست بتحسن، تخلصت من يدها، وقفزت مدفوعا بحقد الجلاد في هاوية النكران والخذلان.

ضجرت من جديته المملة، أغضبتها خشونته الزائدة وتشبته المرضي بذاكرته المغتصبة، غلبتها أعراض الاكتئاب، جربت السقوط في الحب، أضافت لإنجازاتها ضحية جديدة، وعادت لروتينها اليومي المميت.

وغير بَعيدٍ عن سَهْوِك

سألت الشّوق عن نِسْيانك

قال: لكَ زلزالُ النّبْض مَدى الحَياة!

وذاك البحر الغامض منشغل باحترام طقوس القبلة المختومة على شفاه الشاطئ المهجور و لا يبالي بارتعاشات العناق لحظة إعلان قصيدة الوداع الأخيرة.

لدغتك عقرب الصخور المرعبة، دوَّخك سُمّها اللامع، ورحمة بك، تركك في نصف المسافة تتأمل خدر السقوط، وقبل الختم، أدركت أن الرحمة أوصلتك لقسوة النهايات.

استسلمت لجاذبية الأسفل، عبرت أمامك تفاصيل زلزال ترك وراءه خراب حلم نصبوه لعشيرة الأبرياء، لم تنتبه لأنياب المفترسين ومخالب الانتهازيات، استثمروا جوعك وشقاءك، ورموك جثة رخيصة في هاوية الأغبياء.

وصلت سالما إلى القاع، نهضت محكوما بدهشة الإفلات من الموت، وفي قمة جبل الكرامات الكاذبة، لاعبت العرافة بالأرقام والإحصاءات، حوَّرت اسم الهاوية، وأعادت لك غريزة الخوف على النبض وسلامة القلب العاشق.

والآن .. كلما رأيت الموجة قادمة تترنح وتراوغ صخر الشاطئ المهجور كلما خفق قلبك لذكرى غرق مشتهى دوخ أبطاله وقادهم لحتمية الاختناق واستحضار رعب السقطة المفاجئة.

رفعت عينك للقمة، رأيت ظلها الحاقد يراقص ظل نبتة شيطانية على إيقاع أغنية ممنوعة من التداول، أرعبك يقين الأحقاد الموروثة، مسحت عن رأسك بقايا رمل وأشواكا يابسة، تحررت من سلطة الوهم، مشيت صامتا نحو قبور شهدت سقوطك غير المفاجئ، وسمعت زغرودة شبح ادعى الفرح لحريتك وهو سجين زنزانة ذات جدران تحتفظ بشعارات الحالمين الأغبياء.

قالت:” رأفة بك، حررتك من إدمان التفكير في حرائق حنينك، أفرغت جمجمتك من صدى أحلام خدعوك وقالوا هي أس حياتك المفترضة وما في البال سوى فخاخ لإقناع ضحايا الرعشة المحرمة بحتمية الألم ومعاناة الجوع والحرمان، وحريتي ملاذ شقائك!”

سلكت طريقا ثعبانية أبعدتك عن طيف الشرور المرصودة لمن التصقت بهم لعنة الخيبات المتلاحقة، عبرت مرتفعات مليئة بحصى الإهمال والإصرار على جرح أقدام الناجين من موت السقطة، ولم تلتفت للوراء.

تذكرت شيوخ القبيلة، ملامح ذئاب وثعالب خبث وبوم نواح ومناحات، وساءلت وقتك الشارد:” كيف الخلاص من زعامات غبية عاشت عمرها في الصفوف الأخيرة وبضربة انتهازي مقيت أحكمت القبضة على مصيرك؟!”

ظل حديث الحرية يزدحم بظلمة جمجمتك المحتفية بخوائها المؤكد، كيف يحق لجلاد الوقت الكلام عن الحرية وهو المسؤول عن وحشية النهايات؟ كيف لمن أدمن طقوس الاغتصاب والانتقام الأعمى أن يعرف معني الحرية ومتعة الرقص في سماوات الحلم المشاع؟

دفع بك نحو الهاوية، رمى بوعوده الحربائية للمجهول المعلوم، برر القرار بتخليصك من عذابات الانتظار العبثي، وسمى الاحتضار المؤلم حرية مهداة من جلاد زنزانته الذي لا يحس ولا يرحم.

في غمرة الاستغراب من قسوة الخيانة والفرح بالنجاة، أخرجتك الكتابات المضطربة على سور المقبرة المتآكل من أحاسيسك المعطلة، حروف مكتوبة بالفحم وبصباغة ترقيم الشواهد توثق لآلام الرحيل والخيانة وغباء الاطمئنان لكلام الشياطين وجنيات تدمير النفوس، وسجع بليد يتحدث عن زواج الأرواح المعذبة من طرف جلاديها وعدم الثقة في بنات حواء ولا جدوى الحياة والنهاية قبر مظلم وفناء.

استحضرت بدايات الاستقطاب المخدوم، خدعتك وتظاهرت بصدفة اللقاء، أفقدتك توابل إغرائها القاهرة حاسة البصر، وللأفاعي الموجهة عن بعد القدرة على تخدير الفكر والحواس، استسهلت المشي فوق أشواك الخديعة، والبقية .. نجوت من موت مرصود لضحايا الحلم والتعلق بسراب المستحيل.

تجاوزت باب المقبرة الكبير، استقبلتك خرائب وأطلال ومنارة معطلة، أخذتك انحرافات طريق ثعبانية لحواشي متآكلة وحفر مريبة وصخور جارحة، وأطياف حيوانات وأشباح تراقص أشجار الزيزفون والصبار، ومعلقات ترثي العهود المغتالة وأنفاس ندم، ونواح ريح تليق بتوديع انتظارات العشيرة الميتة فيما زعموا أنها حياة.

وفي ملتقى طرق عشوائي واجهت حاجزا، أوقفوك عند العلامة المكسورة، واستعدت الحاجة للكلام، قالوا وقلت:

ــ هل لديك جواز الحلم؟

ــ كان عندي وضاع مني في الهاوية.

ــ من أعطاك تأشيرة القفز ؟

ــ لا علم لي كل الوجوه متشابهة.

ــ وكيف نجوت من الموت؟

ــ بالصدفة وجدتني هنا.

ــ وهل بقي معك شيء من الحلم؟

ــ أبدا، هل يبدو علي أنني أحلم؟

ــ اسأل روحك! عد من حيث أتيت فأمثالك خطر على القبيلة!

بدا لك أن اللعبة أكبر مما توقعت، منحوك تأشيرة الحلم في الوقت الغلط، وفي الهاوية أسقطوا عنك الهوية، نجوت من وحشيتهم الموروثة، وأتلفوا عنوان حياتك القادمة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube