محمد بوبكري

لجأت وزارة الخارجية الجزائرية مؤخرا إلى إصدارا بيان تقول فيه “إنه بعد كشف مجموعة من المؤسسات الإعلامية عن قيام بعض سلطات الدول، وعلى وجه الخصوص المملكة المغربية، باستخدام واسع النطاق لبرنامج التجسس المسمى “بيغاسوس” ضد مسؤولين ومواطنين جزائريين، إلى جانب صحفيين ومدافعين عن حقول الإنسان، في جميع أنحاء العالم….”
بداية، إن هذا البلاغ غير موقع، ما يجعله مجهول الهوية، فصار لقيطا، لا يتبناه أحد، ما يعني أنه ليس هناك مسؤول جزائري قادر على تبنيه جهرا، الأمر الذي يفيد أنه ليس هناك من هو مقتنع به شكلا، ولا مضمونا. وهذا ما يفيد أن الجنرالات أصدروه بدون توقيع مسؤول، حتى يتسنى لهم مستقبلا التنصل من أي مسؤولية عنه، لأنهم يدركون جيدا أن المغرب لا يمتلك برنامج “بيغاسوس”، وأنهم يمتلكونه، وضالعون في استعماله، ويريدون فقط تبرئة أنفسهم من ذلك، عبر تلفيق هذه التهمة الباطلة إلى المملكة المغربية البريئة منها براءة الذئب من دم يوسف. ومن المحتمل جدا أن تطور الأحداث سيدينهم، لأنه سيكشف تورطهم في ذلك…
وبعد ذلك، أفاض هذا البيان في ادعاء حكام الجزائر الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن المبادئ والقيم التي تحكم العلاقات الدولية…
يخرج قارئ هذا البيان بأن حكام الجزائر يدعون أنهم أصحاب مبادئ وقيم وأخلاق، الأمر الذي يتناقض وممارستهم للعنف ضد الحراك الشعبي السلمي، وضد كل المناطق الجزائرية، من خلال تهميشها، ونهبهم لأموال الشعب الجزائري، ما جعلهم يتسببون في تفقيره وتجويعه، كما أنهم حرموه من حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إضافة إلى ذلك، فإنهم سمحوا للجنرالين “خالد نزار” و”توفيق محمد مدين” بالعودة إلى السلطة، رغم أنهما وأفراد عصابتهما، بمن في ذلك “سعيد شنقريحة”… يتحملون مسؤولية قتل حوالي نصف مليون جزائري خلال “العشرية السوداء” في تسعينيات القرن الماضي. فضلا عن ذلك، فإنهم لم يتوقفوا عند هذا الحد، بل لجأوا إلى قمع الحراك الشعبي السلمي الجزائري، وسلب الشعب الجزائري حرياته، واعتقال نشطائه السياسيين وتعذيبهم… كما قامت مخابراتهم الإرهابية بالاغتصاب الجنسي للرجال، كبارا وقاصرين… فوق ذلك، لقد خلق جنرالات الجزائر جماعات إرهابية تستعملها في الهجوم على المغرب وموريتانيا وتونس، وليبيا، ودول الساحل، ما يفيد أن هؤلاء الجنرالات ينتهكون القيم والقوانين الدولية بهدف التوسع على حساب جيرانهم.
ومن التناقضات الجلية أن الجنرالات يدعون في هذا البيان أنهم يدافعون عن الشعب الجزائري الذي يتعرض لتهديدات من قبل دول أجنبية، لا يذكرون منها إلا المغرب، كما أنهم يتحاشون الإشارة إلى الدولة صانعة برنامج “بيغاسوس”، ما يكشف عن جبنهم.
يزعم حكام الجزائر في هذا البيان أنهم يمتلكون إستراتيجية للرد، الأمر الذي لم يعد ينطلي على أحد، لأنهم مصابون بعاهة مستديمة نتيجة فتكهم بالجزائر وشعبها، حتى صار العالم كله يدرك ان الجنرالات قتلوا الجزائر، لأنهم نهبوها، ولم يستطيعوا تطوير أي مشروع، أو أية إستراتيجية تنموية. أضف إلى ذلك أن الذي يلجأ إلى التهديد هو عاجز عن القيام بأية ردة فعل، لأن هذا التهديد ينهض على منطق الجبن، الذي يسعى صاحبه إلى إخفائه عبر المزايدة الكلامية التي لا يصحبها أي فعل…
وتجدر الإشارة إلى أنه بعدترويج بعض وسائل الإعلام الفرنسية لخبر كاذب يرمي إلى اتهام المغرب باستعمال نظام “بيغاسوس” للتجسس، تقدم وزير الخارجية المغربي بتصريح لمجلة “جون أفريك” فند فيه هذا الادعاء، وأكد أن المغرب لا يتوفر إطلاقا على هذا البرنامج، وأنه على من يدعي ذلك أن يثبت ادعاءه عبر تقديم حجج ملموسة تؤكده. وفي حالة ما إذا عجز المدعون عن ذلك، فإن المغرب سيلجأ إلى القضاء لمتابعة كل الذين يروجون لهذه الافتراءات عليه، سعيا إلى النيل من سمعته الدولية. وبعد هذا التصريح، بدأ خصوم المغرب يوجهون التهم إلى بعضهم البعض، حيث قامت الصحف الإسبانية الموالية للحكومة الحالية بالإعلان عن أن أجهزة الأمن الخارجي الفرنسية هي التي قامت بالتجسس على الرئيس الفرنسي…، حيث استعملت في ذلك برنامجا للتجسس اقتنته من شركة إماراتية، مقرها في أبي ظبي. وكان دافع المخابرات الفرنسية هو التغطية على ممارستها الخبيثة ضد الرئيس “ماكرون”… كما كانوا يريدون تقديم خدمة لجنرالات الجزائر، الذين هم مجرد امتداد للاستعمار الفرنسي في الجزائر. فضلا عن ذلك، لقد صرحت الشركة الإسرائيلية، التي تصنع نظام “بيغاسوس” أن المملكة المغربية لا تتوفر على هذا النظام، لأنه لم يسبق لها أن اقتنته منها. وبعد ذلك نشرت جريدة “واشنطن بوست” أن المغرب لا يمتلك هذا النظام، وأن “المملكة العربية السعودية و”مصر” و”قطر” و”لبنان” و”تونس” و”الجزائر” تمتلكه، ما يؤكد براءة المغرب، ويكشف أن جنرالات الجزائر قد أنفقوا الملايير لاقتنائه بهدف التجسس على بعضهم البعض، كما أنهم يستعملونه للتجسس على الشعب الجزائري وكل معارضيهم من أجل مراقبتهم وضبط أمكنة تواجدهم، حتى يسهل عليهم إلقاء القبض عليهم واختطافهم. أضف إلى ذلك أنهم يستعملونه أيضا للتجسس على جيرانهم، حيث يتوهمون أن ذلك سيساعدهم على إضعاف هؤلاء الجيران ويمكنهم من التوسع على حسابهم…
تبعا لذلك، فإن حكام الجزائر ينتهكون حقوق الإنسان، ويفتكون بالشعب الجزائري، كما أنهم لا يحترمون القانون الدولي، ولا المعاهدات الدولية، حيث إن كل ما يهمهم هو فعل أي شيء من أجل ضمان استمرارهم في السلطة…
ومن الغريب أن هذا البيان يعلي من قيمة الصحف التي نشرت الأخبار الزائفة ضد المغرب، حيث وصفها بأنها “ذات سمعة ومهنية عالية”، لأنها وقفت إلى جانب جنرالات الجزائر عبر تلفيق تهم باطلة إلى المغرب. لكن عندما تقوم جريدة “لوموند” و”ليبراسيون” الفرنسيتان ووكالة الأنباء الفرنسية بالحديث عن مقاطعة الشعب الجزائري للانتخابات، ونشر أخبار عن رفض الحراك الشعبي السلمي لنظام العسكر ومطالبته بدولة مدنية، فإن الجنرالات يشمئزون منها، ما جعلهم يدفعون لها ولأسيادها الأموال لتمارس الدعاية لصالحهم خدمة لأهداف المخابرات الخارجية الفرنسية التي ماتزال متمسكة بالعقلية الاستعمارية الفرنسية ويفزعها شق المغرب لطريقه باستقلال عنها. وهذا ما يؤكد أكذوبة “استقلالية” وسائل الإعلام هاته التي أكدت الوقائع أنها تابعة لأجهزة الأمن الخارجي الفرنسي، وأنها صارت تابعة كذلك لحكام الجزائر مقابل المال…
وتجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام هذه وغيرها من الجهات التي تسعى إلى النيل من سمعة المغرب، لا تمتلك أي حجة تثبت افتراءاتها، ما دفع المغرب إلى اتخاذ قرار متابعتها قضائيا، حيث إنه يدرك جيدا أنه قادر على فضحها وإدانتها، كما أنه سيوجه صفعات كبيرة لكل الجهات السياسية المتورطة في توظيف وسائل الإعلام هاته.
تبعا لكل ذلك، لقد تأكد أن المغرب لا يمتلك نظام “بيغاسوس” وأن جنرالات الجزائر هم الذين يمتلكونه بغية التجسس على الشعب الجزائري وكل معارضيهم، كما أنهم يستعملونه للتجسس على جيرانهم بهدف النيل منهم. زد على ذلك أن الوقائع أعلاه تثبت أن أجهزة الأمن الخارجي الفرنسية هي التي تسعى إلى النيل من سمعة المغرب بغية إخضاعه، وتقديم خدمات، مؤدى عنها، لجنرالات الجزائر…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube