أحمد الحطاب

باختصار شديد، الفكر النقدي هو ذلك الوضع الذي يرفض فيه مُفكِّرٌ ما الحقائق التي يُصادفها أو تلك التي تُعرض عليه. و الغرض من الرَّفض هنا ليس الرَّفض من أجل الرَّفض، بل من أجل أن يتساءلَ هذا المُفكِّر حول قيمة الحقائق التي يُصادفها أو التي تُعرض عليه. و الهدف الأخير من هذا التساءل هو قبول أو عدم قبول هذه الحقائق. و هنا، تجدر الإشارة إلى أن القبولَ أو عدمَ القبول يكونان دائما مبنيين على براهين و حُجج يفرضها العقل و المنطق.
ولا داعي للقول أن الفكر النقدي ليس في متناول مَن هبَّ و دبَّ. أو بعبارة أخرى، كل مَن أراد أن يلجأ إلى الفكر النقدي في التَّحاور أو التناقش أو التَّناظر مع الآخرين، يجب على الأقل أن يتوفَّرَ، أولا، على رصيد معرفي مهم و خصوصا المعارف التي هو بصدد مناقشتها. ثانيا، أن تكون له قدرة الإنصات للآخرين، و بالأخص أن يدركَ كيفيةَ تفكيرهم و ما لهم من رصيد معرفي. ثالثا، أن يكون له فضول للتَّعرُّف على الأشياء، أي له رغبة في الحصول على المزيد من المعارف. رابعا، أن يكونَ متفتِّحا فكريا و اجتماعيا. خامسا، أن يكونَ متواضعا، بمعني أن يعترف بأن الواقعَ المحيطَ به معقَّدٌ و أنه من المحتمل أن يُخطيء. سادسا، أن يتمتَّعَ بالاستقلال الفكري و أن يكون حدِراً من الأحكام المُسبقة و مبتعِدا عنها. سابعا، أن يفرِّق بين الأشياء الثابتة (لا جدال حولها) و الأشياء المفترضة و الأشياء التي لا يعرف عنها شيئا…
بعد هذه التَّوضيحات، تعالوا ننتقل إلى بعض الأطوار من حياتنا اليومية لنرى مدى حضور الفكر النقدي في مختلف جوانبها.
أبدأ بالتَّعليم. مَن قال و يقول إن تعليمنا يهتم بالفكر النقدي و ينمِّيه، فهو لا يعرف واقعَ هذا التَّعليم. و لو افترضنا أن هذا الأخيرَ ينمِّي الفكر النقدي، فلماذا تُعطى أهمية مفرطة لتبليغ المعرفة؟ الفكر النقدي يقتضي أن يتم نقاشٌ بين المدرِّس و المتعلِّمين حول هذه المعرفة قبل تليغها لهم. الفكر النقدي يقتضي أن هؤلاء المتعلِّمين هم مَن يبني أو مَن يعيد بناءَ المعرفة. في نهاية المطاف، المدرسة، بحكم إصرارها على تبليغ المعرفة، تفرض هذه الأخيرة علر المتعلَّمين. المنطق يقول : يجب إعطاء الأسبقية لتنمية الفكر النقدي عندهم و ليس لتراكم المعرفة الجافة لديهم. في هذه الحالة، المعرفة ليست إلا دعامة لتنمية الفكر النقدي. بينما في مدرستنا، العكس هو الذي يحدث. و الدليل على ذلك، المتعلِّمون يُمتحَنون في قدرتهم على استظهار المعرفة و ليس على قدرتهم في استعمال الفكر النقدي.
في شبكات التَّواصل الاجتماعي. بصفة عامة، جزء كبير جدا من ما يُدوَّن على هذه الشبكات ليس فيه فكر نقدي على الإطلاق، إلا مَن رحم ربي. كلام فارغ و أيقونات هي التي تؤثث، في غالبية الحالات، مضمونَ هذه الشبكات. و هذا شيء منطقي لأن فاقد الشيء لا يُعطيه. و هنا، فليكن الأمر واضحا وضوح الشمس، إذ أنني لا أوجِّه اللومَ، على الإطلاق، للمدوِّنين علما أن كل شخص له الحق أن ينشرَ ما يريد. فإذا كان من لوم، فإنه يُوجَّه للمجتمع و لمؤسساته الاجتماعية و على رأسها المدرسة.
في البرلمان. كلنا نتابع ما يجري و ما يُتبادلُ من كلام و حديث في البرلمان، بمجلسيه، أثناء مراقبة العمل الحكومي. و هنا، لا بد من الإشارة أن مراقبةَ عمل الحكومة معمولة للوقوف على السياسات العمومية و تقييم مدى آنجازاتها استجابةً لما يطمح له و يريده المواطنون. و هي مناسبة لإعمال الفكر النقدي طبقا للمعايير التي أشرتُ لها أعلاه. ما نشاهده و نسمعه تحت قبة البرلمان، عبارة فقط عن لَغَط و لغو مصحوبين بالتراشق اللفظي يُراد منه، أحيانا، تصفية حسابات أو تبخيس عمل بعض القطاعات الوزارية. لو كان الفكر النقدي حاضرا في البرلمان، لكان للنقاش الدائر به وقعٌ على الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية للبلاد. و الائحة طويلة…
و لهذا عنونتُ هذه المقالة ب”نحو تراجع الفكر النقدي”. و السبب الرئيسي لهذا التَّراجع هو إهمال المدرسة لهذا الفكر النقدي. و هذا الإهمال له وقعٌ واضح على الأجيال التي تصنعها المدرسة. يكفي الإنصات لجماعة من المتمدرسين بدأً بالمرحلة الابتدائية و الإعدادية و مرورا بالمرحلة التَّأهلية و وصولا إلى المرحلة الجامعية. نقاشات، في غالب أطوارها، بعيدة كل البعد عن الفكر النقدي و مبنية أساسا على القيل و القال و على النَّمطية و على الأحكام المسبقة.
وفي الختام، يجب التّذكير بأن الأممَ تُبنى بالفكر و الفكر النقدي، أي بالفكر و الفكر المضاد، و ليس بتراكم المعرفة عند المتعلِّمين. المعرفة اليوم في متناول الجميع. و لهذا، فعلى المدرسة أن تستغل هذه المعرفة ليس لتراكمها عند المتعلمين و لكن لاستعمالها كدعامة لبناء الفكر النقدي عند نساء و رجال الغد، أي لبناء الإنسان المغربي المتحرِّر فكريا و اجتماعيا.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube