أحمد رباص – حرة بريس

افتتحت فعاليات الدورة الرابعة والسبعون من مهرجان “كان” السينمائي الدولي، مساء اليوم الثلاثاء، وسط إجراءات احترازية صارمة، لوقاية المشاركين من فيروس “كوفيد-19”. وكان المهرجان قد ألغي العام الماضي بسبب الجائحة، فيما تأجلت دورة هذه السنة قرابة شهرين عن موعدها السنوي المعتاد، خلال الثلث الأخير من ماي، لتُجرى استثنائياً من 6 إلى 17 يوليوز الحالي.


أحيانا، يحدث تماما على الشاشة ما يقع في الحياة الواقعية. يوم أمس الخميس، كانت الحرب والرقابة والمعارك السياسية هي الموضوعات المركزية للعديد من الأفلام التي عُرضت في مدينة كان. هي نفس المواضيع التي تردد صداها قويا هذا العام، بينما وضع رئيس لجنة التحكيم، سبايك لي، المهرجان تحت علامة الصراع.

1) “لعنة آلان رينيه”
يمكن أن يطلق على ما وقع لهذا الفنان “لعنة آلان رينيه”. كان لهذا المخرج الفرنسي، الذي توفي عام 2014، تاريخ حافل مع مهرجان كان السينمائي. بعد سنوات من رؤية أعماله تخضع للرقابة تحت الضغط السياسي، كان عليه انتظار نهاية مسيرته المهنية حتى تتم الإشادة بها في فسحة لاكروازيت بخليج كان.
في عام 1957، سُحب فيلمه الوثائقي “ليل وضباب”، وهو أحد أوائل الأفلام السينمائية التي فكرت في الهولوكوست، من قائمة الأفلام المختارة للمهرجان بناء على طلب الحكومة الألمانية.
خلص الجدل المثار إلى ان مثل هذا الفيلم يخاطر بتقويض عملية المصالحة الفرنسية الألمانية. ومع ذلك، أزالت فرنسا بالفعل مشهدا يسلط الضوء على التعاون.
بعد ذلك بعامين، جرب آلان رينيه حظه مرة أخرى مع فيلمه الرائع “هيروشيما حبي”، والذي ربما يكون أحد أعظم أفلام الحرب والسلام التي تم إنتاجها على الإطلاق. الفيلم يلقى نفس المصير هذه المرة بسبب حكومة الولايات المتحدة.
كانت المحاولة الثالثة في عام 1966 مع فيلم “انتهت الحرب”، الذي يحكي قصة اللاجئين الإسبان. مرة أخرى، لم يتم عرض الفيلم تحت ضغط من حكومة فرانكو.
بعد خمسة وخمسين عاما، انتقم المخرج أخيرا لنفسه وتم يوم الخميس ثامن يوليوز عرض فيلم “انتهت الحرب” في فئة “كلاسيكيات كان” للمهرجان الذي يعرض أفلاما للمخرجين الذين نالوا إعجابا منقطع النظير..
2) حرب لا تنتهي أبدا
يوم امس الخميس، تميز المهرجان بفيلم حرب لمخرج فرنسي آخر، عنوانه “أونودا، عشرة آلاف ليلة في الأدغال” للمخرج آرثر هراري، والذي قدم في قسم “رؤية معينة”.
يروي الفيلم حياة هيرو أونودا، الشخص البارز في التاريخ الياباني الذي استمر في القتال لمدة ثلاثين عامًا في ادغال الفلبين، رافضا الاعتقاد بأن الحرب قد انتهت بعد الاستسلام الياباني عام 1945. ثلاث ساعات من الرفقة، والوحدة، وقصة جندي فضل الإنكار على الواقع، ثم غرق تدريجياً في الجنون. سيكون بلا شك أحد الأعمال الرئيسية لهذا المهرجان.
تبدأ القصة في أحد أيام 1974. يلتقي أونودا وجهاً لوجه مع سائح ياباني يبحث عن “باندا عملاقة ورجل الثلج، بهذا الترتيب”.
ثم، بقفزة زمنية يعاد المتفرج إلى الوراء عدة سنوات، في معسكر التدريب الذي شكل هذا الجندي مستعدا لفعل أي شيء من أجل إمبراطوره. بطل أو لا بطل، لن يحسم الفيلم المسألة أبدا.
3) “العميل البرتقالي”
الحرب والنضال: كان لهاتين الثيمتين صدى قوي بشكل خاص هذا العام، في مهرجان كان السياسي على نحو بارز بقيادة رئيس لجنة التحكيم، سبايك لي، أول مخرج أسود يتولى هذا المنصب.
“هذا العالم يحكمه رجال العصابات”. هكذا أعرب عن أسفه في المؤتمر الصحفي الافتتاحي للمهرجان، مستنكرا كيفما اتفق، مع أعضاء آخرين في لجنة التحكيم، سياسات بوتين وبولسونارو، أو التمييز العنصري والجندري. كما أنه لم يتردد في إطلاق لقب “العميل البرتقالي” على الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب.
وكان المخرج يرد على صحافية جورجية اخذت الكلمة لدق ناقوس الخطر المحدق بوضع مجتمع الميم في جورجيا، حيث كان لا بد من إلغاء مسيرة الكبرياء يوم الاثنين بعد أن بدأت الاشتباكات في اليوم السابق من قبل جماعات معادية، وهو سؤال اعترفت أغلبية اعضاء لجنة التحكيم باكتشافه، وقدموا له دعمهم.
كان المخرج النيويوركي يعتمر قبعة سوداء يعتليها شعار “1619”، في إشارة إلى السنة التي وصل فيه العبيد الأوائل إلى الولايات المتحدة. عاد إلى محنة السود في البلاد، وهو موضوع لم يتوقف عن استكشافه في أفلامه، ولا سيما في فيلم “افعل الشيء الصحيح”. بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على “هذا الفيلم”، اعتقد محبوه أن السود قد توقفوا عن ملاحقتهم مثل الحيوانات”، مثلما صرح، قبل الإشارة إلى السود ضحايا عنف الشرطة. مثل” الأخ إريك غاردنر” أو”جورج فلويد” “اللذين قتلا واعدما دون محاكمة”.
أصبح أعضاء آخرون في لجنة التحكيم نشطاء خلال هذا المؤتمر الصحفي، مثل المخرج البرازيلي كليبر مندونسا فيلهو، الذي انتقد سياسة حكومته المتمثلة في “ازدراء الثقافة” و “الرقابة”. على وجه الخصوص، اتهم حكومة بولسونارو بإغلاق المكتبة السينمائية الوطنية.
4) “الرقابة من الداخل”
الرقابة هي أيضا الموضوع الرئيسي لفيلم آخر قدم في مهرجان كان هذا العام، يتعلق الأمر بفيلم “ركبة عهد” للمخرج الإسرائيلي نداف لابيد.
تماما مثل “المرادفات”، فيلمه المستوحى من تجربته الخاصة والذي يتناول قصة شاب انتقل إلى باريس في محاولة لإخفاء أصله الإسرائيلي، ونال عنه جائزة الدب الذهبي في برلين عام 2019 ، يعد فيلم “ركبة عهد” جزء من سيرته الذاتية.
يحكي الفيلم الروائي قصة مخرج إسرائيلي يبلغ من العمر 46 عاما دعاه أحد أعضاء الحكومة لعرض فيلمه الأخير في قرية نائية في الصحراء. عند وصوله، يُطلب منه التوقيع على نموذج يوافق فيه على التعامل مع قائمة قصيرة فقط من الموضوعات.
“المحزن في إسرائيل أنه لا داعي لوضع الدبابات أمام صندوق الفيلم الإسرائيلي (الصندوق المسؤول عن دعم السينما الإسرائيلية، ملاحظة المحرر) ، لا داعي لاعتقال مخرج وإلزج به في السجن كما هو الحال في روسيا، يوضح المخرج في مقابلة مع وكالة فرانس برس. “فقط قل” كفى من الحديث عن رجال السياسة، دعونا نتحدث فقط عن الأسرة.”
“ما يزعجني” هو “عندما تصبح الرقابة جزءا من روحك وعقلك” تأتي “من الداخل. إنها ترافقك مثل الظل”، يتابع.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube