محمد بوبكري


يرى خبراء جزائريون أن تشكيلة حكومة الجنرالات، التي أعلن عنها مؤخرا، تؤكد عودة العصابة التي كانت سدة الحكم في عهد “عبد العزيز بوتفليقة”. لكن هذا لا يعني أن هذه العصابة قد اختفت نهائيا؛ فقد ظلت موجود في مختلف شرايين الدولة والجيش، ما سهل عودتها إلى السلطة بعد اغتيال “القايد صالح” واختفائه، الذي لم يستطع القضاء عليها بشكل نهائي، فظلت فلولها تشتغل في خفاء من أجل إعادتها إلى السلطة، ما يعني أن هذه العصابة لم تنسحب نهائيا؛ بل إنها بدأت تستجمع أنفاسها للعودة بعد اختفاء رحيل “القائد صالح”. وهذا ما يؤكد أنها بدأت منذ مدة بالانتقام لنفسها من جماعة هذا الأخير؛ إذ قامت بتنحية بعضهم، كما أنها اعتقلت البعض الآخر، أضف إلى ذلك أنها قامت ببعض الاغتيالات. ويرى متتبعون أنها ستستمر على هذا النهج إلى أن تتحكم في كل شيء.
ونظرا إلى كون أغلبية أعضاء هذه الحكومة هم من أزلام العصابة السابقة، فإن هذا يدل على أن الجنرالات يعلنون انبعاث هذه العصابة من رمادها انتقاما من الشعب الجزائري وحراكه السلمي الحضاري، الذي لعب دورا أساسا في تنحية “بوتفليقة” وعصابته.
تثبت الحكومة الحالية أن حكام الجزائر يرفضون التغيير ضدا على إرادة الشعب، كما أنها تدل على أن تشدق “تبون” وجنرالاته بـ “بناء جزائر جديدة”، هو مجرد أكذوبة يسعون من ورائها إلى زرع الأوهام في نفوس بعض الجزائريين.
ومن الغريب أن “أيمن بن عبد الرحمان” يجمع بين رئاسة هذه “الحكومة” و”وزارة المالية” معا، وكأنه لا يوجد في الجزائر أشخاص يمتلكون مؤهلات في مجال الاقتصاد والمال، الأمر الذي يدل على احتقار الجنرالات للكفاءات الجزائرية، التي هي، في غالب الظن، تحمل مشاريع تتعارض جوهرا مع نهجهم السياسي والاقتصادي والمالي … أضف إلى ذلك أن تعيين هذا “الوزير الأول” قد تم خارج الضوابط الدستورية؛ لأن الجنرالات لم يقدموا حججا دستورية للتسويغ القانوني لهذا التعيين… علاوة على ذلك، يؤكد المتتبعون أنه لا وجود لأية قيمة لـ “البرلمان” في حكاية هذه الحكومة، حيث لا علاقة عضوية لهذا “البرلمان” بهذه “الحكومة”؛ إذ منح بعض الوزارات الهامشية لبعض الأحزاب، كما منحت وزارات السيادة لأتباع الجنرالات فقط. هكذا، فإنه أنفقت ملايين كثيرة على انتخابات، أفرزت “برلمانا وحكومة لقيطين لا تجمعهما أية علاقة. زد على ذلك أن وزراء في “حكومة جراد” قد حافظوا على مناصبهم في حكومة “أيمن بنعبد الرحمان”، كما تم تغيير مواقع بعض الوزراء، الذين منحت لهم “حقائب وزارية” أخرى. أضف إلى ذلك، فقد عاد “رمضان العمامرة، الذي كان وزيرا للخارجية” في عصابة عبد العزيز بوتفليقة، ليتحمل مسؤولية حقيبة وزارة الخارجية في الحكومة الجديدة للجنرالات. وهذا ما يشكل علامة دالة على عودة عصابة “عبد العزيز بوتفليقة” إلى السلطة، حيث إن هذا الشخص كان قريبا جدا من “بوتفليقة”، كما أن الجنرال “توفيق محمد مدين” هو من صنعه، حيث ظلت تربطه دوما علاقة بالمخابرات الجزائرية. ولذلك، فمن الأكيد أن عودته إلى حكومة “بن عبد الرحمان” تحمل بصمة هذا الجنرال وعصابته، التي عادت إلى السلطة بقوة…
كما أن وزير الداخلية في حكومة “عبد العزيز جراد” قد أختفظ به في حكومة الجنرالات، وذلك رغم انفجار فضائح “الشلف” وشواطئ “تنس” … في وجهه؛ إذ ما يزال يتخبط فيها. ويرى متتبعون جزائريون أنه احتفظ على رأس “وزارة الداخلية” ليستمر في تنفيذ مخطط الجنرالات الرامي إلى إيقاف الحراك. لذلك، فإن هذه الحكومة قد فضحت كذب “تبون” عندما تحدث هو وجنرالاته عن أهمية “البرلمان” في وهم ما سماه بـ “الجزائر الجديدة”.
ولقد تلقى “عمار زغماتي” ضربة قاصمة من هذه العصابة، حيث أبعدوه عن وزارة العدل. ويعود السبب في ذلك إلى ما قام في الصراع بين مختلف أجنحة عصابات الجنرالات، ولم يشفع له في ذلك ما قدمه من خدمات، لأنه يتصف بالمكر، وقادر على التحايل على القانون ومساطره، حيث إنه قادر على جعل الظلم عدل، وتحويل العدل إلى ظلم.
ويؤكد خبراء جزائريون أن قراءة متأنية لتشكيلة حكومة الجنرالات هذه، تدل على أن العصابة الحاكمة تتحكم في كل شيء، حيث كان بإمكانها أن تفعل ما تشاء، حتى لو جاءت الانتخابات التشريعية الأخيرة بأغلبية حزبية معينة، لأن أحزاب الموالاة التي شاركت هذه الانتخابات هي أحزاب من صنع السلطة، وليست أحزابا فعلية.
هكذا يتأكد أن عصابة “عبد العزيز بوتفليقة” لم تغادر؛ بل إنها صارت متحكمة في كل شيء، حيث لا يستطيع تبون ولا غيره إحداث أي تغيير، ولو كان شكليا. وتدل عودة “رمضان العمامرة” على الوضع عاد إلى ما كان عليه، وأن نظام العسكر لم يتغير، ولا يريد التغيير، ولا يسمح به. وما يدل على ذلك هو أن حكومات العسكر كلها حكومات شكلية، تتغير فيها الوجوه، دون أن يطرأ أي تغيير على النظام، أو على أرض الواقع. لقد كان “رمضان العمامرة” وزيرا للخارجية في عهد “ًبوتفليقة”، كما أنه تجند للعمل من أجل ترميم نظام “بوتفليقة” في آخر عهده. زد على ذلك أنه خلال الفترة الطويلة، التي كان فيها “وزيرا للخارجية”، قد تم تهريب ألف مليار إلى الخارج، وهذا ما سبق لـ “تبون” أن قاله عن هذه الفترة على قناة الجزيرة.
لا يستبعد ملاحظون جزائريون أن عودة هذه العصابة إلى السلطة قد يدفع بها إلى ممارسة العنف ضد الشعب الجزائري؛ لأن جنرالات هذه العصابة ورجال مخابراتهم لا يؤمنون إلا بالعنف، حيث ما تزال أياديهم ملطخة بدماء الشعب الجزائري منذ “العشرية السوداء”، التي ستظل وصمة عار على جبينهم…
هكذا، فإنه لا فرق بين حكومة “أيمن بن عبد الرحمان” وحكومة “عبد العزيز جراد”، فلا مؤشرات على أنه سيكون هناك تغيير، أو حتى هدف للتغيير.
ونظرا إلى أنه كان هناك حديث، منذ مدة، عن إحداث منصب نائب لوزير الدفاع، فقد كانت الأخبار الرائجة تقول إن الجنرال “سعيد شنقريحة” هو المرشح الوحيد لهذا المنصب، لأنه يمنحه فرصة التحدث سياسيا، لكن هذا لم يحدث. ومع ذلك تبقى هناك علامة استفهام، ستتم الإجابة عنها في المستقبل القريب.
قد يقول قائل: إن بعض أفراد هذه الحكومة يتصفون بالاستقامة، لكن عندما يكون النظام السياسي فاسدا، فإنه لن يكون لهؤلاء أي تأثير؛ بل إنهم سيضيعون في متاهات الفساد والعنف والاستبداد…
خلاصة القول، إن استمرار جذوة الحراك السلمي الحضاري هي الحل الأمكن لإحداث التغيير؛ فقد سبق للحراك أن أطاح بـ “بنظام بوتفليقة وعصابته”، ما يعني أنه قادر مرة أخرى على التعجيل برحيل العسكر؛ إذ إن نظامهم هش يعيش تناقضات خطيرة، جعلتهم ينخرطون في الفتك ببعضهم البعض، ما يعني أن ممارسة الضغط عليهم، سيعمق الشقة بينهم، التي يمكن أن تؤدي إلى تنحية بعضهم للبعض الآخر. كما أن للحراك الشعبي السلمي سمعة عالمية مرموقة، جلبت له تعاطفا دوليا كبيرا، ومساندة واسعة، ما جعله يحظى بسمعة دولية محترمة جدا. أضف إلى ذلك، أن حكام الجزائر قد صاروا منخرطين في كل المؤامرات والدسائس التي تحيكها إيران ضد السلام العالمي، وخصوصا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما جعل حكام الجزائر معزولين دوليا، الأمر الذي يمكن أن يحول دون استعمالهم للقمع الوحشي ضد الحراك، لأن ذلك قد صار مرفوضا من قبل الضمير الجمعي والمنتظم الدولي… ولتحقيق التغيير المنشود، ينبغي أن يفكر الحراكيون ورموزهم في تعميق مشروعهم السياسي وتطوير أدوات للنضال التي تمكنهم من السير قدما نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة؛ فذلك هو الحل الذي يضمن الوحدة الوطنية للجزائريين، ويصون البلاد من الانهيار…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube