بقلم: عمربنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

في إطار المهمة التي أقوم بها تحت إشراف مؤسسة عمومية في مدينة آسفي، التقيت بإطار مسفيوي كان شغله الشاغل أن يقرأ لي تاريخ ويحكي لي مآسي المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت؟ وبصفتي خبير في الإقتصاد والمالية و بعدما اطلعت على معطيات رسمية، تبين لي جليا أن المدينة كانت لتكون في أفضل حال على ما هي عليه الآن!
إليكم خلاصتي.
تقع مدينة آسفي على المحيط الأطلسي، بين مدينتي الجديدة والصويرة. فإلى حتى الأمس القريب، كانت تلقب بعاصمة جهة دكالة عبدة، قبل أن تُضَمّ إلى جهة مراكش آسفي.
كانت تحتل آسفي مكانة مهمة في الإقتصاد الوطني، وتموقعت كقطب صناعي على الصعيد الوطني. حيث حباها الله بموقع جغرافي استراتيجي و ثروات منجمية ( الفوسفاط، الجبس، البارتين) و واجهة بحرية مطلة على المحيط الأطلسي، كلها مؤهلات ساهمت في استقطابها لأنشطة اقتصادية في قطاعات متنوعة و منتجة ومشغلة (معالجة وتعليب الأسماك، المطاحن، استغلال الثروات المنجمية..). ففي سنة 2014، كانت أسفي تساهم في القطاع الصناعي ب12.7% من مجمل الاستثمارات على الصعيد الوطني، و صادرات المدينة كانت تشكل 8.3 % من مجموع الصادرات الوطنية نحو الخارج. لكن في سنة 2020، عزفت الأرقام بألحان خارج الإيقاع حيث لم تعد تساهم في القطاع الصناعي إلا ب4 % من مجمل الاستثمارات على الصعيد الوطني، و الصادرات أصبحت تشكل 3 % من مجموع الصادرات الوطنية نحو الخارج.
حاليا، وحسب معطيات إدارية، تتمركز بآسفي حوالي 75 مؤسسة صناعية، تشغل حوالي 7000  عامل، أما رقم المعاملات فيقدر بحوالي 1.3 مليار درهم.
ومن بين الصناعات التي تتميز بها مدينة آسفي نجد: الصناعات الغذائية، صناعات النسيج والصناعات التحويلية وخصوصا منها الفوسفاطية. هذه الصناعات التحويلية تعتبر الأهم حيث تقوم بتحويل 6 مليون طن سنويا، لكنها ملوثة للبيئة مقارنة بالصناعات الأخرى. تليها بعد الصناعات الكيماوية، الصناعات الغذائية التي تشكل منتجاتها 7% من الإنتاج الصناعي الإقليمي، ثم الصناعات المعدنية والميكانيكية، وأخيرا صناعات النسيج والجلد. أما قطاع التجارة والخدمات، فهو يتبوأ مكانة هامة، إذ تكمن أهميته في مزاولته من طرف 27 % من الساكنة المسفيوية النشيطة.
وتعد الصناعة التقليدية نشاطا مهما في الإقتصاد الوطني والمحلي، إذ تساهم بنسبة 6 % من الناتج الداخلي الخام مقابل 10% في فترة ما قبل كورونا، وتلعب دورا فاعلا في إبراز الموروث الثقافي والفني للساكنة. وفي زيارة لسوق الخزف دليل على موهبة الحرفيين المسفيويين في الفخار والخزف، والنسيج التقليدي ( الدرازة، الزرابي، الخياطة التقليدية). حيث تبقى صناعة الفخار والخزف، الصناعة الحرفية الأكثر انتشارا في المدينة، ويمكن اعتبارها قطب الفخار والخزف على الصعيد الوطني. 
و بسبب توافر الثروة السمكية التي يزخر بها ساحل آسفي، و وفرة اليد العاملة، اهتم الرأسماليون المغاربة و الأجانب بالاستثمار في صناعة الصيد البحري وتعليب السمك، وتعددت بها المصانع إلى أن وصلت إلى ثمانين وحدة، لكن سرعان ما بدأت بوادر أزمة تهدد الصناعة السمكية بآسفي، بسبب الانخفاض المستمر للإنتاج، الناتج عن تلوت ساحل المدينة وهجرة الأسماك نحو السواحل الجنوبية. فبعد أن كان ميناء  آسفي أول مصدر للسردين في العالم والمشغل الأول بالإقليم إلى جانب وحدات التعليب، أصبح اليوم يتراجع بوتيرة قصوى لا يمكن الحد منها إلا بمشروع تهيئة صناعية على المدى القريب. وهذا ما يعاتب على لجنة النموذج التنموي التي لم تعطي رؤى قابلة للتنفيذ على المدى القريب جدا خلال الزيارة الأخيرة لبعض أعضاءها و تفاعلهم مع المجتمع المدني في 24 يونيو الماضي.
اما فيما يخص قطاع المعادن، فتعتبر آسفي اهم منطقة مغربية مصدرة للمعادن، إذ يزخر باطن أرضها بثروات طبيعية هامة، مثل الجبس و البارتين، كما كانت تشكل آسفي ثاني مدخر من الثروة الوطنية للفوسفاط بعد إقليم خريبكة. وبسبب هذه الثروة تم إنشاء المركب الكيماوي بآسفي كأضخم مشروع صناعي بالمغرب. وبفضل هذا، تمكنت خزينة الدولة من تحقيق عائدات كبرى بالعملة الصعبة. ورغم كل هذه الثروة التي تتوفر عليها آسفي، تصنف المدينة ضمن المدن الصناعية المتأزمة رفقة خريبكة وجرادة. وتتميز التركيبة السكانية لمدينة آسفي بأهمية الفئة العمرية للشباب،
بمعنى أكثر من اثنين على ثلاثة ينتمي إلى هذه الفئة، وحسب آخر إحصاء عام للسكان والسكنى، يعتبر القطاع الخاص مزودا رئيسيا للمدينة ( 50% من الأجراء يعملون في القطاع الخاص)، في حين أن نسبة أجراء القطاع العام تمثل 20%. وهذا ما يشكل واحدة من خصائص مدينة آسفي باعتبارها مدينة الأجراء. ويبلغ معدل النشاط المحلي حسب معطيات غرفة التجارة والصناعة و الخدمات إلى 48%. أما معدل البطالة بالمدينة فيبلغ 25%، وحسب الجنس يبلغ معدل البطالة لدى الذكور 20% ، بينما يبلغ عند الإناث 40%. وهذا الإرتفاع راجع بالأساس إلى كون المدينة مقصية تماما من البرامج الحكومية التنموية الكبرى، فضلا عن أنها الدجاجة التي تبيض ذهبا، تنتج الثروة ولا تستفيد منها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن إدارة الفوسفاط بآسفي لا تساهم في عمليات تشغيل حاملي الشهادات من التقنيين وخريجي مراكز التكوين، رغم إحالة العديد من العمال على التقاعد. وكان من المفروض أن تقوم إدارة الفوسفاط بجزء من المسؤولية الملقاة على عاتقها، بتوظيف حاملي شواهد التكوين، وامتصاص البطالة المتفاقمة بالمدينة، غير أن مسؤولي هذه الإدارة شكلوا ومنذ سنين استثناءا بآسفي، وكأن قدر هذه المدينة مع هذه المؤسسة لا يعدو نفت و طرح التلوث في سمائها ومحيطها. كل ذلك جعل آسفي على رأس المدن التي تعرف نسبة بطالة عالية من حاملي الشهادات، بطالة تعشش في كل بيت وأسرة.
ولعل ما يحز في النفس بآسفي هو أن تجد العديد من المسؤولين والمنتخبين من الكائنات السياسية التي ابتليت بها المدينة، يتصرفون في أموال عمومية بالملايير، وهم ممن لم يستطيعوا تجاوز عتبة الإبتدائي أو الثانوي أو ممن تحصلوا على الشهادة الإبتدائية بطرق ملتوية، و اتخذوا العديد من المؤسسات والجماعات أوكارا لهم، ولم يعملوا إلا على تنمية الجيوب والأرصدة البنكية الشخصية بدل العمل على تنمية المدينة، حتى تحطمت سفينة تنميتها. بينما لا يملك الشباب المتعلم خريجو المعاهد ومراكز التكوين والجامعات، حتى ثمن تذكرة السفر للذهاب للاعتصام في الرباط لعله يلقى آذانا صاغية. فالتدبير والتقشف هما الفضيلتان الغائبتان عن المسؤولين، ومعنى ذلك أن المال العام بآسفي، لم يكن له أي اعتبار في تقاليد المسؤولين. فكان التبذير هو سيد الموقف، إذ يتصرف المسؤولون فيه بالمنطق نفسه الذي كان يتصرف به عمال وأمراء السلاطين في” خزينة الأموال ” إبان العصور الخالية، على حساب المستضعفين من الفقراء والمعطلين.
ونعتقد أن لا أحد بآسفي يستطيع أن يحسب مظاهر البذخ والإسراف وإنفاق المال العام في غير ما رصد له، ولا أحد يستطيع أن يشك في ظاهرة البيع والشراء في المناصب من قبل السماسرة، ولا أحد يستطيع أن يشكك في الزبونية والمحسوبية والمحزوبية التي عرفتها عمليات التشغيل في العديد من القطاعات بآسفي، بحيث أنه لو قدر لقانون من أين لك هذا؟ أن يخرج إلى حيز الوجود، ونحسب من مقتضياته من أين لك بذلك المنصب؟ لما وسعنا ملعب المسيرة الخضراء لكل هؤلاء على حد قوله.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube