محمد بوبكري

احتفل الشعب الجزائري مؤخرا بالذكرى التاسعة والخمسين لاستقلال الجزائر، حيث يسجل الملاحظون الجزائريون أن السجون الجزائرية غاصة بمعتقلي الرأي في هذه الظروف، ما جعل جنرالات الجزائر يكشفون عن أنهم أكثر بشاعة من الاستعمار. كما تتميز هذه الظرفية بخطابات تزور التاريخ، حيث أصبح الخائن مجاهدا والشهيد خائنا. أضف إلى ذلك أن ” نور دين آيت حمودة” قد تم اعتقاله من قبل الجنرالات، لأنه وجه تهما إلى “الأمير عبد القادر”، و”مصالي الحاج، و”هواري بومدين”، ما اعتبره حكام الجزائر تطاولا على الشهداء والرموز. ويرى بعض العارفين بالتاريخ المعاصر للجزائر أن سبب اعتقال “نور الدين آيت حمودة”، الذي هو ابن الشهيد “العقيد عميروش”، راجع إلى فضحه لهواري بومدين” الذي توطأ مع الإدارة الاستعمارية وزرع عملاءها في جيش الحدود، وأقصى آباء حركة التحرير الجزائرية، وحرف اختياراتهم السياسية، وبذلك تمكن من الاستيلاء على السلطة، واستطاع وضع أسس نظام عسكري مستبد… ويضيف باحثون آخرون أن هناك سببا آخر وراء اعتقال ابن الشهيد ” العقيد عميروش”، وهو أن “نور الدين آيت حمودة” قد دعا إلى استقلال “منطقة القبايل”، الأمر الذي يرفضه الجنرالات، فصاروا ينتقمون من كل من يطالب بذلك.
وكرد فعل على تصريحات ” نور الدين آيت حمودة”، قام حكام الجزائر بالدفع بـ ” إسماعيل ميرة” ابن الشهيد “عبد الرحمان ميرة” للتطاول على الشهيد ” أمزيان مهني” والد “فرحات مهني” زعيم حركة “الماك”، التي تطالب باستقلال منطقة “القبايل”. وقد قال “إسماعيل ميرة” على شاشة قناة مشبوهة:” إن” أمزيان مهني” لم يمت شهيدا، وإنما أعدمته ثورة التحرير التي كلفت الشهيد “الشهيد العقيد عميروش” بإعدامه، ما يفيد أنهم يريدون الطعن في استشهاده دفاعا عن استقلال الجزائر. ونظرا لكون الشهيد “أمزيان مهني” يتميز بميزتين أساسيتين تشكلان عقدة للعسكر: فهو شهيد حركة التحرير الجزائرية، التي انخرط جنرالات جزائر اليوم في محاربتها من داخل الجيش الاستعماري الفرنسي، الأمر الذي يشكل عقدة لهؤلاء الجنرالات، الذين كانوا مجرد خونة للوطن والشعب… أما الميزة الثاني، فتتمثل في أن هذا الشهيد قد كان مناضلا من أجل حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق اللغوي والثقافي الأمازيغيين لأهالي “منطقة القبايل”، حيث كان من أوائل من انخرطوا باكرا في الدفاع عن هذين الحقين. ورغم أنه تم الاعتراف بهما ودسترتهما، فإن مؤامرة الجنرالات للنيل من الشهيد “أمزيان مهني”، تقدم دليلا على أنهم لا يعترفون، عمليا، في أعماقهم بشرعية هذين الحقين، لأن نزعتهم العصرية تحول دون ذلك.
ويرى خبراء جزائريون أنه نظرا للنزعة القومجية والسلفية لـ”هواري ببومدين”، فإنه قد قام بترسيخ هاتين النزعتين في ثقافة المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تقدسه، ما جعل الجنرالات يحقدون على “منطقة القبايل” وثقافتها ولغتها. وهذا ما يفسر حقد الجنرالات على هذا الشهيد، لأنهم يعتبرونه أبا فكريا للحركة الأمازيغية القبائلية الجزائرية….
ونظرا لكون هذا الشهيد هو والد “فرحات مهني”، فقد سار الابن على نهج الأب. وبما أن الجنرالات قد عملوا طوال تاريخيهم على إقصاء “منطقة القبايل” وتهميشها، فقد انتقل “فرحات مهني” من المطالبة بالاعتراف بالحق اللغوي والثقافي الأما زيغيين إلى المطالبة بـ”الحكم الذاتي لمنطقة “القبايل”. لكن حكام الجزائر استمروا في احتقار هذه المنطقة وإقصائها، وممارسة مختلف الأساليب العنف والعنصرية ضدها، الأمر الذي دفع هذا الرجل إلى المطالبة باستقلال هذه المنطقة. وقد أكد تطور الأحداث أن الشعب الجزائري قد بات يطالب بالاستقلال عن نظام العسكر الذي لا يتوقف عن ممارسة العنف والنهب والتفقير واحتقار الشعب الجزائري. ولقد كان الحراك ورموزه على صواب عندما طالبوا بإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، الأمر الذي يبدو، محليا ودوليا، حلا نهائيا للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها جزائر اليوم، حيث أصبح العالم مقتنعا مع هذا الحراك الحضاري بضرورة رحيل نظام العسكر. هكذا، فقد وحد هذا الحراك الشعب الجزائري، حيث احتضنت “منطقة القبايل” تظاهرات الحراك ومسيراته عندما منعها الجنرالات ومخابراتهم في مختلف المناطق الجزائرية، ما يعني أن فكر الحراك ومطالبه سترسخ الوحدة الوطنية الجزائرية، إذ إن الديمقراطية هي الحل. لذلك، فإن رحيل نظام العسكر وإقامة نظام ديمقراطي بديلا له، سيجعل حركة “الماك”، المطالبة باستقلال “منطقة القبايل”، تتخلى عن المطالبة اختيار الاستقلال، لأن أهاليها قدموا تضحيات جسام من أجل استقلال الجزائر، وهم ضد نظام العسكر واستبداده وجبروته، كما أنهم، في العمق، مع وحدة الجزائر.. فعنف نظام العسكر وطغيانه هو ما جعلهم يطالبون باستقلال هذه المنطقة، الذي يغني في العمق التخلص من نظام العسكر…
ويؤكد تطاول “إسماعيل ميرة” وجنرالات الجزائر على الشهيد “أمزيان مهني”، أن الجنرالات ما يزالون مستمرين في تزوير التاريخ الجزائري بهدف النيل من الوطنيين الجزائريين، حيث يدعون أن ثورة التحرير هي التي أعدمته. ويعود سلوك الجنرالات هذا إلى أنهم يريدون الانتقام من “فرحات مهني” عن طريق التجني على والده.. هكذا، فإنهم لا يمتلكون أية قيم إنسانية، لأنهم يسعون إلى الانتقام من الأحياء عبر الانتقام من الأموات…
وللتدليل على افتراء ” إسماعيل ميرة” على الشهيد “أمزيان مهني” نسوق الحجج الآتية:
إن العقيد “عميروش ” قد استشهد سنة 1961 قبل استشهاد الشهيد ” أمزيان مهني”، ما يؤكد أن هذا العقيد لم يعدم الشهيد “مهني”.
يؤكد العارفون بتاريخ ثورة التحرير الجزائرية أن الشهيد “مهني” كان يعيش في مدشر في منطقة “القبايل” يعرفه محيطه بكامله، ما يعني أنه لم يكن يعيش في مدينة كبيرة لا يعرف الناس فيها بعضهم البعض، حيث كان الشهيد معروفا في هذا المدشر المجاهد ومحيطه. ولما استشهد، كان رجال المدشر غائبين، ما طرح مشكلة في تنظيم مراسيم دفن الشهيد، لأن النساء لا يستطعن تنظيم ذلك.
أضف إلى ذلك، أنه لما توفي هذا الشهيد، كان ابنه “فرحات” في سن العاشرة، فأخذوه إلى مركز لأبناء الشهداء، ما يفند كذب “إسماعيل ميرة”، لأنهم أخذوا فرحات إلى هذا المركز لكونه ابن شهيد، ما يؤكد أن “أمزيان مهني” قد سقط شهيدا.
وللتدليل على نزاهة “فرحات مهني”، يؤكد متتبعون أن هذا الرجل لم يقم باستغلال استشهاد والده من أجل الاستفادة من الريع، كما فعل الكثير من أبناء الشهداء، حيث لم يسجل عليه أنه قام باستغلال الموقع الرمزي لوالده من أجل أية استفادة شخصية.
وإذا كان هذا الرجل قد طالب باستقلال “منطقة القبايل”، فإن الشعب الجزائري قد طالب باستقلال الجزائر عن نظام الجنرالات، لأنه يعتبر أن العيش تحت هذا النظام هو عيش تحت الاستعمار، إذ إن النظام العسكري، بعنفه ونهبه، هو مجرد استعمار. وما جعل الشعب الجزائري يدرك أنه لم يحصل على الاستقلال مع نظام العسكر الذي كرس الظلم والطغيان، فأبان عن جبروته، حيث تصرف بكونه مستعمرا، لكن الشعب الجزائري قد رد على جبروته بمطالبته بالرحيل.
تبعا لذلك، يقوم الجنرالات بتزوير التاريخ من أجل التخلص من الشرعيات الرمزية التي ما تزال تحاصرهم وتزعجهم لأنهم لا يمتلكون أي ماض وطني، ما يدل على ضعفهم وهشاشتهم أمام كل ما ومن يرمز إلى ثورة التحرير ضد الاستعمار، حيث نصبوا على الشعب بالكذب والتآمر.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube