بقلم : عصام لكرد

لعل أغلب المتتبعين للشأن المغربي يصنفون الدبلوماسية المغربية على أنها دبلوماسية تقليدية و لم تطور من نفسها على غرار الدول الأخرى التي تعتمد كثيرا و بشكل أساسي على الخرجات الإعلامية كوسيلة لإيصال مواقفها و التعبير عن رأي الدولة على المستوى الخارجي، و قد تكرس هذا الطرح في الأزمة المغربية الإسبانية التي لا زالت مستمرة حيث نلاحظ أن إسبانيا جيشت وسائل إعلامها المكتوبة، المرئية و الإلكترونية لإظهار مواقفها للرأي العام المحلي، الأوروبي و الدولي، إضافة إلى بيانات تكاد تكون شبه يومية من الخارجية الإسبانية و من رئاسة الحكومة و كذلك المؤتمرات الصحفية التي لا تخلو من أسئلة حول الأزمة القائمة.
في الجانب المقابل، الخارجية المغربية لا تتسرع البتة في إصدار البيانات و تتعامل بروية و حكمة تربك حسابات الآخرين و تجعلهم في حيرة من أمرهم، و هذا ما نلمسه في عدم القيام بأي رد دبلوماسي حقيقي من المغرب إزاء مغادرة زعيم الإنفصاليين للتراب الإسباني كما ولجه، و قال المغرب في بيان سابق أنه المملكة المغربية سترد بالكيفية التي تراها مناسبة و في الوقت المناسب.
و الدور الدبلوماسي لا يقتصر فقط على وزارة الخارجية، بل هناك دبلوماسية من أنجح الدبلوماسيات التي تؤتي ثمارها في كل مرة، و هي الدبلوماسية الملكية المشهود لها تاريخيا بالثبات في المواقف و الصرامة في التعامل و الدقة في إصابة الأهداف المتوخاة، و لعل الأحداث حبلى بالأمثلة الشاهدة على ذلك و آخرها كان الإعتراف الأمريكي بسيادة المغرب غير القابلة للنقاش أو المزايدة على صحرائه، و ما يحمله هذا القرار من ثقل سياسي و دبلوماسي كبير لأن صناع القرار في أمريكا ليسوا من السذاجة بمكان ليقدموا الإعترافات أو يصدروا القرارات بشكل إعتباطي و عشوائي، و هم العارفون بأن المغرب رقم صعب في المعادلة الدولية و الإقليمية.
و لعل جائحة كورونا حددت الموقع الذي يحتله المغرب في السياق العالمي، و ظهر المغرب كقوة عالمية صاعدة إستطاعت بحكمة و تبصر جلالة الملك محمد السادس من التموقع بالشكل الصائب في المشهد الدولي، حيث أغلقت المملكة الحدود قبل إنتشار الكارثة الوبائية، و حصلت على التلقيح في وقت لم تحصل فيه حتى أعتى الدول على جرعات من اللقاح المضاد لكوفيد 19, بل و الأكثر من ذلك أصبح المغرب قبلة لصناعة التلقيح بإمتياز من خلال توقيعه لإتفاق مع شركة سينوفارم العالمية الصينية لتصنيع اللقاح و توزيعه فيما بعد حال تحقيق الإكتفاء الذاتي المحلي، و غير ذلك من الأمثلة التي لن أستطيع حصرها في مقال واحد.
لكن مؤاخدتي ستنصب بالأساس على نوعين آخرين من الدبلوماسية، و هي الدبلوماسية البرلمانية و الدبلوماسية الشعبية و اللذان لا يسيران بشكل متوازي و متوازن مع الدبلوماسية الملكية و السياسة الخارجية التي يقود دفتها على الصعيد الوزاري السيد ناصر بوريطة، فالبرلمان لا نراه ذلك المصارع الشرس الذي يذود عن المواقف بالشكل المطلوب و لا يحرك بالكيفية المثلى آلياته للتواصل مع نظرائه في العالم، فالمشاهد التي عهدها المتابع للشأن البرلماني تقتصر فقط على الصراعات الحزبية و التلاسن داخل الجلسات العمومية أو في اللجان الداخلية بين الأغلبية و المعارضة، اللهم إن أصدر البرلمان بمجلسيه بيانا تنديديا بشأن قضية من القضايا، و هذا لا ينفي وجود سياسيين شرفاء لا يدخرون جهدا من أجل الدفاع عن المصالح الوطنية غير قابلة المساومة.
و في سياق متصل، الدبلوماسية الشعبية يبقى دورها محتشما جدا، فالمجتمع المدني يحتاج للمزيد من التأطير و يحتاج لإعادة ترتيب أولوياته حتى يشكل قوة الضغط الناجعة لإيصال صوت الشعب المغربي بشأن قضاياه الوطنية العادلة كقضية الصحراء المغربية و قضية الثغور المغربية المحتلة من طرف إسبانيا، و مسؤولية الأحزاب السياسية تبقى كبيرة في مواكبة المواطنين و القيام بالدور المنوط بهم من تأطير و تحسيس، و كنت أتمنى لو أن الأحزاب دعت لمسيرات مليونية مناصرة للمغرب في أزمته مع الجارة الشمالية، لكن لا شيء حصل.
و هناك نقطة ضوء لا يجب إغفالها و هي التحرك المكثف للمغاربة في وسائل التواصل الإجتماعي و الذين يقومون بواجبهم بكل وطنية و مسؤولية و نكران للذات، بإستخدام منشورات مختلفة و بإستعمال سلاح إلكتروني فعال جدا في عصرنا الحالي و هو سلاح ” الهاشتاج ” الذي يخترق الحدود الإلكترونية و الجغرافية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube