زهير دادي

نشر موقع “آشكاين” الإلكتروني يوم الإثنين 24 مايو 2021 خبرا بعنوان “الساسي ومجاهد يتزعمان تيارا جديدا يطالب برأس منيب”، وهو الخبر الذي بقي يتيما، دون أن يجد قيادة أو قاعدة حاضنة له، بل ولم يخرج الزعيمان بأي تصريح ينفي أو يؤكد صحة الخبر، وهو الخبر الذي يمكن اعتباره، هامشيا في عموميته، ذلك أن هاته المناورة/الحركة التصحيحية قد جاءت في الوقت الخطأ، وفي زمن أفول الزعامات وظهور منطق التدبير الجماعي. إن الوتيرة التي عرفها الحزب في عهد نبيلة منيب، جعلت العديد يتراجع عن الكوكبة، لأنهم لم يستطيعوا مواكبة الإيقاع المرتفع الذي فرضته القيادة النسائية ومجموعة من الطاقات المؤسسة التي ما تزال صامدة ووفية للخط السياسي، وهي الكوكبة التي تعززت بمجموعة من الوجوه الشابة التي فرضت طاقتها الخلاقة واحترامها على الجميع. هذا التناغم بين النساء والرجال وبين الأجيال؛ جيل الرعيل الأول وجيل الشباب، هو الذي ينبغي أن نفتخر به داخل الحزب الاشتراكي الموحد.

لقد كان محمد الساسي ومحمد مجاهد من الرفاق الذين ساهموا في الوحدة وأسسوا لها تنظيرا وممارسة، وبالتالي فإن الخروج من منطق التجميع وتقريب وجهات نظر المكونات إلى المعارضة في الهزع الأخير من الليل يعد نكوصا وتراجعا لا يخدم تاريخ الرفيقين ولا يخدم فلسفة الحزب المبنية على الوحدة. مع ذلك، وبعد مدة من التواجد داخل الأغلبية خاصة بالنسبة لمحمد الساسي، فإن هذا الأمر، لا يصادر حقه في أن يتمترس في المعارضة وإن كان السياق الحزبي لا يحتمل ذلك. إن الحركة التصحيحية التي أعلن عنها الرجلان، قد اعتبرتها القصاصة الإخبارية بمثابة تيار جديد. والحزب الاشتراكي الموحد، من الأحزاب التي شرعنت لنظام التيارات في قانونها الأساسي. لقد ورد في المادة التاسعة والعشرين من القانون الأساسي ما يلي: “يمكن لأعضاء من الحزب يتفقون على أرضية مشتركة تتضمن أفكارًا أساسية ومقترحات برامج، أن يشكلوا تيارا سياسيا”. فهل ما قام به الرفيقان يندرج ضمن الباب الخامس من النظام الأساسي ويتقيد بمواده؟. المادة الموالية من النظام الأساسي تشرح ذلك بتفصيل، خاصة الفقرة الثانية منها. غير أن ما ورد في هذه المادة لا ينطبق تماما مع ما هو ظاهر إلى حدود الساعة، ذلك أن التيار لم يقدم أرضية مكتوبة وموقعة إلى سكرتارية المجلس الوطني، ولم يحصل على تمثيلية بالمجلس الوطني ولا بالمكتب السياسي، ولم يصادَق على الأرضية من قبل خمسة بالمائة من أعضاء المجلس الوطني الذي لم ينعقد بعد، وهو الأمر الذي يجعل التيار غير شرعي بقوة النظام الأساسي الذي صادق عليه المؤتمر الأخير.

إن القول بأن الحركة التصحيحية تريد رأس منيب، لا يعدو أن تكون عبارة عن بُوزٍ صحفي لاستعطاف القراء من قبل الجريدة الإلكترونية. هذا ما يمكن افتراضه بداية وبحسن نية. أما وإذا كان الأمر صحيحا، فإن الحركة التصحيحية في الأصل تأتي تاريخيا من أجل تقويم الاعوجاجات والانحرافات التي تسقط فيها القيادة الحزبية بسبب التدبير، وبالتالي فهي تروم تصحيح الانزلاقات والابتعاد عن المرجعية التي يتبناها الحزب. قد يحدث هذا فعلا، وفي التاريخ ما يثبت ذلك من خلال تجارب حزبية يسارية وغيرها. غير أن الحركة التصحيحية ها هنا، لم تشر إلى طبيعة الانزلاقات، بل ولم تشر إلى الأخطاء الجماعية للقيادة الحزبية الحالية، بل ذهبت مباشرة إلى المطالبة برأس منيب، ما يعني أن الحركة التصحيحية، لها مشكل شخصي مع الأمينة العامة الحالية للحزب الاشتراكي الموحد الرفيقة نبيلة منيب.

إن من يمارس يخطئ بالضرورة. هذه قاعدة معروفة. فهل أشارت الحركة التصحيحية إلى الأخطاء “الجسيمة” التي وقعت فيها نبيلة منيب لكي تتم المطالبة بتصحيحها؟. قبل التصحيح والتقويم والتدارك، لا بد من التشخيص، لا بد من التدقيق في تحديد الأخطاء، لكي يقتنع الرفيقات والرفاق بطبيعة هاته الحركة التصحيحية ويلتفوا حولها. إن الحركة التصحيحية التي تكون مبنية على تشخيص دقيق للمرحلة، لا بد وأن تجد لنفسها مؤيدات ومؤيدين داخل الحزب وخارجه، والحال أن الحركة المعلن عنها، قد ولدت يتيمة بدون قيادة قادرة على أن تفصح عن نفسها بشكل علني، لكي يعرف الرأي العام الحزبي طبيعة المبادرة في وضح النهار، بعيدا عن كواليس الليل وكولسة الأشخاص. وإذا كانت الحركة التصحيحية قد شخصنت المشكل في شخص الأمينة العامة، فإنها ولسوء الحظ قد شخصنت نفسها في المقابل في شخصين لا ثالث لهما: محمد الساسي ومحمد مجاهد.

لقد تحدثت القصاصة الإخبارية عن أزيد من ثمانين من مناضلات ومناضلي الحزب الذين اجتمعوا من أجل الخروج من شرنقة التخفي إلى حمل معول التصحيح في وجه الأمينة العامة. والحال، أن الرفيق محمد مجاهد بدوره، وفي القصاصة نفسها، لم ينف ولم يؤكد طبيعة الخبر، غير أنه اعتبره “شأنا داخليا”، ما يعني أنه يقر بالخبر مع التحفظ على إبداء الرأي للصحافة. فأي حركة تصحيحية هاته، وهي لا تستطيع كشف النقاب عن أسماء متزعميها؟. وهي الحركة نفسها التي يتزعمها محمد الساسي، والتي تود مراسلة سكرتارية المجلس الوطني للحزب التي يترأسها محمد الساسي نفسه من أجل عقد دورة للمجلس الوطني. ولأن الحركة التصحيحية لم تفصح بعد عن أهدافها باستثناء المطالبة برأس منيب الذي يبدو مطلبا نفسيا أكثر منه سياسيا أو تنظيميا، فإنه من الواجب علينا أن نطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن تؤطر النقاش العام المستقبلي حول الحركة.

ماهو الغرض الرئيس من الحركة؟ كم هو العدد الحقيقي للموقعات والموقعين على الوثيقة؟ هل دبجت الحركة بلاغا تأسيسيا أو وثيقة توجيهية لها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل أرسلت الحركة نسخة من البلاغ أو الوثيقة إلى المعنية المباشرة بالأمر الرفيقة نبيلة منيب؟ هل تم مراسلة المكتب السياسي بصفته جهازا تنفيذيا؟ هل تم مراسلة سكرتارية المجلس الوطني من أجل تحديد جدولة زمنية لعقد مجلس وطني عادي أو استثنائي لتدارس الوثيقة؟ بعبارة أخرى، هل راسل محمد الساسي متزعم الحركة محمد الساسي منسق السكرتارية؟ من العقل المدبر الحقيقي للحركة الساسي أم مجاهد؟ كيف لرفيقين من مكونين مختلفين أن يتحالفا ضد رفيقة من مكون ثالث؟ هل الحركة تستهدف نبيلة منيب مباشرة؟ هل الحركة تستهدف أحد المكونات الأساسية في الحزب وهي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي؟ هل جاءت الحركة من أجل الضغط أكثر وأكثر قصد تسريع وتيرة الاندماج؟ هل تحمل الحركة شعار “ديگاج”؟ هل تحمل شعار “الآن وهنا”؟ هل حاد الحزب عن مساره لكي نحتاج إلى حركة تصحيحية؟ هل يكمن المشكل في الأجرأة وعدم القدرة على تفعيل القرارات من قبل القيادة، أم في قصور أرضية الأفق الجديد بصفتها أرضية الأغلبية؟ ألا يمكن القول بأن المشكل يكمن في الأرضية التي سقطت بعد عامين من المؤتمر فقط، لأنها لم تستطع استشراف الأربع سنوات من عمر الولاية؟ وإذا كان الأمر يتعلق بالأرضية لا بأجرأتها. ألم يكن محمد الساسي من الأساسيين الذين سهروا على كتابة الأرضية والتنظير لها؟ ألم يكن الرفيق محمد مجاهد مساهما كذلك في الأرضية المؤطرة للأغلبية؟ وفي هذه الحال، ألا ينبغي جلد الذات أولًا عن هذا القصور الفظيع؟ ألا ينبغي الاعتراف بالفشل في القدرة على استشراف المستقبل؟ هل نبيلة منيب سيئة لكي نطالب برأسها قبل انعقاد المؤتمر الخامس، أم أن الأرضية هي الأسوأ ووجب تطعيمها باجتهادات تسد هول الفراغ؟ هل يتعلق الأمر بسوء تدبير الأمينة العامة أم بشيخوخة المنظر الفكرية؟

أسئلة وغيرها كثيرة يمكن أن تُطرح في السياق ذاته، وهي الأسئلة التي ينبغي أن نجيب عنها بدون لف ولا دوران. هي أسئلة معقولة وجدية، بعضها يجيب عن نفسه وأجوبته ثاوية داخله، وأخرى تتطلب جرأة من هؤلاء من أجل الخروج من ظلام الليل إلى وضح النهار. وإذا كان كل من محمد الساسي ومحمد مجاهد معنيان بشكل مباشر بهذه الحركة مادام أن اسميهما قد ذُكرا في القصاصة الإخبارية، فإن المعني الثالث هو محمد حفيظ الذي دأب على كتابة البلاغات الشخصية والرسائل والمقالات كلما رأى أن هناك خطرا ما يتهدد الحزب. فهل يجرؤ الآن على اتباع عقيدته في الكتابة ومساءلة رفيقه في مكون الوفاء للديمقراطية عن صحة الحركة التصحيحية، بل ويطلب منه الخروج ببلاغ إلى الرأي العام الحزبي والوطني يؤكد أو ينفي صحة وجود الحركة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *