مع غرامشي(9)

تطور مفهوم اليسار (3)

محمد المباركي

6 – بدالية الصراع الاجتماعي والاقتصادي بين الليبيراليين والاشتراكيين في القرن التاسع عشر

في خضم هذه الصراعات الاجتماعية التي كان حافزها اقتصاديا في إنجلترا وسياسيا في فرنسا تمخضت عدة نظريات فكرية، سياسية واقتصادية حول تطور المجتمع الرأسمالي وذلك عبر صراعات حادة وعنيفة بين أتباع النهج الليبرالي ومناصري النهج الداعي الى اقرار مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية بالتقسيم العادل للإنتاج الصناعي والفلاحي. ان هذه الصراعات ستظل قائمة منذ نشأة الانتاج الرأسمالي الى يومنا هذا، بين دعاة الليبرالية أي الاستغلال والانتاج الحر ودعاة الاشتراكية المجسد في الاتجاه اليساري.

في عام 1815 عرفت الرأسمالية أول أزمة اقتصادية لها في انجلترا، وكان ذلك رد فعل طبيعي، لأن الثورة الصناعية قد ظهرت أول ما ظهرت بإنجلترا. كرد فعل لهذه الأزمة الاقتصادية التي تركت آلاف العمال وعائلاتهم فريسة الفاقة والتشرد دفع الاشتراكيين الأوائل في انجلترا الوقوف ضد المذهب الليبرالي المتفائل الذي دشنه آدم سميت ثم ريكاردو اللذين مجدا التبادل الحر، كونه يوفر السعادة والمساواة والعدالة الاجتماعية. كما واجه الاشتراكيون الإنجليز الأوائل الليبيرالية المتشائمة التي مثلها مالتوس الذي كان يرى في تكاثر التناسل سيجر الانسانية الى الهلاك بسبب نقص وسائل العيش بالنسبة للسكان تفشي الرذيلة والاجرام. ويمكن القول أن روبيرت أوين كان أول داعية للاشتراكية بإنجلترا حيث شرح منظوره في كتاب نشره عام 1812 ” نظرات جديدة في المجتمع أو دراسة عن تشكيل الروح الانسانية “، الذي يدعي فيه أن الانسان حر وأنه نتاج محيطه وبيئته. لذا اذا تم تحسين الوسط/المجتمع الذي يعيش فيه تم تشييد مملكة السعادة و مملكة الفضيلة. من أجل تطبيق نظريته قام أوين بتجربة اجتماعية واسعة عبر تأسيس تعاونية ملحقة بالمعامل، مع تخفيض ساعات العمل كما بني المدارس لأبناء العمال. يمكن القول أن اشتراكية أوين كانت مثالية و انسانية. وعكس الاشتراكيين الراديكاليين كان يرى أوين أن للدولة دور أساسي في خلق مجتمع الإخاء والسعادة.

لقد تشكل الحزب الراديكالي البريطاني عام 1818 وطالب منذ النشأة إدخال اصلاحات جذرية على الدستور لتضمينه حقوق العمال. ولقد قام الحزب الراديكالي البريطاني بإضرابات واسعة إلا أن المحافظين استطاعوا اخماد مطالب العمال.

يمكن القول أن مفهوم الشيوعية بشكل مثالي، جاءت به الحركة العمالية البريطانية عبر طرح توماس هودشكين الرافض للرأسمالية بدعوى المساواة و أن هناك حقا طبيعيا للإنسان في حريته و بالتالي فالحق الوضعي الذي يمكن أن توفره له الدولة أو غيرها لا معنى له.

أما الحركة العمالية الفرنسية فلم يظهر مفعولها الا بعد عشرينات القرن التاسع عشر والتي ظلت متأثرة بثوره 1789 تأثيرا كبيرا، سواء ما خص مناهضة اللاهوت والعدالة الاجتماعية والتشبث بنظام الحكم الجمهوري. هكذا ستقوم التنظيمات السرية العمالية بثورة 1830 ضد الملكية، التي استرجعت نفوذها بعد هزيمة جيوش نابليون عام 1815، والتي قمعت، لكنها – أي التنظيمات العمالية ذات النزعة الاشتراكية – ستستمر في نضالها وتنجح القيام بثورة 1948 التي أطاحت نهائيا بالنظام الملكي. خلال هذه الفترة المطبوعة بانتفاضات وثورات الحركة العمالية الفرنسية ستظهر عدة اتجاهات فكرية ونظرية تدعوا للمساواة والحرية والاشتراكية عامة. نجد في البداية سيسموندي الذي طور مفاهيم ريكاردو وأوين الاقتصادية حول التراكم الرأسمالي وتمركز الثروات والأزمات الاقتصادية وفيض الانتاج. ولقد أوضح سيسموندي كيف سيتحول تكاثر العمال الى مستهلكين لا يملكون سوى قوة سواعدهم ومنه شقاؤهم. عكس نظرة سيسموندي التشاؤمية برهن بيكور أن تراكم الرأسمالي عبر التمركز الصناعي الكبير سيولد الثروة الكبيرة مما سيسمح إخراج العمال من البؤس وتوعيتهم. أما مذهب سان سيمون فيترك الجانب الاقتصادي ويركز على الجانب السياسي والدعوة للاشتراكية بعد أن كان من مؤيدي الليبرالية. فعرض كون النزعة الصناعية مقدمة ضرورية للاشتراكية. لكنها اشتراكية بدائية لم تربط بين السياسي والاقتصادي لوضع برنامج اجتماعي متكامل. وهي بذا يمكن نعتها بالاشتراكية الديمقراطية. أما ما يخص تنظيرات بابوف و ابلانكي يمكن نعتها أول توجه اشتراكي شيوعي واضح. كان بابوف من قادة الثورة الفرنسية العظمي لعام 1789، ولقد عمل على تأسيس تنظيمات سرية للسيطرة على السلطة من أجل تطبيق برنامج يرفض الملكية الخاصة وأن توزع الأرض على من يحرثها. بعبارة أخري فان بابوف كان يريد تطبيق مفهوم جان جاك روسو. أي نظام قائم على المساواة، لكل حسب حاجته ذلك أن الطبيعة قد منحت بني الانسان جميعا حقا متساويا في جميع الخيرات، وأن مهمة المجتمع أساسا هو كبح النزعة الأنانية التي تدفع الى التفاوت والفردانية سواء ما خص الجاه والمال والحكم. ومن بين برنامج بابوف الذي تبناه بلاكي، الغاء الارث وبيع منتجات العمل وتطبيق بخصوص الأجور، أن لكل حسب حاجته.

أما لويس بلان فانه طرح برنامج اشتراكي تكون فيه الدولة الديمقراطية الخاضعة للانتداب الحر والعام (الأمر الذي لم يكن في حينه)، كضمانة لإقامة مصانع زراعية وصناعية، تكون الادارة داخلها خاضعة للانتخاب الديموقراطي المباشر. أما الأرباح فتوزع كالتالي، ربع لاسترداد رأس المال الذي قدمته الدولة، وربع لمنظمة مسؤولة على المعونة ضد الحوادث، وربع لمعونة الشيوخ والأطفال، وربع لأجور العمال التي تتناسب مع كمية العمل لا مع نوعيته، كل ذا تبعا لمبدأ المساواة.

أما فورييه فدعا لتأسيس مستعمرات شيوعية شبه مستقلة بذاتها، تنتج وتستهلك حسب مبدأ لكل حسب حاجته التي كان بلانكي من بدأ نشرها داخل المجتمع. ان أتباع فورييه حاولوا سواء في فرنسا أو غيرها من البلدان، خاضه في أمريكا والمكسيك خلق مستعمرات شيوعية تحت شعار الأفكار السياسية تمضي لتحل محلها الأفكار والأعمال الاجتماعية. أما برودون كان يرى أن الشيوعية هي مرحلة بدائية لا يمكن الرجوع اليها وأن نقيضها هي الملكية -بكسر الميم -التي نعتها بالاستحواذ والسرقة وأن المنهج السليم هو الذي يجب اتباعه، غير الشيوعية و غير الملكية -بكسر الميم-.

ثورة 1848 العمالية التي اندلعت بباريس ثم باقي المدن الفرنسة وفي العديد من بلدان أوروبا. و لقد وصل اثرها اليساريون الى السلطة، لكن تضارب مواقفهم و برامجهم و تعدد اتجاهاتهم باءت دون ذلك. فمنهم من كان يريد اثبات الاشتراكية عن طريق التعاونيات الانتاجية و منهم من كان يرى أن المخرج هو اشتراكية الدولة التي يلزم أن يكون لها دور مركزي و غيرهم ضد تدخلها لأنها نوع من الاستبداد و أن الشعب سيد نفسه في الصغيرة و الكبير و كثرت القوانين و المراسيم و البرامج الاقتصادية و لم يبق من التجربة سوى مبدأ الاقتراع العام و حرية الصحافة و التنظيم و الاجتماع و التظاهر، و هي مكاسب سياسية قبل أن تكون اجتماعية. وجاءت الانتخابات الرئاسية لعام 1850 لتسمح بفوز لويس نابليون الذي أيده الفلاحون وكل من أشعره القلق أمام اخفاق التجربة الاشتراكية للحكومة اليسارية المؤقتة. وبعد هذا سيقوم لويس نابليون بانقلابه على الجمهورية في عام 1850 ليقيم النظام الإمبراطوري الذي سيدوم الى حدود الحرب الألمانية الفرنسية عام 1870 وقيام كمونة/مجلس باريس الشيوعية.

– الأممية الأولى 1864

أمام نكسة التجربة الاشتراكية لليسار بفرنسا، هذه التجربة التي غلب عليها طابع اشتراكية الدولة وقمع الحركات العمالية واليسارية بعد الانقلاب الذي قام به لويس نابليون على الجمهورية وكذلك مطاردات الديمقراطيين والاشتراكين. ونفس القمع لحق بالحركات العمالية في باقي بدان أوروبا وخاصة ألمانيا وروسيا. ولم تسلم سوى الديمقراطية الليبرالية البريطانية التي لجأ اليها العديد من المتابعين –بفتح الباب – كفيكتور هيجو وكارل ماركس وغيرهم كثيرين، أما انجلز فكان يقطنها منذ وقت.