Visto por Mstafa a las 13:10

مصطفى الزِّيــن

في بداية موسم 2003/2004 ، وفد على مؤسستنا ثانوية مولاي إدريس الأكبر بأهرمومو(حيث قضَّيت عشرين سنة ونيف) مديرٌ جديد، بعد سنتين أو ثلاث من اليتم الإداري ؛كان المدير السابق قد أحيل على التقاعد قبل سنتين اثنتين ،وقد كان رجلا طيبا،ولكنه لم يكن بالرجل الإداري القوي،رغم أنه لم يكن أبدا جبانا، والسيد الناظر الكفء رفض أن يصبح مديرا رغم أنفه هناك،لكنهم ترجوه أن يتحمل مهمة الإدارة هنا وهناك مؤقتا ،فنقلوه إلى صفرو.. لأنه كان انتقل ،فعلا، من خلال الحركة.. فرحت بمقدم المدير الجديد ، وتوسمت فيه الخير .. وفي أول اجتماع له بنا- نحن المدرسين- بعد أن أنهى كلمته التوجيهية البليغة، تدخلتُ بين المتدخلين ، وبعد أن رحبت به،عبرت عن توسمنا فيه كل الخير للثانوية ولتلاميذها وللعاملين..وشبهت له وضعنا برجل عار أكتع يقف إلى جدار مهلهل البناء ، به يداري إحدى عورتيه، وبيده الوحيدة يداري عورته أماما..وكان الكثيرون ينظرون إلي ، وإلى غرابة وجراءة الصورة التي قدمت ..ومما قلت له ،أيضا، إننا نعول عليه، ليس فقط في تحمل مسؤولياته، ولا في تحميله إيانا مسؤولياتنا، ولكن أن يكون في مستوى تحميل من هم أعلى منه ، أي رؤساءه بالمديرية الإقليمية(كانت تسمى نيابة حتى عهد قريب) ؛ فقد تعود الكبار أن يحملوا الصغار المسؤوليات ،بل ويتشددوا ويتعسفوا في محاسبتهم، فتعود الصغار أن يسمعوا وينفذوا صاغرين، وأهملوا مسؤولياتهم في مساءلة الكبار وتحميلهم مسؤولياتهم بما يقتضيه ذلك من شجاعة رأي وموقف؛وإلا لما استقام مفهوم المسؤولية الذي يقتضي السائلية، فنحن حقا، مجتمعات تفتقر إلى فاعلية السائلين ،أو بالأحرى ، المُسائلين ؛مسائلي الكبار من الصغار ، من القاعدة؛ ثم بينت له ما يتعين عليه أن يسائل فيه رؤساءه، ويحملهم فيه مسؤولياتهم .. وبالفعل،كان الرجل في المستوى ،تحمل مسؤولياته ،وحمل الكبار قبل الصغار مسؤولياتهم ، وواجه تبخيسا،بل حربا عليه، ولم يكن يتزحزح عن مواقفه وعن إيمانه..وتحسنت أوضاع المؤسسة ، بعد ما أصابها،وأصاب المدرسة العمومية، من آفات على امتداد عقد التسعينات… أتذكر هذا الوضع،وهذه المعطيات التي لم تكن أبدا خاصة ولا محلية، بل كانت ولا تزال وطنية على العموم: كيف يقصِّر الصغار في مسؤولياتهم في مساءلة رؤسائهم المباشرين وغير المباشرين ؛أتذكره في سياق ما أثرته أمس، في مقالة [ تصحيح النموذج : مصححون على الأرائك..متقابلين] من مهزلة إهانتنا، نحن مصححي الامتحان الجهوي الموحد،للبكالوريا ، بحشرنا في مقاعد أطفال الابتدائي ،وهي طاولات صغيرة جد مهترئة ،يندى لها جبين وطننا غير الفقير.. كنت رفضت أن أنحشر في تلك الطاولات، وأن يقبل زملائي الانحشار في ذلك الوضع البئيس المذل المهين المتعب، وأعلنت احتجاجي وشجبي لتك الإهانة ، وأوردت كيف أن مفتشنا، تحمل مسؤوليته، ورفض تلك الإهانة، له ولأساتذته ،ولكل الأساتذة المصححين بتلك المدرسة الإبتدائية ،فطلب عبر الهاتف ،رئيس مركز الامتحانات، وطلب منه تزويد الأساتذة بالمقاعد أو الكراسي والطاولات المناسبة، ولكن السيد الرئيس لم يفتح عليه الله بشيء، فتحجج بعجزه ،ولم يسأل رئيسه، أو رؤساءه في ذلك، لأنه صغير،صغير متصاغر حقا.. ولما رآني السيد المفتش محتدا من الغضب وارتفاع ضغط الدم،اقترح علي إعفائي من التصحيح إشفاقا.. انصرفت، وكتبت مقالتي /شهادتي ،عززتها ببضع صور تلك الطاولات التي،ربما لا تصلح حتى لتلتهمها النيران..وظننت أن الأمور توقفت عند احتجاجي المعزول..ومحاولة السيد المفتش مشكورا. ولكن السيد المفتش طلع كبيرا شجاعا ، تحمل مسؤوليته،وواصل محاولاته، فاتصل بالسيد المدير الإقليمي ، الذي لم يتردد في تصحيح الوضع،فبعث ، في الحال ، إلى مركز التصحيح ،ما يليق بالأساتذة من كراسٍ وطاولات،وربما فعل ذلك ،مع مراكز تصحيح أخرى..كما يبدو من خلال الصور التي بثها إلي السيد المفتش مساءً ،عبر الواتساب، وها هي أسفل هذه المقالة.. هكذا يكون الكبار، كما فعل السيد المفتش،لم ينخذل ولم ينخزِ، وتحمل مسؤوليته في مساءلة الأكبر فالأكبر ؛وكما كان السيد مدير المديرية الإقليمية كبيرا، تحمل مسؤليته بكل أريحية، وهو الرجل الوافد حديثا ،قبل بضعة أشهر، على هذا الإقليم، يسبقه صيته وسمعته الطيبة.. وهو ما عبر عنه صديق كان مسؤولا كبيرا بهذه المديرية ،عندما علق بكون خيار أحسن كان متاحا يسيرا.. ولكن،كم كان من أستاذ مصحح صغيرا متخاذلا مبتلعا الإهانة والإذلال ، قابلا راضخا لكل وضع يضعه فيه الصغار مهما كبروا، القابلين الراضخين بدورهم للكبار الصغار، أو للصغار في كبرهم الموهوم!؟ كم كان مدير مركز التصحيح صغيرا، وهو يزجرني ، ويرى أن علي أن أرضخ ، وأنحشر صاغرا ،فأدعه يعمل في صغاره البهيمي؟ وكم كان ممثلو النقابات صغارا،غائبين ،منشغلين بحملاتهم الانتخابية.. ولا أريد أن أزيد.. وكم هو صغير، أو كبير في صغاره ، مدير تلك المدرسة الإبتدائية ، الذي قبل لسنوات طوال أن يجلس تلاميذه الصغار على تلك الطاولات في منتهى البؤس والرثاثة صاغرين، لم يتحمل مسؤوليته في تحميل من هم أكبر منه في أن يرفعوا ذلك البؤس والضرر المادي والمعنوي عن التلاميذ ومدرسيهم الذين سكتوا بدورهم ، وواصلوا العمل في مقابر الطاولات التي لا تصلح حتى لنيران فورناتشيات الحمامات! وكم هو رئيس جمعية الآباء ،وأعضاؤها ،صغير وصغار ،وهم يقبلون حشر أبنائنا في تلك المقابر أحياء يتشربون ذل المجال وبؤسه الذي لا شك ينعكس على نفوسهم الغضة اليوم، الفظة غدا حتما وبالضرورة..لم يستنكروا هذا المنكر، ولو بأضعف الإيمان وهو التصوير والتشهير ..نعم التشهير بالبؤس ،لا بالبؤساء المغلوبين. صفرو- الأحد 06 يونيو 2021 .