محمد بوبكري


تروج معلومات في بعض الأوساط الإعلامية الجزائرية مفادها أنه سيتم مستقبلا إنهاء مهام بعض مستشاري “تبون”، منهم: “نزيه بن رمضان” و”بوعلام بوعلام” و”عبد الحفيظ علاهم” والكاتب الخاص لـ “تبون”. وتضيف الأوساط نفسها أن “بوعلام بوعلام” سيدخل السجن، وتؤكد أن مصادرها موثوقة، حيث قد نرى حدوث هذه الأمور مستقبلا بعد الانتخابات القادمة. وقالت كذلك إنه لا أحد يعرف تاريخ تحول هذه المعلومات إلى واقع. كما ختمت كلامها قائلة: يجب أن ننتظر…


تفيد هذه المعلومات وجود صراعات بين مختلف أجنحة الجنرالات امتدت إلى مستشاري “الرئاسة”، ما يؤكد وجود صراعات على المناصب الحساسة في “الرئاسة”، حيث إن مكاتب هذه الأخيرة مليئة بالمخبرين الذين يعملون لصالح الأجهزة الاستخباراتية المختلفة…
ويمكن تفسير هذه الصراعات بكون النظام الجزائري لا يملك مشروعا سياسيا ومجتمعيا يجعل مختلف مكونات النظام السياسي تشتغل بشكل منسجم، بحيث تجمعها أهداف ومبادئ وقيم.. لقد أدى عدم امتلاك النظام الجزائري لأي مشروع سياسي ومجتمعي إلى غرق مكوناته في أوحال الصراعات. كما أن تناوب الأجيال في الأنظمة الديمقراطية يتم عبر الصراع على أساس الرؤى والمشاريع وبشفافية ونزاهة.. وعلى عكس ذلك، فالأنظمة الاستبدادية لا تعرف تداولا طبيعيا بين الأجيال، حيث يتم فيها تغيير الأفراد فقط دون تغيير السياسات، ما يجعل التغيير يتم عن طريق الصراعات والانقلابات، فلا يتم تدول النخب في إطار الأنظمة الاستبدادية عبر المشاريع والأفكار، بل بالصراعات والتطاحنات والمؤامرات، التي تحسم بالعنف، وتنتهي بالسجون والاغتيالات.
وللتدليل على ما أقول، فقد كان “الجنرال بلقصير” قائد الدرك الجزائري من أقوى الجنرالات في عهد الجنرال “القايد صالح”، ولما تخاصم مع الجنرال بوعزة واسيني، واستحال التعايش بينهما، ضحى الجنرال “القايد صالح” بالجنرال “بلقصير” وقال له: “اذهب إلى فرنسا، والتحق بزوجتك التي توجد هناك، وأنا أعرف أن لك ملايين من الدولارات في الخارج، حيث يمكنك أن تعيش هناك في تمام الهدوء. ويمكنك أن تعود إلى الجزائر بعد الانتخابات الرئاسية التي نحن الآن بصدد ترتيبها”. لكن “القايد صالح” لم يكن يعرف مصيره، حيث شاءت الأقدار أن يموت متسما من قبل خصومه الذين أبعدوه بهذه الطريقة، ما يؤكد أن التغيير في الأنظمة العسكرية لا يكون تغييرا فعليا ينعكس على الحياة السياسية والمجتمعية بسلاسة، وإنما يكون تغيير أشخاص بأشخاص آخرين عبر الاغتيالات والتصفيات الجسدية…
يصف بعض علماء الاجتماع السياسي أن النظام السياسي الجزائري هو من الأنظمة السياسية الأكثر انغلاقا في العالم، حيث إن العلاقات داخله قائمة على المؤامرات والانقلابات، والناس لا يعرفون من مع هذا الشخص، أو من مع غيره، لأن العلاقات لا نهض على مبادئ، ولا على قيم، ولا على مشاريع، بل على التحالفات والولاءات التي تتغير بشكل فجائي حسب مصلحة مختلف الأشخاص ونزعاتهم الذاتية، ما جعل الغدر عقيدة للمسؤولين المستبدين.
ونظرا لأن الدولة والشعب الجزائريان ينفقان بين خمسة وستة ملايير دولار سنويا في اقتناء السيارات، حيث إن هذا مبلغ مهم يحكم الجنرالات قبضتهم عليه، ونظرا لأن هؤلاء الجنرالات يتصرفون على أساس المزاج، لا على أساس العقل، فإنهم يغيرون أفراد محيطهم كما يغيرون ملابسهم، حيث قاموا بتغيير “آيت علي” الذي كان لا يحتكر سوق السيارات في الجزائر وكلفوا “رباب” بهذا المشروع. وبعد ذلك، اقتضت مصلحتهم إقصاء هذا الأخير، فمنحوا الامتياز إلى شخص آخر، وسمحوا لشركات أجنبية باستيراد السيارات. وهذا ما يؤكد أن التغير خاضع في إطار الأنظمة العسكرية للوشاية والغدر، حيث تنعدم الثقة بين مختلف المسؤولين، ما ينجم عنه تآمر الجميع ضد الجميع عن طريق الوشاية وتلفيق التهم وحبك المؤامرات وترويج الإشاعات الموجهة إلى بعض المسؤولين الكبار، حيث يقال لهم:” إنهم يهيؤون فلانا ليحل مكانك”. هكذا، فإن الثقافة السائدة في الأنظمة الاستبدادية هي ثقافة تنهض على الأمزجة والوشاية والمؤامرة والغدر، ما يؤدي إلى الاغتيال والانقلابات. لذلك، فمع هذه الثقافة لا يكون الصراع شفافا وديمقراطيا نزيها، ولا على أساس المشاريع والأفكار والرؤى؛ إنه صراع فقط من أجل تلبية الشهوات المادية التافهة، الأمر الذي جعله يتخذ طابعا وحشيا يؤدي إلى التصفية والاغتيال، فيتحول المجتمع إلى غابة يفترس فيها القوي الضعيف.


وللتدليل على صحة هذا الكلام يكفي الرجوع الى التقرير الذي أعدته “وكالة المخابرات الأمريكية المركزية” حول الوضع في الجزائر، والذي رفعته إلى الرئيس “جو بايدن”، حيث يشير هذا التقرير إلى وجود صراعات بين مختلف أجنحة الجنرالات أفرزت تناقضات داخل النظام، نجم عنها جمود سياسي أدى إلى تكلس، أنتج بدوره فشلا ذريعا في كل المجالات أدى الى انتفاضات في وجه النظام يمكن أن تتحول إلى انفجار كبير…