أحمد رباص – حرة بريس

عندما ذكر لأول مرة مذهب خلق الحقائق الأبدية، في رسالته إلى ميرسين المؤرخة بخامس عشر أبريل 1630، طلب ديكارت من مراسلته الكشف عن المذهب دون الكشف عن اسم صاحبه. يتعلق الأمر باختبار ردود فعل الجمهور، كما يقول ديكارت، “سأكون سعيدا جدا بمعرفة الاعتراضات التي يمكن للمرء أن يوجهها ضده”.
لا شك أن هذا المذهب لن يقبل بسهولة، فوفقا للرسالة الموجهة إلى مبرسين بتاريخ سادس ماي 1630، يبدو أنه لا يمكن التوفيق بينه وبين دوغما “في البدء كانت الكلمة”، أي أن هذا التعبير يُفهم بالمعنى المضاف الموضوعي (لأن الكلمة مولودة وغير مخلوقة) أو بمعنى المضاف الذاتي (لأن الله من المفترض أن يخلق الأشياء الموجودة انطلاقا من جواهرها المتأملة في الكلمة).
في عام 1630، قدم ديكارت مذهبه على أنه جديد وقمين بالإثارة. لم يشر إلى أي شخص كسند لمذهبه. ومع ذلك، بعد حوالي خمسة عشر عاما، في الرسالة الموجهة إلى ميسلاند بتاريخ ثاني ماي 1644، تبنى ديكارت القديس أوغسطين، ليس لاعتماد خلق الحقائق الأبدية بشكل مباشر، ولكن على الأقل لاعتماد المصادفة، في الله، للرؤية، للإرادة ولللفعل، وهي مصادفة زعم في وقت مبكر من عام 1630، ضمن الرسالتين المرسلتين إلى ميرسين في سادس ماي وسابع وعشرين ماي، على أنها تسير جنبًا إلى جنب مع خلق الحقائق الأبدية. لا يمكن أن يتوانى الله عن خلق الحقائق الأبدية إذا كان قديرا وسببا لكل ما هو موجود.
هذا يعني أن لا شيء يكون موضوع فهم الله دون أن يكون موضوع إرادة الله. وعلى العكس من ذلك، لا يوجد شيء هو موضوع إرادة الله ولا يكون موضوع فهم الله. هذا الموضوع للفهم والإرادة هو لا شيء في حد ذاته أو خارج فعل الفهم والإرادة التي تجعله على ما هو عليه. وبالتالي، فإن السؤال الذي سنطرحه هو التالي: هل أعلن القديس أوغسطين قبل ديكارت عن خلق الحقائق الأبدية، وإذا لم يعلن عنها فلماذا يشير إليه ديكارت في الرسالة إلى ميسلاند المؤرخة بثاني ماي 1644؟
سوف نبين أولاً أن القديس أوغسطين لم يعلن عن خلق الحقائق الأبدية فحسب، بل أعلن أيضا في السؤال السادس والأربعين من أصل ثلاثة وثمانين سؤالا مختلفا، ضد الاستخدام الوثني لأفلاطون من قبل فارون (Varron). والذي تعرض للسخرية منه في “مدينة الله”، تحديدا في الفصل الثامن والعشرين من الكتاب السابع، (أعلن) عن أفلاطونية مسيحية تستبعد خلق الحقائق الأبدية.
أولاً، لم يعلن القديس أوغسطين في الواقع عن خلق الحقائق الأبدية. هذا لن يكون صحيحا إلا إذا تم التغلب على بعض الصعوبات الاصطلاحية. لأن هناك العديد من المواضع التي يمكن العثور عليها ولا سيما في “مدينة الله”، حيث يدعي القديس أوغسطين أن الله هو خالق الطبيعة كلها. من الواضح أن كلمة “طبيعة” في هذه المقاطع ليست مرادفة لـ”الجواهر”. إن الطبيعة التي يكون الله خالقها هي الأشياء فقط كما ولدت (وفقا للأصل الاصطلاحي) أو الأشياء كما خلقها الله.
إن الادعاء بأن الله هو خالق الطبيعة كلها، كما في الفصل السابع من الكتاب الحادي والعشرين من “مدينة الله”، يرقى بالتالي إلى الادعاء بأن الله هو خالق كل الأشياء الموجودة، في بدايتها وفي نهايتها وفي خصائصها (سواء كانت هذه اعتيادية أو غير اعتيادية). إنه خالق كل التغييرات، إن لم يكن كل الطفرات التي يعتبرها الذكاء البشري مستحيلة، والتي تحدث فيها. االاستحالة التي أثارها القديس أوغسطين في هذا الجزء من “مدينة الله” ليست استحالة منطقية، ولكنها استحالة مادية ظاهرة، تنبع من الجهل البشري بطبيعة الأشياء.
عندما نقول عن بعض الحقائق أنها تحدث ضد الطبيعة، فهذه مجرد طريقة بشرية في التحدث، لأن الله أرادها أن تحدث وكان الله قصد أنها ستحدث في الطبيعة التي خلقها، في حين أن قوانين الطبيعة تعكس فقط ما يحدث عادة في الطبيعة التي خلقها. يتبنى مالبرانش وليبنيز هذا التمييز بين الحقائق الأبدية وقوانين الطبيعة، فالأولى تنتمي إلى مجال غير المخلوق والأخيرة إلى مجال المخلوق، والذي يميل ديكارت، من جانبه، إلى إخلائه من خلال خلق حقائق رياضية تضع على جوهر الأشياء المادية تشريعا صالحا في جميع العوالم الممكنة.
ثانيًا، لم يكن باستطاعة القديس أوغسطين أن يعلن عن خلق الحقائق الأبدية، لأن هذا يتعارض مع الأفلاطونية المسيحية التي أعلنها في السؤال السادس والأربعين من الأسئلة المختلفة والبالغ عددها ثلاثة وثمانين. في هذا النص، يتفق القديس أوغسطين مع رأي أفلاطون في نقطتين: 1 / هناك أفكار. 2 / الأفكار هي “أشكال” أو “أسباب” مبدإ الأشياء الموجودة والتي بمشاركتها يجعل الله ما هو موجود كما هو كذلك.
لا ينحرف القديس أوغسطين عن أفلاطون إلا عندما اعتقد أن الأشياء الموجودة خلقها الله وأن الأفكار السابقة على خلقها لا توجد في مكان آخر غير فكر الخالق. الأفكار غير مخلوقة وأبدية، على عكس الأشياء المفردة المخلوقة من أفكارها وخاضعة للزمن. لماذا يجب إقحام الأفكار؟ يجب إقحام الأفكار لأن الله لا ينشئ أي شيء بدون سبب ولأن سبب خلق الرجل ليس نفس سبب خلق الحصان. يتم خلق جميع الأشياء الفردية لأسباب خاصة بها.
الخلق كله تنظمه الأسباب. ولكن من المؤكد أنه لا يوجد شيء خارج الله يمكن أن يكون نموذجا له: ففي ذاته يرى الله هذه الأسباب التي يتخذ منها نموذجا. الأفكار لم يخلقها الله، إنها موجودة وباقية فيه جل جلاله.
(يتبع)