بقلم :عبد العالي الطاهري

فور استعمال كلمة إفريقيا، فإننا نجد أنفسنا أمام إحالة على كيان جغرافي واسع الأنحاء متباين الأوضاع، متفاوت الظروف، غير أنه مشمول بصفة مشتركة وموحدة هي افتقاده للتنمية. فبرغم القلق الكبير الذي أبداه ولا يزال المجتمع الدولي إزاء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكذا السياسية في العديد من الحالات، علاوة على التزام حكومات الدول الإفريقية بإزالة مسببات عرقلة التنمية، فإن مجمل التوقعات الجارية تشير إلى أن آفاق الانتعاش السوسيواقتصادي لازالت بعيدة المنال بالنسبة لأغلب مكونات/ بلدان القارة الإفريقية، خاصة تلك التي ترزح تحت الواقع المرير للصراعات المسلحة والحروب الأهلية و« نسق » الانقلابات الذي بات نهجا ثابتا بل «  ثقافة » داخل بعض الأنظمة الإفريقية التي تأكل نفسها و تعبث بذلك بأي أمل أو مشروع مجتمعي ذو مرجعية تنموية .

تشكل قضية تحقيق التنمية في إفريقيا معضلة يتطلب التغلب عليها تكاتف جهود دول القارة، وتجاوز الخلافات السياسية، ووقف الحروب والصراعات الحدودية والأهلية.

ويأتي في مقدم أسباب انتشار هذه الحروب، ضعف الاندماج الوطني نتيجة للتخطيط العشوائي للحدود، ما أدى إلى عدم تطابق الحدود السياسية مع الحدود السكانية وفشل الأنظمة الحاكمة في التعامل مع هذا الأمر بحكمة، ما فاقَمَ المشكلة، ودفع جماعات مهمشة نحو العنف المسلح، إما لتحسين وضعها في عمليتي توزيع الثروة والمشاركة السياسية أو للانفصال عن الدولة.

إلى ذلك، تقسم عادة القارة الإفريقية إلى دول شمال الصحراء ودول جنوب الصحراء .ومن التصنيفات المعتمدة تقسيمها إلى ثلاث مجموعات عريضة :
المجموعة الأولى : تضم سبعة بلدان رئيسية هي المصدرة للنفط والتي يعيش فيها 27.7% من سكان القارة .
المجموعة الثانية : تضم 18 بلداً يسكنها 35.6% من سكان القارة  وهي محققة لمعدلات نمو متنوعة ومتواصلة تبلغ على الأقل 4% سنوياً .
المجموعة الثالثة : تضم 17 بلداً يعيش فيها 36.7% من سكان إفريقيا،  وهي أقل البلدان نمواً واستقراراً فهي بلدان فقيرة على مستوى الموارد الطبيعية، وتعاني من ارتفاع معدلات  التقلبات وهي عرضة في أي وقت للوقوع تحت خطر الصراعات والصدامات وآثارها المدمرة، وهي صاحبة أقل معدلات النمو.

التنمية المستدامة تمر عبر تعزيز معدلات النمو الاقتصادي 

ويتطلب تحقيق التنمية المستدامة التركيز على تعزيز معدلات النمو الاقتصادي، والحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية، والتنمية الاجتماعية، والتغلب على الصعاب التي تعيق التنمية وأبرزها النزاعات الداخلية والمشكلات البيئية وفي مقدمتها التغيرات المناخية المترتبة على ظاهرة الاحتباس الحراري، فضلاً عن الصراع المحلي والإقليمي والدولي على الموارد الطبيعية والثروات، ما دفع أطرافاً دولية إلى التدخل، تحت دعاوى حماية حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية ظاهرياً، في حين أنها تسعى لحماية مصالحها ومناطق نفوذها، وهناك أيضاً عامل الكوارث الطبيعية.

الحروب الأهلية والصراعات المسلحة .. العائق الأكبر أمام التنمية الإفريقية

وتبقى الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة العائق الرئيس أمام التنمية و كذا أي شكل من أشكال  التطور بإفريقيا، وهي تعد من تجليات الصراع الداخلي في المجتمع، تقوم به جماعة أو جماعات على أسس إثنية أو إيديولوجية بهدف تغيير بعض السياسات الحكومية أو الإطاحة بنظام الحكم أو الحصول على الحكم الذاتي لمنطقة معينة أو الانفصال عن الدولة. ويشتمل هذا الصراع على أعمال عنف مسلح منظم واسع النطاق من جانب الأطراف المتصارعة، ويتم تنفيذ عمليات العنف انطلاقاً من مناطق معينة تمثل قاعدة عسكرية محددة لها.

وقد حظيت القارة الإفريقية بالنصيب الأكبر من الحروب الأهلية على مستوى العالم، فتجاوزت خلال عقد التسعينات من القرن الماضي 25 صراعاً من مجموع الصراعات في العالم والتي بلغت نحو 35، وأسفرت عن مقتل حوالى 4 ملايين فرد، ونزوح ولجوء أكثر من 5 ملايين فرد أغلبهم من الأطفال، ما يمثل تهديداً مستمراً لاستقرار الدول الإفريقية، نتيجة انتقال الصراع عبر الحدود وتدخُّل دول الجوار المباشر والإقليمي في النزاعات بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وشهدت دول إفريقية خلال العقود الماضية كثيراً من الحروب الأهلية، أبرزها في السودان وأسفرت عن انفصال جنوب السودان عام 2011، وكذلك جمهورية الكونغو الديموقراطية التي لا تزال تعاني ويلات الحرب الأهلية والتي تورطت في الصراع الداخلي فيها عشر دول إفريقية، حتى وصف البعض النزاع بأنه الحرب العالمية الإفريقية الأولى، وأيضاً السنغال، وليبيريا، ورواندا، وبوروندي، وأوغندا، وأنغولا، والصومال، ليبيا، وأخيرا تشاد التي كان من أبرز تداعيات حربها الأهلية الطاحنة مقتل رئيس البلاد إدريس ديبي يوم الثلاثاء ال 20 من أبريل 2021، مباشرة بعد 24 ساعة من إعادة انتخابه لولاية رئاسية سادسة.

وتتمثل أبرز الأسباب الداخلية المؤدية إلى اندلاع الحروب الأهلية، في العوامل الإثنية واللغوية والدينية مع وجود أكثر من ألفي لغة ولهجة في القارة الإفريقية، فضلاً عن تعدد الأديان بين السماوية والتقليدية التي هي بدورها متعددة ومتنوعة بمقدار تنوع الجماعات الإثنية في القارة، ومعظمها محلية الطابع لا تملك أي فاعلية خارج نطاق الجماعة الدينية المؤمنة بها. أما الظاهرة الإثنية فتعتبر ركيزة للحرب الأهلية عندما يتم تنفيذ السياسات العامة للدولة على أساس الاعتبارات الإثنية المنحازة، وتعتبر رواندا أبرز الحالات في هذا المجال .

ومن مسببات الحروب الأهلية أيضاً العوامل الاقتصادية ومحدودية القدرات الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية خاصة في توزيع الموارد الاقتصادية، وهذه كلها أسباب رئيسية لنشوب الصراعات الأهلية. 

أما العوامل الخارجية المساهمة في اندلاع الحروب الأهلية فيتمثل أبرزها في الاستعمار الأوروبي، الذي زرع بذور الحرب الأهلية في إفريقيا سواء من خلال النشأة المصطنعة للدول الإفريقية (الحدود السياسية التي تتنافى مع الواقع الاجتماعي والإثني للمجتمعات)، أو من خلال السياسات الاستعمارية المتبعة في المستعمرات الإفريقية السابقة والتي أدت إلى تعميق التناقضات الإثنية بين المجتمعات من خلال تفضيل جماعات معينة على غيرها، وإعطائها نصيباً أكبر في الحكم والسلطة. ويعد السودان مثالاً بارزاً حيث قسم الاستعمار هذا البلد العريق، ثقافة وحضارة، إلى قسمين، واتبع في كل جزء منهما سياسة استعمارية مختلفة.

ففي الشمال كانت السياسة البريطانية تسمح بتطوير هوية قومية تتركز على الأنصار والختمية، وفي الجنوب قامت السلطات البريطانية بحظر اللغة العربية، وحالت دون نفاذ التأثيرات العربية الإسلامية، بل سمحت للبعثات التبشيرية التي تُطرد من الشمال بالعمل في الجنوب. ومع حصول الدول الإفريقية على استقلالها، أخذ التدخل الخارجي صوراً وأشكالاً مختلفة، فقد تحولت القارة الإفريقية لساحة للمواجهة وتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والعظمى، ولاستغلال الثروات والموارد الطبيعية في بلدان القارة السمراء .

لقد أفرزت الحروب الأهلية المتعددة في القارة العديد من المشاكل والصعاب أبرزها مشكلة اللاجئين، إذ تُعد إفريقيا أكثر قارات العالم من حيث عدد اللاجئين (أكثر من عشرة ملايين لاجئ ونازح ومشرد). وتُسبب ظاهرة اللاجئين مشكلات سواء لدولة المنشأ أو دولة اللجوء، فالأولى تفقد مواردها البشرية بسبب نزف العقول الذي تتعرض له، وهروب المتعلمين والمثقفين إلى الخارج للنجاة بأنفسهم والبحث عن مصادر جديدة للرزق وحياة أفضل بعيدة عن أوطانهم التي دمرتها الحروب الأهلية، أما دولة اللجوء فتواجه هي الأخرى سلسلة من المشكلات تتمثل في ما يحدثه اللاجئون من تغيرات في الخريطة البشرية وتحديداً الإثنية، فضلاً عما يمثله هؤلاء من أعباء اقتصادية واجتماعية.

ومن نتائج الحروب الأهلية أيضاً ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة، ومشكلة انهيار الدولة سواء كلياً أو جزئياً والتي تفرز العديد من الآثار والنتائج الفادحة، إذ إن هذا الانهيار يؤدي إلى تدمير الركائز الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وإلى الفصل العملي والواقعي للدولة نظراً إلى غياب سلطة مركزية تفرض سلطتها على أرض الواقع وهو ما يؤدي غالباً إلى إطالة أمد الحرب الأهلية، وصعوبة حسمها لمصلحة أي من الأطراف المتصارعة. وتعد الصومال النموذج الأبرز للانهيار الكامل للدولة، مع تسجيل بعض التحسن في بنيتيها السياسية والاقتصادية. 

الخلاصة أن الحروب الأهلية والصراعات المسلحة تتداخل وتؤثر فيها العديد من العوامل والأسباب الداخلية والخارجية، وتتداخل فيها الأسباب والنتائج، الأمر الذي يتطلب رؤية شاملة وتخطيطاً واضحاً متكاملاً للتعامل مع هذه المشكلة، للتوصل إلى تسوية سلمية  لعمق وطبيعة الأزمات التي تعد العائق الرئيسي أمام تحقيق التنمية المستدامة والشاملة في القارة الإفريقية.