بقلم القادري المصطفى – لندن

دار غفلون، العبارة المغربية التي تحيلنا في هذه المناسبة إلى تلك البقعة التي يعيش بها غالبية سكان الكوكب الأزرق عندما يتعلق الأمر بالمخاطر المترتبة عن التطور الرهيب التي تعرفه نظم الإتصال و المعلوماتيات و التهديدات الكامنة وراء استعمالها.
الحديث هنا بطبيعة الحال ليس متعلقا بحالة الإدمان المرضي التي أصبح يعيشها الإنسان، سواء أكان طفلا صغيرا أو شيخا بلغ به العمر عتيا، أفة إعتمدت مبادئ المساواة الحقة بين الرجل و المرأة ونبذت كل أشكال العنصرية من قاموسها لتوحدهم تحت سقف واحد و مسمى أوحد: “المستعمل” بالرغم من أن الحقيقة المرة تكمن في كونه المستعمل بفتح الميم مفعولا به.
سيحدثك ذوو الباع في غياهب الثقافة و المعارف عن قدرة الدول اللامتناهية في مراقبة المواطنين و تحركاتهم و إحصاء أنفاسهم من خلال تتبع كل الأنشطة بدءا من توقيت الإستيقاظ و عدد الإتصالات و نوعية المقتنيات وإنتهاء بمحتوى الرسائل و الإتصالات، سيخبرونك عن مؤمرات تحاك هناك في غرف قاتمة للتحكم في قرار الإنسان و إرادته و توجهاته و قناعاته من خلال القصف المعلوماتي المتعمد بشتى أنواع الأحداث، الحقيقية منها و المغالطة لدرجة يصبح التحكم بالمشاعر عملية بسيطة بساطة إختيار الإعدادات بهاتفك المحمول، فيجعلونك تغضب و تفرح بضغطة زر.
ستخبرك الصحافة قصة المافيا الروسية التي تسطو على الأبناك باستعمال نوع جديد من التكتيكات تعجز عنها أعتى الجيوش تدريبا و أكثرهم شجاعة، حيث السلاح فأرة الحاسوب و أسطر قليلة كتبت بلغة كأنها طلاسيم ساحر من عهد الفراعنة، ستقرأ في الجريدة صباحا و أنت ترتشف قهوتك الأولى أن شركة ما هاجمها الكوريون أو الصينيون أو الإيرانيون أو الأسرائليون أو ربما فتى مغربي يقبع وراء شاشة حاسوب مهترئ في أحد مقاهي الإنترنيت بقرية نائية هناك حيث الكهرباء تصل قطرة قطرة.
ستخبرك زميلتك في العمل عن البريد الإلكتروني التي توصلت به ليلة أمس من أحدهم يهددها بدفع مبالغ مالية ضخمة مقابل عدم نشر صور فاضحة أو مخلة بالحياء أو محادثات مع صديقات حول قضايا شخصية من المفروض أن تبقى طي الكتمان. و سيشتكي صديقك عشية بمقهى الحي أنه فقد حسابه بمنصة من منصات التواصل الإجتماعي و عن معاناته الأليمة في إسترجاعه مبديا حزنه العميق لدرجة تخاله يحدثك عن فلذة كبده.
سيتبحج بعض معارفك الذين يرتدون كل صباح ربطة عنق أنيقة مختلف لونها تسر الناظرين، و يقضون يومهم منغمسين في حساب المعدلات و تمحيص الحسابات، أن العالم ملئ بمنظمات إجرامية تجوب بحار الشبكات العنكبوتية كقراصنة الزمن الغابر بحثا عن جزر الكنز حيث الحلي و الجواهر مخبأة في إنتظار بطل هندي بولييودي أت لا محالة لعتقها.

لكن لا أحد سيخبرك قصة أسلحة العصر الأكثر تطورا، و الميزانيات الضخمة التي يتم تخصيصها لخوض سباق محموم نحو إمتلاك التفوق التكنلوجي و المعلوماتي من خلال تطوير أسلحة معلوماتية شديدة الخطورة و ذات قدرة تدميرية غير محدودة، تجعل من كل الهرطقات التي ممرنا بها في الأسطر السابقة مجرد لعب أطفال أو أضرار جانبية بسيطة بالمقارنة بما يمكن تحقيقه في حال نشوب حروب من النوع المعلوماتي بين الدول، حيث تؤكد كل المؤشرات أن أزيد من120 دولة على الأقل قد إنظمت إلى نادي المستثمرين في مجال تطوير صناعة السلاح المعلوماتي منذ إنكشاف قضية فايروس ستوكسنيت Stuxnet الذي تم تطويره بحسب بعض المصادر من خلال التعاون الأمريكي-الإسرائيلي بهدف مهاجمة المشروع الننوي الإيراني وتأخير إمكانية تخصيب اليورانيوم لمستويات تمكنهم من دخول نادي الدول النووية، حيث عمل الفايروس لسنوات على خلق خلل في سرعات أجهزة الطرد المركزي بشكل عشوائي مع مسح كل المعلومات التي يسجلها النظام حول الخلل، الشئ الذي يؤدي إلى تحطيم الجهاز المستهدف و إيقاف عملية المعالجة إلى حين إستبدال الجهاز المتضرر و إستيفاء البحوثات حول سبب الخلل و أخذا بعين الإعتبار التكلفة الباهضة و صعوبة الحصول على الأجهزة من السوق السوداء لتفادي عمليات المراقبة الدولية.
نفس الفايروس تم إستعماله في عمليات أخرى من قبل أطراف مجهولة بإعتبار أن الفايروس منشور و يمكن لأي شخص الحصول على شيفرته و إدخال التغييرات المناسبة لإستعماله لأغراض إجرامية أو إرهابية قد تشكل خطرا حقيقيا على سلامة الدول و الأفراد.
يمكننا فقط أن نتخيل حربا تحسم بدون إطلاق رصاصة واحدة، حرب يجد المواطن نفسه معزولا عن أي شئ عهده في السابق، فلا إتصالات متوفرة و لا كهرباء، لا إمكانية للحصول على الأموال من الأبناك أو شراء الطعام و المنتوجات الغذائية، صواريخ و نظم دفاع خارجة عن السيطرة بشكل تام و متحكم بها من قبل أفراد خارجية، تصادم قطارات و طائرات … و اللائحة طويلة.
إن الصراع المعلوماتي على أشده، و التكنلوجيا اليوم تعرف تطورا رهيبا حيث الذكاء الإصطناعي يسابق الزمن و القدرات التواصلية تتضاغف سرعة و جودة و الإنسان يحاصر بملايين الأجهزة المتصلة بالإنترنت فيما يصطلح عليه بإنترنت الأشياء و المستقبل أقل ما يقال عنه أنه مخيف إلى أبعد الحدود.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube