بقلم : عصام لكرد

تجلس بالمقهى لتستمتع بشرب الساحرة السوداء التي تخاطب العين بشكلها و اللسان بمذاقها و العقل بنشوتها، لكن هذا الشعور ينجلي بقصف من شفاه المدخنين الذين يشعلون سجائرهم دون أدنى مراعاة للمكان و للأشخاص الذين لا يدخنون، في تحد سافر للقيم الإنسانية و أدبيات الجلوس في مكان عام.


كتب العالم الإنجليزي صاحب المؤلف الشهير “تشريح الكآبة”، روبرت بيرتون، (1577 – 1640) يصف نبات التبغ، قائلا إنه “إلهي المنشأ، نادر، الأفضل على الإطلاق، إنه بمثابة العصا السحرية و الدواء الشافي لكل الأمراض”.
كان ذلك قبل أن ينتشر إدمان التبغ عبر المجتمعات كالنار في الهشيم و تصير لاحقا هذه النبتة مجرما أثيما يقتل شخصا واحدا على الأقل كل ست ثوان في العالم. 


السيجارة سلاح للدمار الشامل غير المحظور دوليا، يباع في كل مكان، في الأرض و حتى في السماء .. يقدر عدد المستهلكين حول العالم برقم صادم فائق المليار، و إرتفعت معه نسبة الوفيات لأكثر من 8 ملايين مدخن، سبعة منهم يدخنون بشكل مباشر و البقية قتلت بدون أدنى ذنب لا لشيء سوى أنها تأثرت بالتدخين السلبي.

إذا كنا نتحدث عن وباء كورونا العالمي الذي تجند العالم بأسره لإيجاد لقاح مضاد له بغية وقف نزيف الإصابات و الوفايات، يستمر هذا العالم المتناقض في إنتاج التبغ بكل أصنافه غير آبه بصحة ساكنة هذا الكوكب كما يدعي الآن و كما هو ظاهر في طريقة تعامله مع وباء كوفيد 19.
بل و المثير للسخرية أن منتجي هذا السم القاتل يسخرون من المغفلين الذي يستهلكون السجائر و يضعون صورا مرعبة لأشخاص أصيبوا بالسرطان أو آخرين فارقوا الحياة أو عبارة تكفي لتجعلك تصرف النظر عن إستهلاكها و هي : التدخين يقتل .
إن وباء التبغ من أكبر الأخطار الصحية التي عرفها العالم على مرّ التاريخ، حيث أن دخان السيجارة يحتوي على العديد من المواد السامة المسرطنة و يزيد إستخدامه من خطر الإصابة بسرطانات الرأس و الحنجرة و المريء و جوف الفم و إمبراطور السرطانات القاتل هو سرطان الرئة.
و حتى للتدخين التقليدي منافسون كُثر، لعل من أبرزهم السيجارة الإلكترونية و التي تعمل بنظام إيصال مواد النيكوتين إلكترونياً و نظام إيصال مواد غير النيكوتين إلكترونياً، التي يشار إليها عادة باسم السجائر الإلكترونية، هي تلك الأجهزة التي تسخن سائلًا يتولد عنه بخاخ ليستنشقه المستخدم، وقد تحتوي هذه النظم أو لا تحتوي على النيكوتين. والمكونات الرئيسية للمحلول بحسب الحجم هي “البروبيلين غليكول” مع “الغليسيرول” أو بدونه، ومواد مُنَكِّهة. ولا تحتوي السجائر الإلكترونية على التبغ ومع ذلك فهي ضارة بالصحة وليست آمنة. بيد أن الوقت لا يزال مبكرا لتقديم إجابة واضحة عن التأثيرات طويلة المدى لإستخدام السجائر الإلكترونية أو التعرض لها.
لكن الحكومات لا تعير إهتماما لكل ما يقال و لا لكل التحذيرات، لأنه مصدر يذر على خزينتها الأموال الطائلة و ينعش السوق التجارية و يخدم مصلحة المصحات الخاصة و شركات الأدوية.


أما في المغرب، فعلاقتنا مع التبغ ضاربة جذورها في التاريخ، إذ يقول المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري (1835- 1897) في كتابه “الإستقصا الأخبار دول المغرب الأقصى” أن التبغ دخل إلى المغرب عبر السودان خلال حكم السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (1549- 1603)، و بالضبط في سنة 1001 هجرية الموافق لـ1593 ميلادية، و يضيف الناصري أن هاته النبتة تُغيّر عقل متعاطيها حتى أنه إذا إنقطعت عنه صار كالمجنون لا يبالي بما يصدر منه، وصيامه مشكوك فيه، فـ”بقايا ذلك الدخان أَو ذلك الغبار قد يمْكث في حلقه إِلى طلوع الفجر و ما بعده.

و حسب تقارير لمؤسسة لالة سلمى للوقاية و علاج السرطان، يقدر إنتشار التدخين بنسبة 18% لدى المغاربة البالغين 15 سنة فما فوق، و بنسبة 41% تقريبا لدى الساكنة التي تتعرض للتدخين السلبي.  
و يعد المغرب أحد أكبر مستهلكي الدخان في المنطقة المتوسطية، حيث يستهلك ما يزيد عن 15 مليار سيجارة في العام. 
و على المستوى الوطني، ليست هناك إحصائيات دقيقة عن عدد الوفيات المرتبطة بالتدخين، إلا أن سرطان الرئة يؤدي إلى مفعول مدمر في بلدنا، الذي يدخن فيه 31.5% من الرجال و3.3% من النساء، حيث أن 90 % من حالات سرطان الرئة ناجمة عن التدخين. كما أن التدخين يعد “مسؤولا عن 25% من حالات القصور التاجي، من ضمنها الجلطات القلبية”، و يتبين من تحقيق وطني حول عادات وسلوك المدخنين، أن المدخن المغربي يصرف في المتوسط 22 درهما يوميا لشراء الدخان.
منذ سنة 1996، يتوفر المغرب على قانون مناهض للتدخين (رقم 15-91) يمنع التدخين في بعض الأماكن العمومية، ويمنع الدعاية والإشهار لفائدته، لكنه قانون غير مفعل و مجرد خبر على ورق، فغالبية الفضاءات العمومية تعج بالمدخنين من دون حسيب و لا رقيب.