إعداد “يوسف سعدون” 

تعتزم حرة بريس تقديم ركن جديد بصفحاتها (وجوه من المهجر ) الركن من إعداد “يوسف سعدون” وذلك من أجل الانفتاح على مجموعة من الطاقات المغربية البارزة بالمهجر وتهدف من وراء هذه المبادرة “نفض الغبار”على هذه التجارب التي فرضت نفسها في الكثير من المجالات والتعريف بها ورد الاعتبار لها.

موعدنا اليوم مع الموسيقار (عازف العود) عبيد البحري

عبيد البحري، عصفور يعزف بالوثر الراقي فصولا من الأشواق من عوالم الهجرة التي لم يخترها ؛ بل هي من اختارته برداء الاغتراب وبدوامة الاندماج…
ينتمي لأسرة الجيل الأول من المغاربة الذين اضطروا للرحيل عن الوطن هروبا من البؤس والحاجة.. جيل فر بهويته ليحل بعالم مختلف بحضارته وثقافته ، عالم خلف بداخله صورا من الانشطار والحنين..


تعددت محطات والده بحثا عن الأفضل.تنقل ما بين فرنسا ، كورسيكا ، هولندا ، لكي يستقر به الحال في بلجيكا.
في عام 1968 ،التحق عبيد الطفل ذي الحادية عشرة من عمره رفقة والدته وإخوانه وأخواته بوالده ببروكسيل..تركوا الديار بطعم الاقتلاع من الجذور وبمرارة فرقة الأهل والأحباب.استقروا بشمال بروكسيل التي أمضى فيها طفولته ومراهقته. وبهذه المنطقة تعايش مع العديد من أفراد الجاليات ( يونانيون ، إسبان ، إيطاليون ، ترك ، …) بالإضافة ألى السكان الأصليين… هو مدين لهذه الفسيفساء بهذا الحي: لقد نشأ هناك ، وتعلم فيه الكثير من قيم التسامح والتعايش والحقوق والواجبات المدنية والسياسية..


وفي هذا الحي- خلال السبعينيات- بدأ اهتمامه مع ثلة من أصدقائه بالموسيقى حيث كانوا يلتقون في قبو ليغنوا ويلعبوا.وكانوا يرددون أغاني عبد الوهاب الدكالي. ، محمد الحياني، شقارة.. وباختياراتهم هذه كانوا يشيدون جسورا مع الوطن باعتبارهم من الجيل الثاني للمهاجرين ..وحينما اكتشفوا الظاهرة الغيوانية؛ هجروا تلك الاختيارات الغنائية، لكي يتمثلوا هذه الظاهرة الجديدة..
من قلب هذه التجربة الموسيقية ،ولدت فرقة “أهل الهجرة” التي تكونت من شباب وشابات الحي،والتي نظمت لها مجموعة من الجمعيات المغربية العديد من الحفلات. بعد مرحلة التأسيس؛انفتحت “أهل الهجرة” على الكثير من الاهتمامات الفنية والاجتماعية والسياسية،فعملت على إنشاء مدرسة للتنشئة الأسرية ،وانتجت ألبوما غنائيا و عملا مسرحيا. ونظمت معارض لرسامين مغاربة يعيشون في بروكسيل ، واستمرت انشطة هذه الفرقة إلى غاية 1983.


في سنة 1987 ، التقى عبيد البحري بالفنان نجيب الشرادي عن طريق صديقه الراحل يحيى عدي (نجيب الشرادي كان قد التقى في دويتو مع كمال حورص)، وأسفر هذا اللقاء عن إنشاء فرقة “وشم ” التي سجلت حضورا قويا في هولندا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا. وفي الثمانينيات أصدرت هذه الفرقة شريطا ملتزما تكريما للشعب الفلسطيني ،
خلال التسعينيات وأوائل القرن الحالي، حققت فرقة وشم العديد من المشاريع الناجحة (حلزون ، الحلاج ، CD Errances ، Ishq)
كما اشتغلت مع مجموعات معروفة مثل Blindman quartet ، Paul Rans Ensemble ؛ ..
وبعد 14 عامًا من التأليف والأداء الموسيقى مع فرقة وشم ، وبعد نضج تجربته الفنية..سيغادر الفنان عبيد البحري الفرقة ليبدأ مشواره الفني الخاص به ويعمل على إنجاز الكثير من الأعمال الرائعة.
وفي سنة 2002 ، أنشأ مع الراحل عدي يحيى جمعية موسيقية Résonnaces والتي دخل معها غمار التاليف الموسيقي لمصمم الرقصات علي السالمي والتي كانت تجربة رائعة ..كما قام بمعية المرحوم عدي يحيى بتأسيس مجموعة كاينة QAYNA والتي كانت المطربة الكبيرة نزيهة مفتاح ضمن أعضائها، وكان ثمار هذه التجربة إصدار ألبوم “Envol”.
كما ساهم في سنة 2006 في تأسيس فرقة رنين والتي احتضنت صوت المطربة نزيهة مفتاح وأنور ابدراغ من العراق.
وبالإضافة إلى هذه الإنجازات، والمتمثلة في العزف القوي ضمن فرق موسيقية جادة وتأليف العديد من القطع الموسيقية،عمل الفنان عبيد على تأسيس اوركسترا غيوانية في نهاية العقد الأول من القرن الحالي وشارك بها مع فرقة جيل جيلالة في بوزار (beaux arts ) ببروكسيل (2009).وعن جديده ،يمكن الوقوف عند عمله الموسيقي الأخير “رحلة”،والذي يأتي ضمن مشروع موسيقي جاد وضع فيه كل عصارة تجربته..


هو هكذا عازف العود عبيد البحري..فنان طموح،يوظف في تجاربه الموسيقية التراث من اجل رسم إيقاعات الهوية والانتماء؛وينفتح في نفس الوقت على أنماط الموسيقى العالمية بكل تجلياتها ومستجداتها الفنية..وهو بهذه الروح،وبواسطة توأمه آلة العود. يمضي في مشواره الإبداعي المتميز وفي داخله طاقات فنية هائلة سيعمل حتما على تفجيرها بمهاراته المعهودة و بطعم من الحنين والحس الإنساني الرفيع.