أحمد رباص – حرة بريس

احتراما للخطاطة المنهجية المعتمدة في هذه السلسلة، يجدر بنا تخصيص هذه الحلقة للحديث عن الفلسفة وتاريخ الفلسفة.
من الناحية التاريخية، تكون الفلسفة دائما مثمرة، لذلك هناك اهتمام بدراسة تاريخها لأنها تحتوي على أفكار كانت بمثابة حجة لهما معا. ومع ذلك، فهل يتعلق الأمر بالبحث عن هذه الأفكار في النصوص التي وُجدت فيها لاستخدامها كنماذج عديدة لأفكار يتعين تطبيقها؟
التاريخ بشكل عام، وتاريخ الفلسفة بشكل خاص، ينبهران بالنماذج المرموقة التي نتعلم منها؛ وهذا الانبهار التاريخي هو عائق إبستيمولوجي بالمعنى الذي قصده غاستون باشلار، أي عامل داخلي يعيق الأداء السليم للفكر بحثا عن المعرفة.
من هو هذا المفكر المرموق الذي يتوجب علينا اللجوء إلية قصد التزود بهذه الأفكار التي لا يسعنا إلا تطبيقها؟
كل من لديه إلمام تام بأفكار مفكر عظيم، كما قال كانط، لن يمتلك سوى “معرفة تاريخية كاملة” بفلسفة هذا المفكر. هذه الأفكار التي تعلمها جيدا، على الرغم من كونها عقلانية بشكل موضوعي، وبعبارة أخرى عقلانية في حد ذاتها، فهي مع ذلك ذات أصل داخلي في الشخص الذي امتلكها بهذه الطريقة؛ فهي ذاتيا تاريخية وليست عقلانية ذاتيا. إنها ليست أفكاره، لأن المعرفة التي يُمكن أن تنسب إليه “لم تخرج من عنديته من عقله”؛ فهو ليس سوى مستودع.
هذا ما دفع كانط للتمييز في الفلسفة بين مفهومها المدرسي وبين مفهومها الكوني، وهو التمييز الذي يسمح لنا، على إثره، بالحديث عن الفلسفة السكولائية (المدرسية) والفلسفة الكونية، عن الفلاسفة السكولائيين و الفلاسفة الكونيين. فلسفة سكولائية وفلسفة كونية هي مصطلحات جديدة خاصة بنا، مستوحاة من التمييز الكانطي الموضح أعلاه.
الفلسفة السكولائية هي بمثابة مدرسة للعالم في مجمله؛ لأنها تحدد الممارسة المدرسية للفلسفة، مغرمة ومهووسة بالمراجع المرموقة التي تبدو بالتالي أساسية فيما يتعلق بالأفكار الشخصية. اما في الفلسفة الكونية، تكون الأفكار الشخصية، على العكس من ذلك، أساسية والمراجع عبارة عن متعلقات. إنها الفلسفة كما مارسها الفلاسفة الأوائل مثل سقراط، أفلاطون، أرسطو، ديكارت، سبينوزا، كانط أو هيجل، أي الفلاسفة الكونيون.
إذا كان من الممكن أن يكون هناك مجموعة من الفلاسفة، فإن هؤلاء سيكونون هم ساكنوها؛ وستُغلق أبواب مثل هذه المؤسسة في وجه أولئك الذين لا يستطيعون سوى القيام بـ “تاريخ الفلسفة”، أولئك الذين يهتمون بالفلسفة فقط بمناسبة دراسة النصوص الفلسفية التي كتبها الآخرون الذين تحملوا عناء تطوير وإنتاج الأفكار.
البعض، كما نرى، هم فقط وكلاء – ناقلون للأفكار التي ينتجها الآخرون؛ هذا هو الفرق بين الفارس والإسطبلي. استنكر كانط، منزعجا، أجواء التفوق الفكري الذي يدعيه لانفسهم على حساب منتجي الأفكار أولئك الذين تقتصر قدراتهم الفلسفية على “تاريخ الفلسفة”، والذين لا يدركون لسوء نيتهم ​​أو سذاجتهم تبعيتهم أحادية الجانب حيال أولئك الذين يدينون لهم بفرصة العمل الفكري.
هناك من العلماء من يستمدون من التاريخ (القديم والحديث) فلسفتهم الخاصة. فليس لأجلهم كتبت المقدمات الحالية. يجب أن ينتظروا أولئك الذين يعملون على الاستفادة من منابع العقل نفسه حتى ينهوا مهمتهم، وبعد ذلك سيأتي دورهم لتثقيف العالم بما تم إنجازه.
بهذا المعنى استطاع كانط أن يقول: “لا يمكن تعلم الفلسفة بل يمكننا فقط تعلم التفلسف”. لم يقل إن الفلسفة لا يمكن تعلمها بأي شكل من الأشكال، بل قال إنه لا يمكن تعلمها إلا على نحو تاريخي.
ومع ذلك، ما هي المعرفة الناتجة عن هذا التعلم التاريخي للفلسفة؟ مع كانط، يبدو أن التعلم التاريخي للفلسفة لا يمكن له، بقدرة قادر، أن ينتج معرفة فلسفية في فكر الشخص الذي يتعاطى له. لا يمكن أن ينتج عنه إلا المعرفة التاريخية؛ أي أن الاطلاع على الفلسفة ولو كان واسعا؛ بدون أي شكل آخر من أشكال التمرين، لن يعدو ان يجعل التعلم التاريخي للفلسفة يثري الذاكرة بدلاً من ان ينمي العقل.
وفقا لما ورد في هذه الموضع الشهير من “نقد العقل الخالص” وحتى لا ننساق إلى تفسيرات سطحية أو مغلوطة، يكون التعلم التاريخي للفلسفة، أي الانكباب على قراءة النصوص الفلسفية، من بين أمور أخرى، فرصة لتعلم الفلسفة. يمكن تعلم التفلسف عن طريق التعلم التاريخي.
يتعلق الأمر، في سياق مدرسي، بقراءة الفلاسفة والتفكير معهم، أو بالتالي، إذا غاب السياق المدرسي، بتعبير آخر إذا كان المرء مهتما بالفلسفة دون أن يكون قد تلقى تكوينا أكاديميا.
في كل الأحوال لا بد من قراءة الفلاسفة ودراستهم. يوصي كانط ضمنيا بتعلم تاريخي منطقي للفلسفة: مع النصوص الفلسفية، يمكن للمرء أن يمارس موهبة العقل بالمعنى الرياضي للكلمة، وأن يمرن العقل على المضي قدما في تطبيق مبادئه العامة، وإكسابه، من خلال التمارين، عادات نقدية.
هذه هي موهبة العقل التي برهن عليها الفلاسفة: تعلم الفلسفة هو التدرب على السير في طريق المفهوم. بهذا المعنى، دعا هيجل، ضدا على فلسفة الحدس والشعور الداخلي والمعرفة المباشرة التي لا تحتاج إلى برهان، إلى علمية الفلسفة.
لا يمكن أن يكون الشكل الحقيقي الذي توجد فيه الحقيقة سوى النظام العلمي لتلك الحقيقة. التعاون في هذه المهمة، وتقريب الفلسفة إلى شكل العلم – إن تحقق هذا الهدف ستكون قادرة على إسقاط اسم حب المعرفة لتكون معرفة حقيقية بشكل فعال – هذا هو ما اقترحته على نفسي كغاية.
(يتبع)