مستجداتمقالات الرأي
الساعة القانونية: أكثر من مسألة عقارب، قضية صحة عامة وواقع مغربي

د. الطيب حمضي
طبيب وباحث في السياسات والأنظمة الصحية.
الأبعاد المتعددة لاختيار النظام الزمني إن اختيار نظام التوقيت ليس مجرد قرار إداري بحت؛ بل هو إجراء يمس بشكل مباشر الصحة العامة، والتنظيم الاجتماعي، والاقتصاد، والمدرسة، والنقل، والبيئة، والعمل الفلاحي، وحتى السلامة الطرقية.وعلى الصعيد الدولي، يمكن التمييز بين ثلاثة أنظمة توقيت رئيسية: التوقيت القانوني المستقر (ويُعرف عمومًا بالتوقيت الشتوي)، والتوقيت الصيفي الدائم، والتغيير الموسمي مرتين في السنة (شتاءً وصيفًا.من المنظور الصحي، تتطابق المعطيات المتوفرة في علم الأحياء الزمني (الكرونوبيولوجيا) والصحة العامة حول فكرة مركزية: نظام التوقيت الأكثر فائدة هو الذي يحترم الساعة البيولوجية للإنسان والتعرض الطبيعي لنور الصباح بشكل أفضل. وفي هذا الصدد، يبدو التوقيت الشتوي الدائم عمومًا الخيار الأكثر تلاؤمًا مع الإيقاعات البيولوجية. ورغم أن التوقيت الصيفي الدائم يتميز بميزة تجنب التغيرات المفاجئة مرتين في السنة، إلا أنه يحافظ على فارق مستمر مع التوقيت الشمسي. أما التغيير الموسمي، فيُعتبر الأقل ملاءمة من الناحية الصحية، لأنه يفرض على الجسم تكيفًا مفاجئًا، لا سيما عند الانتقال إلى التوقيت الصيفي.ومع ذلك، فإن التوقيت الشتوي ليس مثاليًا على جميع المستويات؛ إذ يمكن أن يقلص من كمية الضوء المتاحة في نهاية اليوم، مما قد يحد من بعض الأنشطة الاجتماعية أو التجارية، كما قد يساهم لدى المراهقين الذين يميلون إلى الاستيقاظ متأخرين فيما يمكن ان نسميه بـاضطراب الساعة الاجتماعية (Jetlag social). لكنه يظل، من الناحية البيولوجية، الخيار الأكثر انسجامًا مع الإيقاع الطبيعي لجسم الإنسان.كيف تتحكم الساعة البيولوجية في صحتنا؟يحتوي جسم الإنسان على ساعة بيولوجية داخلية ، تمتد دورتها لحوالي 24 ساعة وبضع دقائق من التأخير (تتراوح بين 10 إلى 30 دقيقة حسب الأفراد في الجنس البشري).وفي كل صباح عند الاستيقاظ، يتيح التعرض للضوء الطبيعي للدماغ تصحيح هذا الفارق الصغير من خلال مزامنة وقت الساعة مع الوقت البيولوجي. وتسمح هذه الآلية بضبط النوم، واليقظة، ودرجة حرارة الجسم، والشهية، والتركيز، والمزاج، والإفرازات الهرمونية.ويُعتبر هرمون “الميلاتونين”، الذي يُطلق عليه غالبًا هرمون النوم، حساسًا بشكل خاص للضوء؛ إذ يرتفع مستواه في المساء مع حلول الظلام، وينخفض في الصباح مع ظهور الضوء.الأطفال، المراهقون، والبالغون: الفاتورة الصحية للتوقيت الغير متوازنيمكن أن يؤدي غياب الانسجام بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي إلى ظهور العديد من الآثار الصحية، منها: صعوبة الاستيقاظ، تأخر النوم، تقلص مدة النوم، التعب الصباحي، سرعة الانفعال، ضعف التركيز، وتراجع اليقظة.وتظهر هذه التأثيرات بشكل جلي وخاص لدى الأطفال والمراهقين، إذ يميل إيقاعهم البيولوجي طبيعيًا نحو النوم المتأخر. وعندما تبدأ المدرسة مبكرًا ويكون الاستيقاظ في الظلام، قد يزداد عجز النوم تفاقمًا، مما يؤدي إلى عواقب محتملة على التحصيل الدراسي، والإنصات، والسلوك داخل الفصل.كما يشمل هذا الأمر أيضًا العمال الصباحيين، والموظفين، والسائقين، والفلاحين، ومستخدمي وسائل النقل العمومي. فبدء اليوم في الظلام يمكن أن يقلل من مستوى اليقظة ويزيد من المخاطر المرتبطة بالتنقل، أو السياقة، أو العمل اليدوي.وقد أشارت العديد من الدراسات الدولية إلى ارتفاع خطر الإصابة بنوبات احتشاء عضلة القلب (الجلطة القلبية)، والسكتات الدماغية، وحوادث السير، وحوادث الشغل بعد الانتقال المفاجئ إلى التوقيت الصيفي. ولا تُعزى هذه الأحداث إلى التوقيت بمفرده، ولكن تغيير الساعة يمكن أن يعمل كعامل محفز أو مفاقم للأعراض لدى الأشخاص الهشين، أو المتعبين، أو الذين يعانون أصلاً من نقص في النوم.لماذا لم تعد الحجج الاقتصادية للتوقيت الصيفي صلبة؟لا يفتقر التوقيت الصيفي إلى الحجج؛ فهو يتيح نقل ساعة من الضوء إلى نهاية اليوم، مما قد يشجع بعض الأنشطة الاجتماعية، والتجارية، والرياضية، أو السياحية، لا سيما في المناطق الحضرية. ويمكن للمقاهي، والمطاعم، والمتاجر، والأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق، والتنقلات بعد العمل أن تستفيد من ذلك.ومع ذلك، فإن الحجة الطاقية، التي كانت تاريخيًا الركيزة الأساسية في الدفاع عن التوقيت الصيفي، أصبحت اليوم أقل متانة. فقد تغيرت أنماط الاستهلاك بشكل عميق؛ إذ باتت الإضاءة تستهلك أقل من السابق بفضل المصابيح منخفضة الاستهلاك ومصابيح (LED)، في حين تلعب المكيفات، والتدفئة، والأجهزة الإلكترونية، والنقل، ومواقيت العمل دورًا أكثر أهمية في استهلاك الطاقة.وبناءً على ذلك، فإن الفوائد الاقتصادية للتوقيت الصيفي ليست تلقائية ولا عالمية؛ بل تعتمد على المناخ، والبنية الاقتصادية، وعادات التنقل، والمواقيت المدرسية والمهنية، وكذا نمط عيش الساكنة.عندما تصطدم الرغبة في التغيير بإكراهات اختلاف الاختيارات والتنسيق والجغرافياقررت أوروبا منذ عام 2019 إلغاء تغيير التوقيت مرتين في السنة، غير أن هذا القرار لم يُطبق حتى يومنا هذا؛ إذ تفضل بعض الدول الإبقاء على التوقيت الصيفي الدائم، بينما تميل دول أخرى نحو التوقيت الشتوي الدائم، وتتخوف دول أخرى من مشاكل التنسيق بين البلدان المجاورة. وحتى داخل البلد الواحد، تتباين آراء المواطنين.يوضح هذا الأمر أن مسألة التوقيت لا تقتصر على الصحة فحسب، بل تمس أيضًا الجغرافيا، والاقتصاد، والنقل الدولي، والعادات الاجتماعية، والخيارات الاجتماعية والوطنية.المعادلة المغربية: لماذا يشكل التوقيت الشتوي الخيار الأكثر انسجاماً مع واقعنا الوطني؟في المغرب، يجب تحليل مسألة التوقيت على ضوء الحقائق الوطنية. تضم البلاد قاعدة ديموغرافية مدرسية مهمة؛ فالأطفال والمراهقون (الذين يشكلون قاعدة الهرم الديموغرافي) معرضون بشكل مباشر لتبعات الاستيقاظ المبكر، خاصة عندما تكون التنقلات نحو المدارس قبل شروق الشمس.كما يظل جزء كبير من النشاط الوطني مرتبطًا بالفلاحة، والعمل اليدوي، والتنقلات الصباحية، والمواقيت الإدارية، والنقل العمومي. وفي هذه السياقات، يشكل توفر الضوء الطبيعي في الصباح عامل راحة، وسلامة، وفعالية.وتؤثر السلامة الطرقية وأمن التنقلات بشكل كبير على اتخاذ القرار؛ إذ يكون التلاميذ والعمال ومستخدمو وسائل النقل الجماعي أكثر عرضة للمخاطر عندما تتم الرحلات الصباحية في الظلام.بالنسبة للمغرب، يظهر التوقيت الشتوي كخيار أكثر انسجامًا مع المتطلبات الصحية، والمدرسية، والاجتماعية، والفلاحية، والبيولوجية للبلاد. ومن شأنه أن يقلل من الاستيقاظ في الظلام، ويقرب التوقيت الرسمي من الإيقاع الطبيعي للشمس، ويحسن جودة النوم، ويحد من الآثار السلبية على اليقظة وجوانب الحياة اليومية، على أن يتم التخفيف من الأثر المحتمل على التجارة الدولية من خلال تدابير ملائمة ومواكبة.




