منعم وحتي.

كنا صغارا، حين كنا نتداول بصوت خافت، حكايات، السي بوكرين، أيقونة تهابها كل أعين السلطة، يغيب لمدة طويلة عن أعيننا، و نحن صبية، ليظهر بعد ذلك ببرنوسه الأمازيغي الأنيق، وقامته الفارعة، لنعلم أنه خرج لتوه من زنزانة نفس الأعين التي تتحسس مشيته عن بعد، ذهابا و إيابا من أمام منزلنا.

ونحن نكبر، و المعلم يلقننا الدروس الأولى، في هندسة الفعل السياسي، و أصول الثورة الفرنسية، والفكر الاشتراكي، وعصب الصراع، لكن ليست وحدها.

بل علمنا أيضا جغرافية المغرب، منابع الأنهار ومسار اختراقها الدقيق للمدن والقرى، فجاج الجبال وقممها، بمسمياتها القديمة والمستحدثة.

علمنا قراءة الخرائط و إحداثيات خطوط الطول و العرض، علمنا تاريخ قبائل المغرب مرورا بالشاوية، الأطلس والريف، تنوع الصحراء و الشرق.

علمنا فن الخطابة، كان تلقائيا ومقنعا جدا، إلى درجة أنك تحس أن دواخله من تتكلم، بفيض حب الأرض والإنسان.

علمنا أن نكون كتلة من المشاعر الفياضة، حين تغرورق عيناه، وقد وصل إلى علمه أن أحد رفاقه القدامى، أصحاب العمائم التي ضحت سنوات الرصاص، قد سقط صريع فراش المرض، وتعتمل ذاكرته بمرويات بطولات حقيقية، فتتقد محكياته بدقائق تفاصيل الأحداث كأنها وقعت البارحة.

علمنا كيف نحب الأرض، وأن الذي يفرط في أرضه، كمن يفرط في شرفه، و هو يدرس لنا حقائق تاريخ الحدود الشرقية والجنوبية، و دسائس الداخل والخارج والحاكم.

علمنا كيف نمتلك جرأة أن نقف كالنخل أمام العواصف، وأن لا ننحني لأي كان حين نكون في صف الجماهير، وأن نكون مستعدين لأداء ضرائب خياراتنا الصائبة، مهما كلف الأمر، وهو من رفض بالمطلق أن يتقاضى تعويضا عن تضحياته.

علمنا، أن نحب الفرح و الحياة، وهو يغني لنا مرويات أمازيغية، بصوت شجي يختلج بآمال وأحلام القبائل وأنفتها، عزتها وعنفوانها.

5 أبريل ذكرى أخرى لرحيل المناضل والرمز، المعلم بوكرين محمد، غادرنا الجسد، لكن لن تغادرنا دروسه وأفكاره، فالبوصلة لا تسقط أبدا.