محمد بوبكري


لست مقتنعا بشخص “عبد المجيد تبون” لأنه صنيعة الجنرالات الذين حولوه إلى بوق لهم وأداة لتنفيذ مخططاتهم التي تناهض طموحات الشعب الجزائري. لذلك ترددت في الاستماع إلى “الندوة الصحفية” التي عقدها مؤخرا، لكن، من باب حب الاستطلاع، اقتنعت في الأخير بالاستماع إليها. ولما انهيت، تولدت عندي قناعة بأنه لم يأت بجديد، بل إنها عكست فراغه والخواء السياسي والفكري لجنرالات الجزائر، فتساءلت: هل يمكن قراءة الفراغ؟ ومادام الصحفيان تابعيين للجنرالات، فإنهما افتقدا الجرأة، فلم يطرحا على تبون الأسئلة التي تدور في أذهان الشعب الجزائري، وتبين لي أنهما تجنبا إحراج “تبون”. تناول هذا الشخص مشكلات عديدة، سأتطرق إلى ما قاله عنها بعجالة في هذه الورقة القصيرة.
لقد شرع في الحديث عن القطاع الفلاحي دون القيام بأي تحليل لواقعه وتاريخه، والعوامل والاختيارات التي أدت إلى ضعف الإنتاج الزراعي والحيواني، حيث قال مباشرة: يجب على هذا القطاع أن يعتمد تقنيات جديدة، ينبغي أن تكون جزائرية للرفع من المحصول الفلاحي للجزائر، وكأن التقنيات الجزائرية أكثر فعالية من التقنيات الغربية كلها!! ويتمثل فراغ تبون في أنه لا يعرف التاريخ الحديث للجزائر بمختلف قطاعاتها، حيث كانت الجزائر تمتلك مؤهلات فلاحية في بداية الستينيات، لكن “هواري بومدين”، نتيجة جهله وتسلطه ونزعته التوسعية، توهم أنه يمكن استغلال عائدات البترول والغاز لتحويل الجزائر إلى أكبر بلد صناعي في أفريقيا، ما يؤهله للاستيلاء عليها، فاعتقد أن القطاع الفلاحي لا قيمة له، وأنه يجب إعطاء الأولوية للصناعة، وكأن البلدان الصناعية الكبيرة لا تهتم بالفلاحة. لم يفسر “تبون” ضعف الجزائر الفلاحي بجريمة تخريب بومدين للقطاع الفلاحي وتهميشه، لأنه لا يعرف أن مشكل الفلاحة في الجزائر قديم، وأنه صار مكعبا مع مرور العقود، ما جعل كلام “تبون” فارغا لا يتضمن تحليلا ولا فهما ولا حلولا فعلية للرفع من المحصول الفلاحي الجزائري.
كما تحدث “تبون” عن الاندماج الاقتصادي، وإشراك كل القطاعات في تحقيق النقلة الاقتصادية… وتجنب الحديث عن واقع مختلف القطاعات الاقتصادية وما تعيشه من مآس نتيجة تحكم الجنرالات فيها وتحويلها إلى ضيعات خاصة بهم. وما يؤكد كذب “تبون” هو أنه سبق أن قال إن الجزائر تتوفر على أفضل “منظومة صحية”، لكنه لما سقط مريضا، نُقل إلى ألمانيا للعلاج هناك.
وركز على ضرورة تشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع تعود بالنفع على الجزائر، لكنه يجهل أن طبيعة الإدارة الجزائرية قد جعلت المناخ الجزائري لا يشجع المستثمرين، حيث لم يدخل الجزائر مستثمر منذ سنتين، لأن المستثمرين لا يثقون في نظام العسكر المهدد بالزوال، وينفرون من استثمار أموالهم في الجزائر، لتفشي الرشوة والفساد فيها، حيث لا يكتفي الجنرالات بنهب أموال الجزائريين، بل يرغبون كذلك في نهب أموال المستثمرين الأجانب ما لم يكونوا أقوى منهم نفوذا سياسيا. فالمستثمرون الغربيون يفضلون أذريبيجان ودول البلطيق وبلدانا أخرى، ويرفضون الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية استبدادية. لذلك فـ”تبون”يجهل، أو يتجاهل أن نظام الجنرالات ينفر المستثمرين من الاستثمار في الجزائر.
تضمنت هذه الندوة الصحفية أيضا حديثا عن “الانتخابات”، فقال “تبون” إنها ستكون نزيهة، ونسي أن الجزائريين يسخرون منه في شعاراتهم قائلين: “تبون مزور، جاء به العسكر”، لذلك، فهو آخر من يمكن أن يتحدث عن النزاهة، لأنه صعد إلى السلطة زورا. فكيف يمكن أن يصدق الناس “رئيسا مزورا” يقدم وعدا باحترام أمور لا تنطبق عليه، ولا تتوفر فيه؟ ! فالنظام العسكري الجزائري هو الذي يختار الرئيس والحكومة والبرلمان والمجالس، ولا يسمح لأحد بالتقرير في ذلك، والجزائريون يعون أن رئيسهم ضعيف لا يقرر في أي شيء، بل يتم التقرير له في كل شيء؛ وظفه الجنرالات في كل ما يمكن أن يخدمهم فيه وبه. ثم إن هذا الشخص محاط بمستشارين يتصارعون فيما بينهم، لأن كل واحد منهم تابع لجنرال معين، ما يفيد أن هناك صراعا عميقا بين الجنرالات حتى داخل أروقة “الرئاسة” بقصر “المرادية”. زد على ذلك أن هذا الشخص ليس سياسيا، ولا مُسَيَّسا، ولا يعرف السياسيين، ولا يملك ماض سياسيا؛ فهو مجرد إداري قضى حياته في الإدارة. والإداري لا يمكنه أن يكون رئيسا، لأن الرئاسة منصب سياسي بامتياز… وفي إطار حديثه عن الانتخابات، تحدث “تبون” عن التشبيب، لكن ألا يدل فرض شخص يبلغ من العمر 91 سنة، رئيسا للمجلس الوطني الشعبي (البرلمان الجزائري)، على أن الجنرالات يناهضون الشباب، لأنهم، هم أنفسهم، ليسوا شبابا، ويشعرون أن الشباب الجزائري قد بات يناهضهم، ويطالبهم بالرحيل؟!… وإذا افترضنا أن الانتخابات ستكون نزيهة، وأنها ستسفر عن برلمان ديمقراطي، فإن العسكر لن يقبلوا بوجود مؤسسة تأخذ منهم صلاحياتهم، لأن البرلمان الديمقراطي يصادق على الحكومة ورئيسها، ويريد التقرير في ميزانية العسكر، وميزانية “البوليساريو”، الأمر الذي يرفضه العسكر، وبالتالي فهم لن يقبلوا بأي انتخابات ديمقراطية، لأنهم يتحكمون في كل شيء بغير وجه حق، ويرفضون المراقبة والمحاسبة. فعندما نعود إلى تاريخ الدول التي حكمها العسكر، نجد أن أنظمتها العسكرية كانت دوما ضد الانتخابات الديمقراطية، وضد الدولة المدنية، لأنهم يحكمون بالحديد والنار، ما يعني أن تبون يمارس الكذب حتى لقبه الجزائريون بـ “كذبون”. وإذا كان “تبون” يتمتع بحد أدنى من الصدق والصراحة، فليعلن أمام الملأ عن الجهات التي مولت حملته الانتخابية، ولماذا قامت بذلك، وما هي الأهداف التي كانت ترومها من وراء ذلك….
وإذا كان “تبون” ينكر وجود معتقلي الرأي في الجزائر، ما يفيد أنه لا يعترف بوجود معتقلين سياسيين، بحيث حصر عددهم في ومعتقل واحد أو اثنين، فهذه جريمة كبرى، لأن السجون الجزائرية غاصة بمعتقلي الحراك الذين يوجه إليهم القضاء الجزائري التابع للعسكر تهم الإرهاب وغيرها من التهم التي لا تمنحهم صفة معتقلي الرأي. إن هذا تزوير للواقع يبغضه الجزائريون، ويشكل سببا من أساب رفضهم للنظام العسكري.
وخلاصة القول، إذا كان الجنرالات يوظفون “تبون” للتخفيف من حدة الحراك، فإن الجزائريين لا يثقون فيه ولا في العسكر، لأنهم يعون أنه صنيعة الجنرالات. لذلك، فهم يرفضون النظام العسكري، لاسيما أن أحوالهم تزداد سوءا يوما بعد يوم، ما جعلهم يخافون على مستقبل الجزائر، ومستقبل أبنائهم، حيث لا توجد منظومة تعليمية ملائمة، ولا منظومة صحية سليمة، ولا إدارة تتمتع بالمروءة، ولا شغل كريم… فقد حول الجنرالات حياة الشعب الجزائري إلى جحيم… لذلك، فالحراك مستمر، وإذا اشتد الحراك فسيأكل الجنرالات عضهم بعضا، حيث سيسعى كل جناح إلى الحفاظ على استمراره، لكن الحراك يرفض النظام العسكري، ويطالب بزواله، لأنه لم يعد يمارس العنف فقط على الجزائريين، بل وكذلك على الوطن الذي أصبح مهددا في كيانه. والشعب يدرك أن هذا النظام هو مكمن الداء الجزائري، ولا يصدق أكاذيب تحميل كل شيء لجهات خارجية، كما يفعل نظام العسكر عبر وسائل إعلامه. أتمنى للشعب الجزائري الشقيق التوفيق في بناء دولته المدنية. ويبدو ألا سبيل لذلك إلا بأن يشتد عود الحراك الشعبي السلمي الحضاري، ويصبح أكثر تنظيما وتنسيقا فكريا، ما يستوجب قيام قيادييه بتطوير أرضية سياسية نضالية توحد أهدافهم وصفوفهم وتجعل لحمة الحراك أكثر تماسكا ومتانة، وتجنبهم السقوط في صراعات هامشية، لأن تبني مبدأ “المواطنة” منصف للجميع. وبذلك سيكون لهذا الحراك أفق يفضي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.