محمد بوبكري


لقد التزم الجنرال “القايد صالح” بالقيام بإصلاحات لتلبية مطالب الحراك الشعبي الجزائري. وكان مفترضا، بعد وفاته، أن تحترم المؤسسة العسكرية الجزائرية التزاماته، لكن تأكد للشعب الجزائري أن هذا الجنرال قد طعن الحراك من الخلف، لأنه تحايل على الجزائريين، وأجهض انتفاضتهم ضد المؤسسة العسكرية، ما يعني أن هذه المؤسسة قد سرقت الانتفاضة التي أطلقها الحراك. كما تبين أن الجنرالات قد خذلوا الجزائريين لأنهم لم يحترموا وعودهم، بالتالي فمسؤولية الأزمة الجزائرية تقع على الجنرالات وحكوماتهم، لا على الشعب الجزائري، بل إن هذا الأخير مهضوم الحقوق، حيث يعاني من الاستبداد والظلم والفساد. وهذا دليل على التخلف الفكري للجنرالات، لأن الحكام الأذكياء يستجيبون لديناميكية التغيير، ويقتنعون بها، كما أنهم قادرون على إقناع الشعب بها شكلا ومضمونا. أضف إلى ذلك أنهم يعملون على تحقيق هذا التغيير وتحويله إلى واقع ملموس، كما يجب أن ينعكس هذا التغيير إيجابا على حياة الشعب. لقد أعلن حكام الجزائر عن اقتناعهم بمبدإ التشبيب، لكنهم جاؤوا بشخص عجوز، يبلغ من العمر 91 عاما، وفرضوه رئيسا على مجلس الأمة، ووزعوا المناصب على الفاسدين من أتباع “عبد العزيز بوتفليقة” وعصابته. وقد فسر بعض المتتبعين الجزائريين هذه الممارسة بأن العصابة الحاكمة تريد الانتقام من الشعب الجزائري حتى يندم على مرحلة “عبد العزيز بوتفليقة”. وحسب هؤلاء فإن الانتفاضات الناجحة ينعكس أثرها على مستوى النخب التي تتصدر المشهد السياسي.
لقد اعتقد الجزائريون أن حراكهم تسبب في تنحية “عبد العزيز بوتفليقة” وعصابته، وكانوا ينتظرون تغييرات أخرى جذرية تشمل النظام العسكري ذاته، لكن الجنرال “سعيد شنقريحة” صدمهم، لأنه تمادى في الانقلاب عليهم، حيث أعاد الجنرالين خالد نزار وتوفيق محمد مدين وعصابتهما إلى السلطة، ما يعني، في نظرهم، أنه قد كشف عن عناده ومغالاته في استبداده، لأنه أراد أن يستعين بالمسؤولين عما يسمى بـ “العشرية السوداء”، الذين ما تزال أياديهم ملطخة بدماء الجزائريين.
وجدير بالذكر أن “عبد العزيز بوتفليقة” هو الذي أعاد “تبون” إلى المشهد السياسي، وعينه وزيرا أول، رغم أنه خاوي الوفاض، حيث لا برنامج ولا مشروع له. وهذا ما جعل الجنرال “القايد صالح” يختاره، لأنه سهل الانصياع وعاجز عن التفكير. لذلك، دخل “تبون” الرئاسة ضعيفا. ولما توفي الجنرال ” القايد صالح”، وجد نفسه في العراء، ورغب في أن يخضع لحماية “شنقريحة”. ونظرا لانعزاليته، فإنه جاء بأغلبية مستشاريه من جريدة ” الشروق” التي كان يقضي فيها أغلب وقته، أيام كان عاطلا وليس له ملفات يشتغل عليها. هكذا، فقد عاش “تبون” في موقع تتقاذفه أمواج الصراع على السلطة بين مختلف أجنحة العسكر، حيث لا يفكر، ولا يعرف ما يجري حوله، ولا يستعمل خياله لتقوية موقعه، فانتهى به المطاف مؤخرا إلى تكليفه بالاجتماع مع زعامات أحزاب صغيرة تابعة للجنرالات. وجدير بالذكر أن الصدفة قد لعبت لصالح “شنقريحة” الذي وجد نفسه صدفة في موقع رئيس الأركان، بعد وفاة الجنرال “القايد صالح”، لأن استبداد الجنرالات جعلهم يبحثون دوما عن الذي هو أضعف فكريا منهم، فيسهل ترويضه، ولا يمكنه أن يكون منافسا لهم. و”شنقريحة” كان ينبطح على بطنه أمام “القايد صالح”.
ونظرا للتدابير الوقائية التي فرضتها جائحة “كورونا”، فقد ظن جنرالات الجزائر أن الحراك انتهى ولن يعود أبدا، لكن إحياء الذكرى الثانية لهذا الحراك أكدت أنه ازداد قوة وانتشارا، فأصيب الجنرالات بالهلع منه، لأنه يطالب برحيل نظامهم العسكري.
ولما عاد تبون من فرنسا مؤخرا كلفه “شنقريحة” بمهام كانت فاشلة، ما جعل بعض المتتبعين من الداخل يلاحظون أن ضباطا كبار غير راضين عن “تبون” بسبب ضعفه، كما أنهم لا يقبلون بقيادة “شنقريحة” لهم، ما جعلهم يفكرون في تغييره بضابط آخر. ولما سافر تبون” إلى العلاج في الخارج، فكر الضباط في عزله، لكنهم كانوا في حاجة إليه لتمرير الدستور والمصادقة على الميزانية. فالضباط الكبار يرفضون أن يكونوا في الواجهة، لأنهم يخافون من تحميلهم مسؤولية الاعتداء على حقوق الإنسان… وهذا ما جعلهم يرجعونه من ألمانيا لكي يتحمل مسؤولية تمرير دستور قائم على الاستبداد، ويمنح الجنرالات شرعية كبرى تعطيهم حق الانقلاب متى شاءوا وكيفما شاءوا، دون أن تهتز شرعيتهم من أي جهة جزائرية… لقد أراد الجنرالات تغيير “تبون” عندما كان يعالج في ألمانيا، لكنهم تراجعوا عن ذلك، مخافة تفسيره بكونه انقلابا عسكريا على الشرعية. ولما عاد “تبون” إلى الجزائر، أراد أن يحدث تغييرات في جهاز الامن، لكن المسؤولين عن الأمن رفضوا ذلك.
يرى بعض المتتبعين للشأن العام الجزائري من الداخل أن الجنرالات كانوا عازمين على أن يتم تعديل حكومي يغير الحكومة جذريا، حيث كان منتظرا أن يرحل “عبد العزيز جراد” وحكومته، لكن ذلك لم يحدث كما تمت البرمجة له من طرف الجنرالات، حيث كان “شنقريحة” سيعين نائبا لوزير الدفاع، ما تم تأجيله إلى تعديل لا حق، إذ ارتأى الجنرالات أن الحكومة المعدلة مؤخرا ستتم إقالتها قريبا بضغط من الحراك الشعبي، و”شنقريحة” يرفض أن تتم إقالته، لأنه يريد الاستمرار في السلطة. لقد أثبت التعديل الحكومي أن الأمور ليست على ما يرام في الجزائر. فالجنرالات يعتقدون أن الحراك سيسقط هذه الحكومة، فيتم تشكيل حكومة جديدة يكون فيها “سعيد شنقريحة” نائبا لوزير الدفاع. وهذه هي الخطة التي دأب على اللجوء إليها خالد نزار وتوفيق مدين وأفراد عصابتهما كلما اشتد الضغط على النظام. وتذكرنا هذه الخطة بما فعلته هذه العصابة في بداية تسعينيات القرن الماضي.
ويبدو اليوم أن كل شيء متوقف على ردود فعل الشارع الجزائري؛ إذا كان الحراك قويا، فسيتم حل الحكومة، وقائمة الحكومة جاهزة في مكتب “سعيد شنقريحة”. وإذا طالب الحراك برحيل “تبون”، فإن الجنرالات سينحونه، لأنه محسوب على “القايد صالح”، والجنرالات “شنقريحة” ونزار وتوفيق يريدون شخصا آخر من صنعهم. ويسر “تبون” لمحيطه الضيق أن القرارات التي اتخذها الجنرالات باسمه قد أساءت إليه كثيرا، ولكنه يفضل البقاء في السلطة على الانصراف إلى حال سبيله. إن الجنرالات لا يستطيعون إقالته خوفا من فرنسا، لأن فرنسا على علم مستمر بكل طبخات السلطة الجزائرية، كما أن الرئيس الفرنسي “إمانويل ماكرون” قد أعلن عن تشبثه بـ “تبون”، وعبر عن إعجابه بشجاعته. ولا يمكن تفسير ذلك بسذاجة ماكرون، فهو يريد أن يوظف “تبون” في محاولة الدخول بالجزائر في مرحلة انتقالية. هكذا فإن الجنرالات يخافون من الشارع الجزائري، ومن فرنسا كذلك. فهم يريدون عزل “تبون” بضغط من الشارع الجزائري الذي سيمكنهم من تسويغ عزله، لكن الشارع يطالب برحيل الجنرالات وعلى رأسهم “شنقريحة” وعصابته، ويريد التخلص من الجنرالين خالد نزار وتوفيق محمد مدين ومؤامراتهما وعنفهما، لأنه يعي خططهما وغاياتهما… فهما يشكلان العلبة السوداء لنظام الجنرالات، كما أن الشارع يعي أن ” تبون” مجرد رئيس شكلي، ما يجعله عاجزا عن فعل أي شيء، وأن الحاكم الفعلي للجزائر هم الجنرالات الذين يتحملون مسؤولية كل مآسي الجزائر والجزائريين…
وأمام عجز الجنرالات تجاه الشارع الذي أصابهم بالشلل، فإنهم باتوا يروحون عن أنفسهم بتوجيه التهم إلى قوى خارجية يحملونها مسؤولية الحراك الذي يطالب برؤوسهم، ما يعني أنهم يوظفون “نظرية المؤامرة” لتبرئة أنفسهم. وهذا أمر يرفضه الشارع الجزائري، لأنه لا يمكن لأي قوة أجنبية، مهما كانت كفاءاتها، أن تعبئ ملايين الجزائريين الذين صاروا يدركون جيدا حقيقة نظام الجنرالات وتحايلاته وألاعيبه… لذلك، على الجنرالات أن يعوا أن الشعب الجزائري يدرك أنهم هم المسؤولون عن مآسيه وأمراضه وآلامه…
وسيرا على نهجهم المعادي للمغرب، وإمعانا في استفزاز المغاربة، فقد كلف الجنرالات “عبد المجيد تبون” باستقبال “إبراهيم غالي” كبير الانفصاليين، فاستقبله في مكتبه بقصر “المرادية”، وأخذت لهما صور شكليا، لكن بعد انتهاء المقابلة، خرج “إبراهيم غالي” وحيدا، دون أن يرافقه “تبون”، فصرح “غالي” أنه سيستمر في حربه ضد المغرب، ما يؤكد أن هذا الشخص مأخوذ بأوهامه، وأن خرافة “البوليساريو” قد أوشكت على النهاية. ويرى بعض الملاحظين أن التقاليد الدبلوماسية تفترض أن يرافق “تبون” “غالي” إلى خارج مكتبه، ويعقدا معا ندوة صحفية مشتركة يتحدثان فيها عن مضمون القرارات التي اتفقا عليها، لكن تبون لم يفعل ذلك، ما يعني أن “تبون” قد عامل “غالي” معاملة تابع له، أو خادم عنده، ما فسره البعض بأنه لا يعتبره “رئيسا”، ولا يعترف بـ “الكيان” الذي يتوهم أنه يرأسه، وأنه لم يعر أي اهتمام لغالي، ولا لمشاكله السياسية والاجتماعية والتنظيمية المتفاقمة عليه في المخيمات…
ونظرا لقوة الحراك واتساعه، فإن الجزائر تقتضي قرارات فعلية؛ فالنظام العسكري يعيش في رعب كبير، جعله يعمل على شق صفوف الحراك. لذلك يعمل قياديو الحراك على تجنب كل من شأنه أن يسقط الحراك في نقاشات هامشية تضر بوحدة صفوفه، لأنهم يعون أن ذلك يخدم أهداف العصابة الحاكمة. كما أن النظام العسكري صار يعتقد أن المجتمع الجزائري لا يبصر ولا يسمع، ولا يعقل، لأن وسائل إعلام الجنرالات لجأت، كعادتها، إلى ممارسة التضليل والتعتيم، حيث تحدثت عن عودة الحراك بكونها احتفالا بالتآخي بين الشعب والجنرالات، لكن الشعب عبر من خلال حراكه عن رفضه القاطع لنظام العسكر عبر مطالبته بإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة. وهذا ما جعل الشعب الجزائري ينفر من الإعلام الرسمي ويقاطعه، بحثا عن مصادر أخبار وتحليلات أخرى لما يجري في الجزائر.
تبعا لكل ذلك، يبدو جليا أن نظام العسكري يتآمر على الجزائر والجزائريين، وحتى على نفسه، ما يقتضي ضرورة الانفتاح وقبول النقد والرأي المختلف… لكن الجنرالات يرفضون ذلك، حيث عاد “شنقريحة ” بالجزائر إلى نظام الحزب الواحد، لأنه يرفض الفكر المختلف ويكرس الفساد والعنف والكراهية، ما يتعارض مع ما يدعيه حكام الجزائر من بناء “جزائر جديدة”، ويُعتبر كذبا وبهتانا، لأنه لا يمكن الحديث عن “جزائر جديدة” بدون نقد ولا تعددية، ولا اعتراف بالآخر. وإذا كان “تبون” يتحدث عن دولة جزائرية خالية من الفساد والكراهية، فإن الواقع يؤكد أن الغش والرشوة سائدان، وأن الفساد والمحسوبية أصبحا عملة يومية، وأن العنف هو سيد الموقف…
وخلاصة القول، إن “الرئيس تبون” ضعيف، وهناك صراعات وتطاحنات بين مختلف أجنحة الجنرالات، الأمر الذي قد يؤدي إلى انقلاب بعضهم على البعض الآخر، كما يمكن أن يتم تقديم “تبون” قربانا للحراك. لكن ما هو مؤكد هو أن السيناريو الذي اعتمده “الجنرال القايد صالح” لن يتكرر، لأن الجزائريين لن يسمحوا به؛ فهم صاروا على وعي بمؤامرات العسكر عليهم؛ فالدولة مختطفة من قبل الجنرالات، وهؤلاء يخافون من فرنسا، وكذا من الدول الغربية. ويبقى الكيان الجزائري مهددا من قبل العسكر الذين نهبوه وخربوه، ولا يزالون يرغبون في البقاء في السلطة. لذلك، إذا كان العسكر يعتبرون أنفسهم وطنيين، فعليهم أن يفسحوا المجال للشعب الجزائري ليبني دولته المدنية الديمقراطية الحديثة؛ فالشعب يرفضهم، ولا يمكنهم الاستمرار في السلطة ضد إرادته. وإذا كان الشعب قد رفضهم، فهم المسؤولون عن ذلك، لأنهم أساؤوا إليه، وإلى وطنه كثيرا. لذلك، إذا لم ينسحب العسكر، فإنهم سيضعون الكيان الجزائري في مهب الريح، لأنه قد يتشظى ويتبخر.
وتجدر الإشارة إلى أن الاتجاه العام الذي تسير نحوه الأمور هو انهيار الأنظمة العسكرية. لذلك على جنرالات الجزائر أن يدركوا أن نظامهم سائر إلى الزوال، لأن منطق العالم الحديث يعارض بقاء الأنظمة العسكرية، حيث إن هذه حقيقة دامغة. فجنرالات الجزائر ذاهبون إلى زوال.