ذ. مصطفى المنوزي محامي و رئيس منتدى التفكير و الدراسات و التوثيق


عادة عندما يتقدم أي فاعل سياسي أو حزبي أو أي مسؤول في أي هيأة ذات الاهتمام والإشتغال في المجال او الفضاء العمومي ، تسترسل الأسئلة تباعا حول الدوافع أو الذرائع المفترضة والحقيقية ؛ غير أنه بالنسبة للمتتبع المنتج أو المحلل الجيد لا ينساق مع عملية النبش أو افتعال سيناريوهات لتبرير التصرف أو لتبخيس الواقعة او المبادرة ، بل إنه يفكر في التداعيات ومدى وقعها الاحتمالي على المركز القانوني للمستقيل أو طالب الإعفاء من المهمة أو المنصب ، وآثارها على علاقاته ومسؤولياتها الوظيفية او المرفقية او التعاقدية بصفة عامة ، مع المحيط أو الوسط أو الإدارة والسلطة العمومية او المدنية وغيرها . وبالنسبة لاستقالة المصطفى الرميد ، فمهما تعددت الأسباب المباشرة وتماهت الدوافع المتراكمة ، لا يمكن تجاهل الفراغ الذي سيتركه ، كحلقة ضرورية وأساسية ، داخل حزبه والمجلس الحكومي وعلى صعيد الحياة السياسية والفضاء العمومي ، فهو الحكيم بعد الراحل عبد الله باها ، بالنسبة لحزبه ، والمستشار القانوني بالنسبة للحزب والتنظيمات ذات الصلة ، لكن في نفس الوقت هو صاحب نفوذ وتأثير والحاسم أحيانا في القضايا ” المصيرية أو المبدئية والتنظيمية ” داخل القيادة ، ناهيك عن شبكة العلاقات التي نسجها داخل جسم منظومة العدالة والمجتمع السياسي والمدني والأكاديمي والدعوي ، لذلك ، ورغم شراسته وطبعه الحاد والانفعالي ، تراهن عليه الدولة وتعتمد عليه ، سواء كوسيط مؤهل ، في نظر العقل الأمني ، وكمنفذ جيد لقرارات وإملاءات ” عقل ” الدولة العميقة ، فهو أكثر إئتمانا من أي عضو آخر ، بشهادة وتوصية من الزعيم المؤسس عبد الكريم الخطيب . من هنا وبالنظر لهذه الاعتبارات ، وما خفي كان أعظم ، فإن طلب الإعفاء الذي جاء في صيغة استقالة مرفوعة إلى رئيس الحكومة ، هي رسالة متوافق في غالب الظن على الإذن بتوجيهها إلى الرأي العام ، ويرجح أن يتم قبولها ، بعلة الوضع الصحي لوزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان ، في ظل سياق تهيمن عليه أجواء الاستحقاقات وما يرافقها أو يسبقها من تحضير لتصفية البيئة الحقوقية وإطلاق مبادرات تشريعية مرتبطة بانفراج سياسي بمقاربة حقوقية وتنموية اجتماعية ، ترد الاعتبار لمطلب دولة الجهات وإقرار العدالة المجالية وجبر الضرر الترابي ، وهي محطة لن تكون إلا بريادة الملك بامتياز ؛ فيبدو أن هناك توصية من مهندسي العقل الأمني بانهاء العملية السياسية والأمنية التي رافقت ولاية فقيه المصباحيين ، بنعومة ورفق واحترام تام لأخلاقيات الصراع السياسي وقواعد اللعبة المتعارف عليها تقليدانيا ، وفي ذلك قد تكمن الأسباب الخفية لما يجري ، فالدولة لا تحتاج فقط إلى إتباث قوتها وتأكيد هيبتها بل تروم إحيانا إلى إبراز مؤشرات التميز مقارنة بين كل مرحلة وأخرى ، وعلى الخصوص بين عهد سنوات الرصاص وما بعده ، وقد تحضر بعض المحللين امكانية أن تكييف الوقائع والأوضاع مع السياقات لا يفضي سوى لتأكيد حقيقة ان الدولة والنظام السياسي مستمران والأشخاص عابرون ، وأن العمليات وقتية والتسويات مؤقتة في صيغة تناوبات توافقية غير مسموح لها بالتنافس على احتلال للمشهد للعام أو أن تستغرق ” الحضور المهيمن ” للمؤسسة الملكية .