رشيد الإدريسي عضو اللجنة المركزية لحزب الطليعة

حين باغته المرض، وجد جسما متعبا منهكا، كنا نقول له يجب أن تنتبه لصحتك، كان يلتفت باتسامته المعهودة  ولسان حاله يقول إنها أمور بسيطة، ولأنه من قافلة جيل تحمل كل العذابات والآلام في صمت، فقد كان منشغلا كليا بالقضايا الكبرى!! في نكران قاس للذات، جيل فتح عينيه ووجد نفسه في لجة الصراع والمعارك من أجل الحرية والكرامة، تاريخه الشخصي هو تاريخ أحداث ومحطات بارزة في مسيرة شعبنا النضالية.

انخرط مند شبابه في الحركية النضالية بمدينة البيضاء وهي المدينة التي عشقها وعاش زخم أحداثها وخصوصا أنها القلب النابض للنضال الشعبي والعمالي والحركية السياسية والثقافية، كان يعرف حقائقها وأوضاعها وأوجاعها، كان في قلب حركيتها في العمل السياسي، حيث عاش تجربة الحركة الاتحادية في مدينة كانت مركز الاتحاد، كيف لا وهو الابن البار لحركة زاخرة بالعطاء والتضحيات، متصلا مع جميع أجيال الحركة، متعلما من رجالها الأفذاذ ونسائها الشامخات، معاني الصمود والإباء والكبرياء، ويبادلهم التقدير والاحترام حتى ولو اختلف مع بعضهم، فالسياسة بالنسبة إليه بدون عمق إنساني لا قيمة لها.
ويواصل معركة البناء، بناء تنظيمات الطليعة، كان بيته في بداية عمله وزواجه كما حكى لي مقرا دائم الحركة في ظروف استثنائية تغلب عليها السرية والملاحقات والاعتقالات، التي لم يفلت منها واجتاز محنة الاعتقال والسجن بصمود، حيث لعب دورا مهما في تجميع المعتقلين ووحدتهم وصمودهم، وحكى لي رفيق بدمنات كيف كان له سندا قويا في السجن، ولأن المحن لا تنتهي ستتلقفه محنة الطرد من العمل وهي أشد وأخطر.
وللحقيقة والتاريخ أن النظام كان يعتقد أنه سيقضي على المجهود اليساري الساعي إلى إعادة بناء الحركة الاتحادية لتصليب عودها وتطوير أدائها وحمايتها من كل أشكال الانحراف بتشديد القمع والملاحقات والطرد من العمل وإغلاق المقرات وتشميعها، لكن كان رد المناضلين رغم الظروف الصعبة والعديد من التواطؤات، أنهم لن يستسلموا ولن يحنوا جباههم، ليس لأنهم ينزعون للبطولات، بل لأنهم يعرفون أن مذاق الاستسلام مر كالحنظل وأن قدرهم أن يرفعوا التحدي لإبقاء شعلة الكفاح متوهجة في أوساط الجماهير والمناضلين.
كان محمد حجار رجل تنظيم وعمل جماهيري وعمل ثقافي وحقوقي، إنه قدر جيل أن يعمل في جميع الجبهات مواكبا ومنخرطا ومشجعا، موجود في كل الجبهات يتسارع مع الزمن لسقي مساحات الأمل، محتضنا للشباب قريبا منهم، كانوا يعتبرونه شابا حتى ولو غزا الشيب رأسه، وخصوص أنه الإنسان المتواضع الخلوق الطيب، الذي لا تحتاج لوقت ولجهد لتتواصل معه، منصت جيد ومتفاعل وغير متعصب، وهو ما جعله أكثر الناس قابلية للاشتغال في العمل المشترك والوحدوي وخصوصا في أوساط اليسار الديمقراطي، والذي يتذكر الجميع مجهوداته وتضحياته من أجل ترسيخ الفعل اليساري الوحدوي، كان رجلا محاورا ومفاوضا جديا ورجل ثقة وأمانة، يحترم العهود والاتفاقات، ويعتبر أن الأزمات هي محطة لتعلم الدروس.
وحتى وإن اختلفت معه، فإنك تجد نفسك أمام إنسان  لبق يختار كلماته، بدون تجريح وبدون استفزاز، لأنه يؤمن أن العمل السياسي بدون أخلاق لا قيمة له، وهذا ما يفسر هذا الالتفاف عليه من كل أطياف الحركة التقدمية واليسارية  إنه درس محمد حجار الذي يعلمنا أن السياسة أخلاق ونبل وعمق إنساني.
ولذلك فالجميع أحس أنه فقد شيئا ثمينا منه، وفي نفس الوقت يقول الجميع  بصوت واحد نريد أن نخرج من شرنقة التشرذم والتشتت والانقسام، نريد عملا وحدويا ينتصر للمستقبل ولكل ما هو جميل ومشرق، وذلك كان درس حجار في حياته وموته.
عاش حجار حياته من أجل القيم والمبادئ، لم يكن متلهفا أو باحثا عن الامتيازات والمواقع، عاش مصاعب الحياة كواحد من أبناء الشعب، كان أمله وحلمه أن يبزغ فجر جديد لا مكان فيه للعسف والاضطهاد والاستبداد، لكن داهمه المرض.. قاومه بمعنويات قل نظيرها  لكن لم يستسلم.. أما أنت أيها الموت فقد كنت قاسيا ومؤلما، لكن فلتعلم أيها الموت أنك انهزمت لأن حجار قاوم بكل أنفاسه حتى الدقائق الاخيرة، قاوم بكبرياء وصمود وظل نبضه متمردا على الموت، معلنا أنه حي لا يموت، سيظل بيننا شجرة نستظل بها، في كل الأزمنة، سيظل منارة مضيئة تنير الطريق..
وداعا رفيقي الجميل لن ننساك لن ننساك