ربورتاج حنان داعلي

نساء مغربيات حبيسات بين جدران منازلهن مع معنفهن.

صمت رهيب، شوارع فارغة، أبواب موصدة، نوافذ مغلقة لجدران منازل تعج بأصوات صرخات أنثوية صاخبة، تنم عن عذاب لا يطاق، بمجرد سماعها تترسخ في الذهن كرسوخ الأصابع في راحة اليد.
نصادف داخلها وجوها دامية، وملامحا شاحبة، وأجساما مكومة-ذابلة، في طياتها جروح غائرة، نتيجة حروب ضارية، لم يكن الخاسر الأكبر فيها سوى نساء معنفات فلتن من وباء ‘’كوفيد 19’’ ولم يفلتن من وباء، من نوع آخر، ربما أشد خطورة من النوع الأول.

ليلى، 37 سنة، ابنة سلا وقاطنة حاليا في فاس، واحدة من هؤلاء النساء اللواتي تعرضن خلال فترة الحجر الصحي لشتى أنواع التعذيب، ‘’لأسباب واهية’’ على حد تعبيرها.
فتحت لنا ليلى قلبها المحترق، لتحكي لنا معاناتها التي تجاوزت عقد من الزمن مع العنف الزوجي  ‘’عشت ظروف عائلية صعبة جدا، الأب كان مدمن مخدرات، كنت كنشوفوا دائما كيعنف الأم ديالي، تربيت فوسط عنيف لأقصى درجة… ملي خطبني راجلي قبلت بدون تردد، لأنه كان كايبان ليا هو ‘’المنقذ والملاذ والحل الوحيد’’ لديك الحالة اللي كنت عايشاها مع واليديا .‘’
ملكها الصمت فجأة بلمح البصر، ودموعها الساخنة تهطل من سحابة عينها بسخاء شديد على بشرتها المنهكة ووجنتيها المتورمتين. بدأ ريقها ينحشر شيئا فشيئا في زفير أنفاسها المتسارع وكلماتها المبعثرة والمتقطعة. توقفت ليلى عن الحكي لفترة طويلة، لتستجمع قواها التي تلاشت واستنفذت مع كل ركلة اخترقت جسدها النحيل ونخرت عتوه لتظل منقوشة بديباج على لوحة ذاكرتها طيلة الثلاث عشرة سنة الماضية.

بإيقاع منتفض تستمر ليلى في سرد معاناتها وتقول : ‘’فديك الفترة ولا عنيف لدرجة هضرة جوج كيقتلني عصا على والو, وكان كيحكرني بالهضرة وكيحطم ليا شخصيتي… ماعطاناش الله الولاد كيقوليا منك يا العاكرة ! ‘’

مشاهد عنيفة !

شارفت الشمس على المغيب, وهدوء الحجر خيم على عتبات المنازل بالمدينة العتيقة بفاس تحت طائلة الخوف من وباء مجهول المعالم, انزوت ليلى في أحد أركان الغرفة ظلاما, عبثت بالستارة كثيرا لتتطلع إلى النافذة الخارجية لمنزلها, نظرت صوب السماء ربما لتأخذ هدنة قصيرة من إحساس الخوف والتيه, ولتقبر معه طمي الحزن وحصى العذاب. لحظات قليلة بعد ذلك, ركلات متقاذفة بحذاء جلدي رجالي متين اتجهت صوب رأسها لتعكر صفو رحلتها بصبغة حمراء داكنة اللون نزفت بغزارة على جلدها الخشن والمتورم.
ضربة قاضية من رجل اعتبرته السند والوتد في هذه الحياة, جعلتها تتكوم ككرة مهشمة تتخبط بين الجدران لتجد مخرجا تكسر به واقعها الأليم وعذابها اللامنتهي. غمغمت بكلمات مبتورة لم أفهم منها الكثير, سوى : ‘’عطاني ركلة لراسي, جهة وذني, وناض كيصرفق فيا بيديه بجوج…جلست فالركنة كنبكي, كنبكي, كنبكي… لدرجة عينيا مابقيتش كنشوف بيهم.’’ تسترسل في حديثها : ‘’كون ماشي الحجر الصحي وحظر التنقل, والله منزيد معاه نهار ! ‘’

معاناة قد تصل الى الانتحار !

عائشة شابة في عقدها الثالث، تزوجت عن قصة حب دامت خمس سنوات، وتطلقت بعد أقل من سبعة أشهر من الزواج. بحسرة تقول : ‘’بعد مضي أسبوع واحد من زواجنا، تعرفت على وجهه الحقيقي الذي كان يخفيه عني لسنوات. اكتشفت متأخرة أنني ارتبطت بشخص أناني وعنيف…دفعتني تصرفاته النرجسية مرارا إلى محاولة الانتحار ; اخرها كانت في منتصف فترة الحجر الصحي’’.

حالة عائشة وليلى وأخريات، نقلناها إلى الطبيب المختص في علم النفس، د. عبد الكريم لاكروح، والذي وضح لنا أن الآثار النفسية التي تترتب عن العنف الأسري كثيرة، كما أقر بأن لها أبعاد سيئة جدا على مستوى الصحة النفسية للنساء ضحايا العنف الزوجي:

  • فعلى المدى القصير، يمكن أن يسبب هذا العنف الأسري الشعور بالنقص والخوف والقلق، وكذا ضعف الثقة بالنفس لديهن. وبالتالي، انعدام الاستقرار النفسي وحتى العاطفي.
  • على المدى المتوسط، فيمكن أن نجملها في ظهور اضطرابات وأمراض نفسية-عقلية خطيرة كالاكتئاب والإدمان، وقد تصل هذه المعاناة الى ماهو أشد خطورة ألا وهو ‘’الانتحار’’ …
  • أما على المدى البعيد، فيمكن أن يسبب في ظهور تنشئة اجتماعية غير سوية، و بروز سلوكيات منحرفة و ظواهر نفسية و اجتماعية خطيرة تعثر تقدم المجتمع وتطوره.

أرقام مخيفة:

تفاقم واستفحال ظاهرة العنف ضد النساء ليست وليدة الحجر الصحي، إلا أن حدتها تزايدت بشكل مخيف خلال تلك الفترة. بلغة الارقام، سجلت فيدرالية رابطة حقوق النساء بالمغرب، خلال الفترة الممتدة بين 16 مارس و10 يوليوز، ما مجموعه 2543 حالة عنف. و أكدت الفيدرالية، في تقرير لها، ان ‘’الأزواج هم أكثر المعنفين’’ ; إذ أن العنف الزوجي سجل أعلى النسب خلال فترة الحجر الصحي، حيث بلغ ;84,4% بما فيه عنف الطليق كاستمرار للعنف الزوجي.’’
بشرى عبده، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، تقول إن جمعيتها استقبلت منذ 17 مارس إلى غاية 30 يونيو، 645 حالة عنف موثقة. هذا بالإضافة إلى استقبال حالات أخرى إلى غاية دخول قرار تخفيف تدابير الحجر الصحي وحتى بعده.


و أوضحت الفاعلة الجمعوية عبده أن العنف المنزلي خلال الحجر الصحي تضاعف بشكل ‘’مهول.’’ فبعد أن كانت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة بالدار البيضاء تستقبل حوالي 200 حالة عنف طيلة السنة، ارتفع العدد إلى ما يناهز 645 حالة خلال فترة الحجر الصحي فقط.
وأقرت عبده أن قصور القوانين والتشريعات المغربية وعجزها عن حماية النساء، وإغلاق المقاهي وحظر التنقل, وكذا اضطرار الأسر إلى التعايش في مساحات ضيقة للغاية وفي مساكن تغيب فيها الشروط الدنيا للعيش الكريم، إضافة إلى قلة الموارد، وتوقف الرجال والنساء عن العمل… كلها عوامل جعلت العنف الزوجي يتزايد بشكل ملحوظ جدا.
وأكدت بشرى عبده أن أكثر الحالات التي ترددت على جمعية التحدي للمساواة والمواطنة كانت حالات تعرضت لعنف نفسي، ثم اقتصادي، ثم جسدي, وبعده جنسي, وأخيرا العنف الرقمي.

ثغرات قانونية عدة :

القاضي أنس سعدون، دكتور في الحقوق وعضو نادي قضاة المغرب بدائرة محكمة الاستئناف بطنجة، يقول لنا بهذا الخصوص ‘’إن قانون محاربة العنف ضد النساء بالمغرب 13-103، الذي دخل إلى حيز التنفيذ قبل سنتين، لم يتضمن إجراءات عملية لتسهيل وصول النساء المعنفات إلى العدالة.’’
من جهة، يرى الدكتور سعدون بأن الجائحة أكدت حجم هذه الثغرات على مستوى القانون الموضوعي والإجرائي. ويوضح أن النساء المعنفات خلال الجائحة وجدن صعوبة في الوصول إلى المحاكم بسبب تعليق العمل ومنع الولوج إليها. ويضيف : ‘’بالرغم من أن مدونة الأسرة ألغت مفهوم القوامة، وجعلت الأسرة تحت الرعاية المشتركة للزوجين، إلا أن زمن الجائحة أعاد إلى الواجهة تكريس مفهوم قوامة الزوج، وهو ما يبدو من خلال تقييد الحصول على بعض المساعدات على وجود رب الأسرة ; كمصطلح يحيل في الضمير الجمعي على الرجل/الزوج/ولي الأمر.’’
ومن جهة أخرى, يلاحظ القاضي أنس سعدون أن ‘’قانون 13-103 لم يحدث شرطة متخصصة في العنف القائم على أساس النوع, ولم يفرد لهذه القضايا جلسات خاصة في المحاكم، كما أنه لم ينص على استفادة الضحايا من المساعدة القانونية والقضائية بقوة القانون .وقد كشفت الجائحة عن حجم العراقيل التي واجهت النساء في الانتصاف والتي انضافت إليها عوامل أخرى كالفقر والهشاشة والأمية…’’

وفي سياق متصل، شدد المحامي والفاعل الجمعوي مهدي الودي على ضرورة إحداث المشرع المغربي لتغييرات على مستوى قانون حماية العنف ضد النساء. ويمكن أن يتحقق ذلك، حسبه، عن طريق :

ثقافة العيب أو ‘’الحشومة’’  : حصانة قوية للعنف الزوجي.

‘’فترة الحجر كاملة وأنا كنتعرض للعنف الزوجي…اليوم اللي خبرت والديا بقرار الطلاق، قالوا لي صبري حنا ماعندناش المطلقات فالعائلة’’… بهذه الكلمات المصحوبة بنوبة بكاء حادة تسترجع من خلالها شريط لحظات العنف تحكي لنا غزلان, ذات الاثنين وعشرين ربيعا, والحزن يعلو ملامح وجهها الشاحب عن الأسباب الكامنة وراء اكتفائها بالصمت لفترة طويلة، وعدم طلاقها من زوجها المعنف والعيش معه تحت سقف واحد إلى حد يومنا هذا. ‘’الطلاق عندنا عيب وحشومة فالعائلة، واخا تصبر المرأة حياتها كاملة للذل والإهانة المهم متطلقش حيتاش كتولي مصالحاش… ’’

غزلان ليست الحالة الوحيدة التي تعيش في قوقعة ثقافة العيب وهاجس الخوف من نظرة المجتمع حسب الباحث في علم الاجتماع الدكتور علي الشعباني, والذي يؤكد أن أهم العوامل التي تمنع الزوجة من اتخاذ الإجراءات القانونية ضد زوجها المعنف مرتبطة بشكل وثيق بثقافة العيب أو’’الحشومة’’ المتجذرة في المجتمع المغربي. ويقول : ‘’ما إذا تعرضت الزوجة إلى اعتداءات أو عنف زوجي وأرادت أن تتخذ موقفا أو تسلك إجراء معينا ضد زوجها المعتدي، يواجهها الأقارب و كل الناس بأن ما ستقومين به ضد زوجك “عيب وحشومة”.
ويضيف الدكتور الشعباني : ‘’حسب الثقافة الاجتماعية السائدة، فإن المرأة الزوجة لا بد لها من الصبر والتحمل. ويوضح : ‘’قيام المرأة، حسبهم، بمثل هذه الإجراءات يعني نهاية الحياة الزوجية. والمجتمع أيضا قد لا يقف مع هذه المرأة ولسان حاله يردد:” حشومة عليها، كان عليها أن تصبر وتتحمل على وجه أبنائها “، “هذا عيب !”

مجهودات جبارة :

مجهودات ملحوظة ومبادرات حميدة هي التي قامت بها منظمات حكومية وجمعيات نسائية مغربية لمحاربة استفحال ظاهرة العنف ضد المرأة، منذ بداية تزايد حالات النساء ضحايا العنف خلال فترة الجائحة وبداية الحجر الشامل ببلادنا، وذلك من خلال تقديم مساعدات متنوعة وخدمات متكاملة.
ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، أن فيدرالية رابطة حقوق النساء بالمغرب قدمت عبر شبكة الرابطة ‘’إنجاد’’ ضد عنف النوع، منذ 16 مارس 2020، ما مجموعه 4360 خدمة شملت الاستماع والاستقبال، وكتابة الشكايات، وتتبع الملفات، وتقديم الاستشارة القانونية والدعم النفسي والتوجيه للنساء. بالإضافة إلى خدمات أخرى كالتكفل والإيواء، والمؤازرة القانونية، وتسريع المساطر المتبعة، وكذا الإرشاد القانوني وغيرها…
وفي هذا السياق، تصرح لنا سميرة موحيا، نائبة رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، بأن الفيدرالية استقبلت منذ بداية الجائحة ما يناهز 1774 اتصالا هاتفيا من 1084 امرأة معنفة من مختلف مناطق المغرب، للتصريح بالعنف الذي يتعرضن له. وقالت في هذا الصدد : إن ‘’هذه الارقام فقط من النساء اللواتي استطعن الاتصال بنا في ظل ظروف الجائحة الصعبة، بينما هناك معاناة صامتة للعديد من النساء اللواتي لم يستطعن التواصل معنا للبوح بما تعرضن له من عنف بشتى أشكاله.’’

عراقيل كثيرة :

إشكاليات مختلفة وتحديات متنوعة ثقف كحجرة عثرة أمام عمل الجمعيات المناهضة للعنف ضد المرأة بالمغرب. منها ما يرتبط، حسب المتخصصين، بالتقاليد والأعراف المجتمعية، ومنها ما يتعلق بثغرات قانون محاربة العنف ضد النساء وكيفية تأويله وتفعيله وتطبيقه على أرض الواقع، ومنها مايتعلق بالجانب التقني والتكنولوجي واللوجيستيكي، وأخرى تتعلق بتحديات الحجر الصحي وحالة الطوارئ ببلادنا.
وفي هذا الإطار، تشدد سميرة موحيا، نائبة رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، على أن أهم العراقيل التي تواجه الفيدرالية تتعلق أساسا بالأعراف والتقاليد المجتمعية التي تتضمن حسبها مقتضيات تمييزية كثيرة. إلى جانب غياب قوانين تؤطر الاغتصاب الزوجي الذي يدخل في إطار العنف الجنسي-الزوجي. زد على ذلك، ضعف التبليغ عن العنف الممارس ضد النساء، وضعف الولوج إلى المعلومة. وتقول موحيا في هذا الصدد : ‘’الكثير من النساء المعنفات يعانين من الأمية الأبجدية والرقمية، ومنهن من لا يتوفرن على هواتف ذكية أو حتى على هواتف عادية للاتصال بنا !’’
وتحدثت موحيا أيضا عن تحدي حماية وإبعاد المرأة ضحية العنف الزوجي من زوجها المعنف خاصة خلال فترة حظر التنقل، كما أشارت إلى مسألة عودة ‘’القوامة’’ مجددا. تقول : ‘’في هذه الأزمة الصحية اعطيت مجموعة من الصلاحيات والامتيازات للرجل،كتلقي الدعم والحصول على الرخص الاستثنائية، وهو الأمر الذي أعاد مفهوم القوامة مجددا إلى الواجهة. ‘’
هي إذن صعوبات كثيرة وعراقيل متنوعة، تتصدى لها مختلف منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال محاربة العنف ضد النساء، من خلال ضمان حق الاستفادة من خدمات متنوعة للنساء المعنفات من مختلف مناطق المغرب