مصطفى المنوزي

ليس من عادتي التفاعل مع الخطاب الملكي إلا من زاوية تثمين ما يستحق ، وكذلك لا أتفاعل نقديا إلا عندما أرغب في التذكير بالإلتزامات الناتجة عن التوصيات والتسويات المنتجة للحقوق المكتسبة ؛ والمبادئ التي يؤطرها الدستور ، لذلك حاولت أن أتعامل مع الخطاب كنص قابل للتأويل الإيجابي ، وقد نمتح له مقوماته الإيجابية من وعود المؤسسة الملكية ، ونتصور وليس نفترض فقط أن الملم في قضية المرأة يرتدي قبعة رئيس الدولة وهو يقر في خطابه مؤكدا بأنه “” … لن نتمكن من رفع التحديات الداخلية والخارجية، إلا بالجمع بين روح المبادرة ومقومات الصمود، لتوطيد الاستقرار الاجتماعي، والنهوض بوضعية المرأة والأسرة ؛ وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني … “” ، وباعتبار أن هذه الفقرة من الخطاب تنتمي إلى قاموس الحداثة ، ورغم أنه في بداية العهد المحمدي تم التركيز على المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي إقترانا مع المفهوم الجديد للسلطة ؛ فإنه بإسم التوازنات فالملك وهو يحاول التأكيد على نزوعه نحو التحديث بالتأكيد في نفس الخطاب على أنه : …”” بناء مغرب التقدم والكرامة، الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية.
لذا، نشدد مرة أخرى، على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات…وقد حرصنا منذ اعتلائنا العرش، على النهوض بوضعية المرأة، وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها….”” وهنا يتجلى أن سند قوله وقراره الضمني محدود فيما تتيحه له صلاحياته الدستورية كرئيس للدولة ، في حين عندما أراد الرد على بعض المطالب المشروعة والتي تهم الوضع الإقتصادي في العلاقة مع المساواة في الذمة المالية أي كل ما هو علاقة بالثروة الناتجة عن الإرث ، إستنجد بقبعة إمارة المؤمنين والتي تلزمه “” أن لا يحلل ما حرمه الله ، ويحرم ما حلله الله ” ، وهو تبرير قد يكون مقبولا لأن موازين مختلة بصفة واضحة لصالح التيارات المحافظة ، لذلك جاء في سياق الخطاب والموضوع : “” …ومن هنا، نحرص أن يتم ذلك ، في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية ، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح ، والتشاور والحوار ، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية….”” الشيء الذي يفهم منه أن هناك توافق بين القبعتين معا على فتح نقاش عمموميا وأكاديميا ، عموديا وعرضانيا ، مؤطرا بوعاء مدونة الأسرة ، وبعلة أنها تحتاج إلى تفعيل الإيحابي وتطويره ثم تعديل المقتضيات التي تعتريها تواقص وإختلالات ، وفي رأينا أن السياق العالمي يتيح كل إمكانيات الإنفتاح ، مادام أن الرهان الكبير في تحقيق التحول ، في سياق “” التقدم والكرامة ” قائم على تأهيل أدوار المرأة وتمكينها من مواطنتها في تساو تام وتواز كامل مع الرجل ، وهذا يقتضي معركة طويلة النفس ، ضمنها جبهة مقاومة المد المحافظ ومحاصرة توظيفه للتمثلات ” الذكورية والنسوية ” المضرة بمبادئ تكافؤ الفرصة والكرامة والعدالة بجميع تجلياتها وغاياتها . فما هي انتظاراتنا في هذا الصدد ؟ وهل يكفينا الرهان على إرهاصات الشق الحداثي في إرادة المؤسسة الملكية ؟ أم لابد من إستحضار أن الحداثة هو منظومة فكرية متراكمة منذ أن تحققت لدى محيطنا في الشمال الشرقي والغربي من الكرة الأرضية ، ولم تعد يومه مرجعا مقنعا بعد الذي حصل من تحولات ، إنحرفت معه إلى مناخ مبرر للإستعمار وانتهاك حقوق الإنسان والشعوب بإسم التدخل الإنساني وتصدير الحرية والديمقراطية ؟ وهل يسارنا و” تقدميونا ” مؤهلون للدفاع عن الحداثة ، ومستعدون لاعادة إستنبات قيمها في أحزابهم وأنسجة الدولة والإقتصاد والمجتمع والعلاقات والسلوك والأذواق ونمط العيش والتعايش ؟ أم أن الهشاشة الفكرية والسياسية والتنظيمية من جهة ، وكذا إغراق التفكير في الدوغمائية والحنين إلى الأصولية المذهبية بمظاهر جذرية وجواهر شعبوية وعدمية ، كايديولوجيا ” تنعم ” في اللبرالية و”حقوقها السياسية ” متجاوزة مرحلة ” الدولة الوطنية والديمقراطية ” بما يعني ذلك من تنازل حقيقي عن إشتراطات العقل والعقلانية ؟
إن الخطاب الملكي يفتح فرصة للحوار الوطني ، فهل في الأمر إرادة حقيقية لإحداث ولو قطائع صغرى ، مراعاة لمواثيق التوافق والتسويات المرجعية ؟ أم أن الأمر لا يعدو التعبير عن لحظة هدنة وطنية يحتاجها الوطن ، بصفة وقتية لتحقيق التواصل التاريخي مجسدا في إنتقال سياسي جديد ؟ وما يهمنا – كتعبير من بين تعبيرات سلالة للمقاومة وجيش التحرير ، متواصلة عضويا ضمن الصف التقدمي وكمشاركين في كافة الديناميات الوطنية الهادفة إلى دمقرطة الصراع السياسي والإجتماعيح ، والحرص على سلميته وحضاريته – أن نواصل مقاومتنا لعوائق التحديث باستدعاء التفكير النقدي وتحيين مفهوم العقلانية ، واحترام مبدأ التدرج ، والذي لا يعني سوى تفادي الحرص على الإصطفاف في الخنذق الصح والإصطفاف إلى جانب محركي التاريخ ومهندسي التغيير دون التجاوز عن الطبقات الوسطى ، لأنها حاملة مشعل التقدم والتحرر والفكر الديمقراطي ، فلا دور لغيرها من الطبقات ، سواء دنيا او عليا ، فهي التي تعتمر مسلسل الدورة الإنتاجية ، المادية والمعرفية ، حسب قاموس البعض ، أو الفضاء العمومي بلغة الحداثيين ، لأن عهد الزوايا والمجال السياسي المغلق ولى ، وإن صمدت بعض فلوله فهو لا يقوى على مواجهة تحديات وإكراهات حتمية التقدم والتحرر ، فلنصلح ذوات البين في أفق تغيير الوضع ديمقراطيا ، وهو أعز ما يطلب ، ممارسة وخطابا ، وإن كان ما يهم الدولة مجرد بقاء الحال على ماكان ، باسم الإستقرار وذلك بتفضيل آلية التكيف على أي إرادة للتحول من شأنها تكريس فوبيا اللايقين . وهل يعقل التصالح مع الغير ، جوارا كان أم إستعمارا ، دون المصالحة مع الذات وحماة الوطن ؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube