المصطفى القادري اليملاحي – لندن

تابعنا قبل أيام فصلا اخر من فصول عمليات الاقتحام التي ينظمها المهاجرون الافارقة كلما سنحت لهم الفرصة بغية تحقيق حلم العبور نحو أرض الخلاص الأوروبية حيث تتحقق شروط الحياة الرغيدة في مجتمعات الديموقراطية وحقوق الانسان وتضمن حرية التعبير وتحترم كرامة الانسان أو كما يضنون.

الدول الاوروبية التي بنت امكانياتها الاقتصادية عبر التحكم في الموارد الاقتصادية للبلدان “الفقيرة” سواء خلال فترة الاستعمار المباشر او من خلال استعمال كل السبل التي تضمن لها حماية مصالحها على حساب حاضر ومستقبل اجيال يتم تفقيرها عمدا حتى يتمكن الانسان الاوروبي من ان يعيش حياة الرفاهية دون التوقف لمساءلة سياسييه عن مصدر هذا الرفاه او مقدار الظلم الذي يمارس من اجل تحقيقه. فضمير الانسان الاوروبي تم تدجينه الى مستوى قبول النهب الممنهج تحت مسميات التجارة والاقتصاد والعولمة … وأن يتبجح بتقديمه بعض الفتات في شكل تبرعات او مساعدات او ديون للضحايا تعبيرا منه عن تضامن انساني مصطنع يشكل في حد ذاته مجالا اقتصاديا يخلق فرصا للشغل بالنسبة للأوروبيين فيما يسمى بالمجال الثالث. في حين يصل من الموارد المخصصة للتضامن او التعاون الدولي قدر زهيد كاف لتلميع صورة الغرب كرمز للرحمة والانسانية.

على نفس المنوال يتم تقديم بعض الفتات لتحويل بعض الدول الى دركي يحمي الحدود الاوروبية من زحف جياع افريقيا نحو بلدان الانسانية والرحمة والأخلاق النبيلة. لانه وللاسف لايوجد على موائدها مكان شاغر لجائع متشرد لا يطلب الى قليلا من بقايا طعامها الفاخر لسد رمق الجوع. أو لأن هؤلاء العراة الهمج لم يستطيعوا الالتحاق بالجامعات ونوادي اوروبا المرموقة ليتعلموا قواعد البروتوكول والايتيكيت، وتواجدهم سوف يثير لامحالة اشمئزاز اصحاب الاحاسيس المرهفة بالانسانية، الى درجة انهم مستعدون لارسال أشهر الممثلين والممثلات لأخذ الصور معهم واخذهم بين الاحضان في وجود الكاميرات طبعا، شريطة ان يتم ذلك في افريقيا المغبرة بعيدا عن سهراتهم وندواتهم واجتماعاتهم العالية المستوى. بالطبع هناك استثناء مهم يجب الاشارة اليه. اذا كان المهاجرون أو اللاجئون من الشقر ذوي العيون الخضراء او الزرقاء، فالامر يختلف لانه لا حاجة لبناء اسوار في وجه اللون الاشقر عنوان الحضارة والرقي.

المشكلة المطروحة اليوم تتعلق بتمرد الدول التي طالما لعبت دور الدركي، فعندما قام المغرب بالاستقالة من مهمة حراسة الحدود ابان فصول الازمة الديبلوماسية مع اسبانيا وما رافقها من عبور للشباب والاطفال المغاربة حينها نحو سبتة، في اشارة الى اهمية دور المغرب كدولة في حماية اوروبا من وصول جحافل من المهاجرين باعداد لا تطيقها القارة العجوز. هذا بالاضافة الى الاوضاع بليبيا وسوريا التي رفعت من وثيرة عبور اللاجئين والمهاجرين بارقام اصبح من الصعب التعامل معها من قبل ايطاليا والمانيا وفرنسا، هذه الاخيرة اصبحت غير قادرة على ايقاف العبور المتواصل الى بريطانيا.

الجزائر استفاقت بدورها على اثر ازمتها الاخيرة مع اسبانيا وما رافقها من أخذ ورد بسب تغيير الموقف الاسباني من ملف الصحراء، ودعم اسبانيا لمقترح الحكم الذاتي المقدم من قبل المغرب. صدمة اخرى تلقتها الجزائر التي تصف نفسها بالبلد المراقب، في حين أن الواقع الملموس يبين انها طرف رئيسي في الملف. وحيث ان موقف الاتحاد الاوروبي من قرارات الجزائر جاء حازما وصادما ادى الى تراجع الدولة الجزائرية عن قرارها وتقديم توضيحات تنفي نيتها في استعمال الغاز كعنصر ضغط.

لكن، ووفقا لمعطيات حول نية الجزائر استعمال “عراة افريقيا” كورقة ضغط من خلال الدفع بالآلاف نحو الحدود المغربية في محاولة لاغراق نواحي مدينة مليلية بالمهاجرين وخلق توتر بين المغرب واسبانيا. فالجزائر تحاول استعمال نفس الورقة التي استعملها المغرب سابقا بعد ظهور عجزها عن استعمال الغاز من اجل الدفع اسبانيا للتراجع عن موقفها.

الناتو، والذي حتما يعتمد على معطيات وتقارير دقيقة حول الوضع الراهن لحركات الهجرة والنزوح وتاثيرها على الدول الاعضاء، لا يمكن ان تتحول ورقتي الغاز والهجرة لوسائل ضغط تستخدمها بعض الدول للي اليد او للضرب على منطقة الوجع. لذلك فاعتبار استعمال الدول للهجرة بمثابة اعتداء على الدول الاعضاء شانه في ذلك شأن الاعتداء ذو الطابع العسكري سابقة خطيرة لا يمكن قبولها او المرور عليها مر الكرام.

المهاجرون ليسوا سلاح دمار شامل، ومن غير المقبول ان يتم استعمالهم كحطب او وقود للصراعات السياسية او الازمات الديبلوماسية. واعتبار الهجرة تهديدا يوازي التهديد العسكري يضرب بعرض الحائط كل بنود حقوق الانسان والقوانين الدولية التي تضمن حق التنقل واللجوء وتفرغ كل البرامج الدولية الموجهة للاجابة على اشكاليات التنمية من محتواها. وتضع المهاجرين في موقع العدو المهاجم الذي يسوغ للناتو وغيره امكانية استهداف الابرياء وانتهاك حقوقهم واقدسها الحق في الحياة بداعي الدفاع عن النفس المشروع ضد تهديدات أحدث أسلحة الدمار الشامل: “عراة افريقيا”. صواريخ جائعة قد ترفع من معدل الطلب للمواد الغذائية في زمن يحكى أن العرض يتنازل بسبب الحرب ومعدلات التضخم وازمات الغلاء التي ستزداد سوءا في حال وصول الصواريخ الجائعة العابرة للقارات.

بالنسبة للمغرب الذي يمكن ان يحس ببعض النشوة السياسية وهو يرى كيف ان الجارة الجزائر تقصف بقرارات وتهديدات مبطنة تتوعدها بالاسوأ في حال استعمالها لاوراق الضغط. فالجدير بالذكر ان تمرير مثل هذه القرارات هو تهديد استراتيجي مباشر للامن القومي المغربي. وليس انتصارا كما يمكن أن يتم تصريفه اعلاميا للاستهلاك الداخلي. ويمكن أن تصدق في هذه الحالة عبارة “إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

ان دول الجنوب كافة والمؤسسات الدولية والقوى المجتمعية الحية بدول الشمال التي لازالت تحتفظ بقدر من احترام الذات وتحكيم الضمير الانساني، يتوجب عليها ان تعلن عن رفضها لقرار الناتو وان تدينه بشدة لانه يحمل تجاوزات خطيرة ويشكل تهديدا للأمن والسلم العالميين وانتهاك سافر لحقوق الابرياء الذين يواجهون تبعات الاستبداد العالمي وسياسات التحكم المفضية الى افقارهم وحرمانهم من ابسط شروط الحياة الكريمة في اوطانهم.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube