أحمد رباص – حرة بريس

ربما تكون الفرضية المناسبة لهذه اللوحة الفنية هي أنها تقدم لنا رجلا جالسا إلى مكتبه وأمامه مرآة تعكس هيئته وهو يهم بالتقاط سيلفي له.
مضمونها مكون من عدة عناصر، منها أن اللوحة توثق للتعايش بين وسيلة تقليدية(المرآة) ووسيلة حديثة(الهاتف الذكي). تشترك كلتا الوسيلتين في دور مشترك وهو التصوير، لكن الفرق بينهما هو ان صورة الوسيلة الاولى زائلة مثل الظل، بينما تصمد صورة الوسيلة الثانية بمجرد الضغط على زر التسجيل.
ولعل اهم مكون لمضمون هذل العمل الفني يشخصه فان غوغ، الرسام العالمي الشهير، وهو ياخد سيلفي. الموضوع (المضمون) هنا لا ينسجم مع هذه الشخصية التي عاشت مأزومة منطوية على نفسها بعيدة عن الاضواء وعن المجتمع الاستهلاكي
لكن يبقى اهم عنصر من عناصر مضمون اللوحة، أو أهم إشارة يجب التقاطها هي أن السيلفي يقتل الفن الأصيل.
وما دامت هذه اللوحة منتمية لسجل الفن التجريدي، يجدر بنا الحديث عن هذه المدرسة في السطور التالية.
تتميز هذه المدرسة بمقدرة الفنان على رسم الشكل الذي يتخيله سواء كان نابعا من الواقع أو من الخيال في شكل جديد تماما قد يتشابه أو لا يتشابه مع الشكل الأصلي للوحة النهائية، مع البعد عن الأشكال الهندسية.
من رواد هذا الفن التجريدي الفنان العالمي بيكاسو، الذي اهتمت مدرسته
التجريدية الفنية بالأصل الطبيعي، ورؤيته من زاوية هندسية، حيث تتحول المناظر إلى مجرد مثلثات ومربعات ودوائر، وتظهر اللوحة التجريدية أشبه ما تكون بقصاصات الورق المتراكمة أو بقطاعات من الصخور أو أشكال السحب، أي مجرد قطع إيقاعية مترابطة ليست لها دلائل بصرية مباشرة، وإن كانت تحمل في طياتها شيئاً من خلاصة التجربة التشكيلية التي مر بها الفنان. وعموماً فإن المذهب التجريدي في التصوير، يسعى إلى البحث عن جوهر الأشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة تحمل في داخلها الخبرات الفنية، التي أثارت وجدان الفنان التجريدي.
تعني كلمة «تجريد» التخلص من كل آثار الواقع والارتباط به، فالجسم الكروي تجريد لعدد كبير من الأشكال التي تحمل هذا الطابع: كالتفاحة والشمس وكرة اللعب وما إلى ذلك، فالشكل الواحد قد يوحي بمعان متعددة، فيبدو للمشاهد أكثر ثراء. ولا تهتم المدرسة التجريدية بالأشكال الساكنة فقط، ولكن أيضاً بالأشكال المتحركة خاصة ما تحدثه بتأثير الضوء، كما في ظلال أوراق الأشجار التي يبعثه ضوء الشمس الموجه عليها، حيث تظهر الظلال كمساحات متكررة تحصر فراغات ضوئية فاتحة، ولا تبدو الأوراق بشكلها الطبيعي عندما تكون ظلالاً، بل يشكل تجريدي.
والمؤكد في أدبيات هذه المدرسة الفنية أن الفنان فاسيلي كاندسكي – وهو أحد فناني التجريدية العالميين [1866-1944] – تفوق في بث الروح في مربعاته ومستطيلاته ودوائره وخطوطه المستقيمة أو المنحنية، بإعطائها لوناً معيناً وترتيبها وفق نظام معين. ويبدو هذا واضحاً في لوحته «تكوين» التي رسمها عام 1914 م.
وهكذا أدى التطور الآخر في تاريخ الفن إلى بزوغ التيارات التجريدية والاستخدامات البارعة للخامات ومحاولات الاستقلال عن العالم الواقعى؛ على اعتبار أنه مصدر للموضوعات والأفكار.وتنشأ النظريات عن الطاقة الدرامية للخطوط الرأس-أفقية.
وهكذا، مرة أخرى، توصلت التجريدية إلى النتيجة النهائية لتنقية العالم الظاهرى؛ كبداية لقطع الرابطة بين الفنان والواقع تدريجيا. لقد شبه كاندنسكى أعماله في التصوير بالأعمال الموسيقية وكان يستخدم الألوان والأشكال المجردة وكأنها أنغام؛ وفي ذلك المجال تطورت تجاربه إلى أن تكشفت لديه إمكانية الاستغناء عن الأشكال الطبيعية.
نقرأ في نفس الأدبيات أن فريديرك الفيلسوف نيتشه (1844-1900) أعاد بمفهومه عن إرادة القوة الاعتبار للجسدى في مقابل الروحى؛ ووجه قوة الإرادة الإبداعية نحو جمالية الجسد أما ماليفتش 1878-1935 الذي تميز بفنه غير الشخصى البسيط وغير المزخرف؛ فقد أراد تصوير مالا يرى لقد عبر الفنان عن رغبته في أن تصبح الحداثة شكلاً لقوة الإنسان الذي يكرس طاقته من أجل خلق الأشكال الجديدة
أما في العالم العربي، فكان الفنان محسن عطيه من أشهر الفنانين التجريديين في مصر. أكد على ذلك المعنى الناقد الفنى صلاح بيصار حين كتب في مقالته بعنوان «من شفرات التجريد إلى مرافئ الدهشة» يقول: من بين قلة قليلة من فنانينا، ظل الفنان محسن عطيه مخلصاً للوحة التجريد، من بداية السبعينيات من القرن العشرين وحتى الآن، مؤكدا على أن اللغة البصرية بما تحمل من رموز وما تعكس من خطوط وألوان وتراكيب وصيغ، تبدو في شفرات تجريدية قادرة على أن تنقلنا إلى مرافئ الدهشة ومنافذ الحلم، خاصة وأعماله فيها من رحيق الأشياء وسحر الأزمنة والأمكنة، بل وبقايا عناصر من روح الحياة ووشوشات النور للظلمة وهمس الموجودات، على الرغم من التلخيص الشديد والإيجاز ولاختزال.
بزغت معالم أسلوبه في فترة السعينيات (1972-1976) وامتدت بمزيج من التعبيرية والتجريدية مع ومضات رمزية منذ اشتراكه في معارض جماعة الدعوة للآخر التي أقامت معظم معارضها في قاعات أتيليه القاهرة بوسط البلد، وفي معرضه الذي أقيم بقاعة إكسترا على نيل الزمالك.
كما عمق محسن عطيه هذا الاتجاه إلى حد أن أصبح علامة من علامات فنه، والذي ينساب بالنغمات اللونية أشبه بدرجات السلم الموسيقى على اعتبار أن المذهب التجريدى في التصوير يسعى إلى البحث عن جوهر الشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة تحمل داخلها الخبرات الفنية هي أشكال رمزية تعانق الأسطورة، سيما والرمز هو الصيغة المناسبة للتعبيرعن الحقائق المجهولة مثلما أن الأسطورة تمثل استعارات من المظاهر الطبيعية، من أجل أن تعكس العالمين الداخلى والخارجى.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube